loading

جوجل تعيد رسم الضفة الغربية: تغييب مناطق «ج» والقدس يثير قلقًا حقوقيًا ورقميًا

محمد عبد الله

أثار تحديث أجرته شركة “جوجل” على خدمة الخرائط الرقمية جدلًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والتقنية، بعد رصد تغييرات في طريقة تمثيل الضفة الغربية جغرافيًا، شملت تغييب المنطقة المصنفة «ج» وعدم إظهار القدس الشرقية ضمن النطاق الجغرافي للضفة الغربية، وهو ما اعتبره مختصون مساسًا بدقة المعلومات الجغرافية وتأثيرًا مباشرًا على الإدراك العام للواقع المكاني والسياسي في الأراضي الفلسطينية المحتلة.


مركز “صدى سوشال” أعرب في بيان صحفي عن قلقه إزاء التحديث الأخير، مشيرًا إلى أن خرائط جوجل باتت تُبرز بصريًا منطقتي «أ» و«ب» فقط، مقابل غياب واضح للمنطقة «ج»، التي تشكّل ما يزيد على 60% من مساحة الضفة الغربية.
ويرى المركز أن هذا النمط من العرض يُقدّم صورة جغرافية غير مكتملة للمستخدمين، ويؤثر على فهمهم لطبيعة التقسيمات المفروضة على الأرض.


وبحسب المركز، فإن تغييب المنطقة «ج» لا يمكن التعامل معه كتفصيل تقني عابر، في ظل كونها المنطقة الخاضعة للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، والتي تضم غالبية المستوطنات والبنى التحتية الاستيطانية، إضافة إلى آلاف التجمعات الفلسطينية المهددة بالهدم أو التهجير.


كما رصد “صدى سوشال” أن التحديث الجديد لم يُدرج القدس الشرقية ضمن النطاق الجغرافي الظاهر للضفة الغربية، ما يثير تساؤلات حول المعايير التي تعتمدها “جوجل” في تحديد الحدود والطبقات الجغرافية المعروضة. ويؤكد المركز أن القدس الشرقية تُعد، وفق القانون الدولي، جزءًا من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وأن تغييبها بصريًا عن الخريطة يساهم في طمس هذا الواقع القانوني.


ويشدد المركز على أن منصات رقمية واسعة الانتشار مثل “خرائط جوجل” لم تعد أدوات ملاحة فقط، بل تحوّلت إلى مراجع أساسية للبحث والتعليم وتوثيق المعلومات، وبالتالي تلعب دورًا محوريًا في تشكيل وعي المستخدمين بالمكان والحدود. ومن هذا المنطلق، فإن أي تغيير في التمثيل الجغرافي، حتى لو قُدِّم باعتباره تحديثًا تقنيًا، قد يترتب عليه أثر معرفي وحقوقي بعيد المدى.


ولا يُعد هذا الجدل الأول من نوعه. ففي آب/أغسطس 2016، خضعت “جوجل” لمساءلة عالمية بعد إزالتها تسميات “الضفة الغربية” و“قطاع غزة” من خرائطها، مبررة ذلك حينها بوجود “خلل تقني”، ومؤكدة أنها لم تكن قد استخدمت تسمية “فلسطين” رسميًا في خرائطها.


وفي تقرير سابق لمركز “حملة”، أُشير إلى أن ممارسات “جوجل” في تمثيل الجغرافيا الفلسطينية تثير إشكاليات حقوقية، خاصة في ظل اتهامات بتجاهل تسمية قرى بدوية فلسطينية، مقابل إبراز طرق المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، ما يُسهم في ترسيخ رواية تخدم سياسات الاحتلال على حساب القانون الدولي وحقوق الإنسان.


ويبيّن تقرير “حملة” أن حقوق الإنسان تمتد إلى الفضاء الرقمي، وأن الطريقة التي يُمثَّل بها العالم الفيزيائي عبر الخرائط الإلكترونية قد تتعارض مع حقوق أساسية، مثل الحق في حرية التنقل، والحق في الوصول إلى المعلومات الدقيقة. ويشير التقرير إلى أن تقسيم الضفة الغربية إلى مناطق «أ» و«ب» و«ج»، والذي كان يفترض أن يكون مؤقتًا بموجب اتفاقية أوسلو، تحوّل إلى أداة دائمة لتقييد حركة الفلسطينيين، وهو واقع تعكسه خرائط المؤسسات الدولية مثل “أوتشا”.


وانطلاقًا من اختصاصه في رصد تقاطعات التكنولوجيا مع حقوق الإنسان، دعا مركز “صدى سوشال” شركات التكنولوجيا العالمية إلى الالتزام بمبادئ الدقة والشفافية وعدم الإضرار، خاصة عند التعامل مع مناطق نزاع. وأكد أن توصيف الواقع الجغرافي ليس مسألة محايدة تقنيًا، بل قرار يحمل أبعادًا سياسية وقانونية، سواء أُعلن ذلك أم لا.


ويؤكد المركز أنه سيواصل متابعة أثر التحديثات الرقمية على الحقوق المعرفية وحق المستخدمين في الوصول إلى معلومات دقيقة، ضمن عمله البحثي والتوثيقي في مجال الحقوق الرقمية، مطالبًا بفتح نقاش جدي مع شركات التكنولوجيا حول مسؤولياتها في السياقات الحساسة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني