هيئة التحرير
في تصعيد جديد يستهدف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين “الأونروا”، والوجود الأممي في مدينة القدس، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي، يوم 20 كانون الثاني 2026، المقر الرئيسي لوكالة الأونروا في حي الشيخ جراح، برفقة جرافة عسكرية، وشرعت في هدم منشآت ومبانٍ متنقلة وقائمة، في خطوة أثارت موجة تنديد واسعة، واعتُبرت حلقة إضافية في مسار متسارع لتصفية دور الوكالة الأممية وشطب رمزية قضية اللاجئين.
وأفاد شهود عيان بأن طواقم إسرائيلية اقتحمت المقر بالقوة، فيما شارك وزير الأمن القومي الإسرائيلي المتطرف إيتمار بن غفير في الاقتحام، قبل أن ترفع القوات علم الاحتلال فوق المقر بدلًا من علم الأمم المتحدة، في مشهد وُصف بأنه سابقة خطيرة تنطوي على تحدٍ مباشر للشرعية الدولية.
ويُعد هذا الاقتحام الثاني من نوعه خلال أقل من شهر، إذ سبق أن اقتحمت القوات الإسرائيلية المقر ذاته في 23 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، ورفعت العلم الإسرائيلي آنذاك أيضًا، ما أثار غضب الأونروا.
وكانت الوكالة قد أخلت مقرها مطلع عام 2025، الذي عملت فيه منذ خمسينيات القرن الماضي، تنفيذًا لقرار إسرائيلي بحظر عملها في القدس بموجب قانون أقره الكنيست.
الخبير في شؤون القدس راسم عبيدات اعتبر أن هدم منشآت تابعة للأونروا يحمل رسائل سياسية بالغة الخطورة، مفادها أن الاحتلال لا يقيم وزنًا للمؤسسات الدولية ولا للشرعية الدولية، مؤكدًا أن ما جرى في الشيخ جراح يعني عمليًا “سقوط القانون الدولي” في القدس.
وأضاف في تعقيب لموقع “بالغراف”، أن إنزال علم الأمم المتحدة ورفع علم دولة الاحتلال فوق مقر أممي هو فعل غير مسبوق، لم تجرؤ أي دولة في العالم على الإقدام عليه.
وأوضح عبيدات أن هذه الخطوة تمثل رسالة مباشرة لكل من يراهن على الشرعية الدولية، مفادها أنها عاجزة عن إنصاف الشعب الفلسطيني، لافتًا إلى أن ترمب شريك نتنياهو يسعى، بالتوازي، إلى إنشاء أطر دولية بديلة تُقصي دور الأمم المتحدة ومؤسساتها.
وشدد على أن استهداف الأونروا لن يمسّ بحق العودة، باعتباره حقًا فرديًا وجماعيًا لا يسقط بالتقادم، ولا يمكن شطبه عبر هدم منشآت أو مصادرة أراضٍ.
من جهته، رأى الكاتب المختص في شؤون القدس مازن الجعبري أن ما جرى في الشيخ جراح ليس اعتداءً ميدانيًا عابرًا، بل “إعلان نعي رسمي للشرعية الدولية”، ورسالة قاسية تكشف حقيقة النظام الدولي القائم على موازين القوة لا القانون.
وأشار إلى أن التحريض العلني من مسؤولين إسرائيليين، من بينهم نائب رئيس بلدية الاحتلال آريه كينغ، ضد الأونروا وموظفيها، يعكس سعيًا ممنهجًا لتقويض الأسس القانونية التي انبثقت عنها الشرعية الدولية منذ قرار التقسيم عام 1947.
وأكد الجعبري أن محاولات تصفية الأونروا تقوم على وهمٍ يعتقد أن إنهاء الوكالة يعني إنهاء قضية اللاجئين، مشددًا على أن حق العودة حق وجودي أصيل، لا يستمد شرعيته من منظمة أو تمويل، ولا يسقط بانهيار مؤسسات دولية أثبتت محدودية قدرتها على الفعل.
ويأتي هذا التصعيد في وقت تتزايد فيه المخاوف من خطوات إسرائيلية تهدف إلى تغيير الواقع القانوني والسياسي في القدس، عبر استهداف الرموز الدولية، وفرض وقائع ميدانية جديدة تمسّ جوهر القضية الفلسطينية.




