loading

هدى مرمر تحاور روائي لا بريد إلى غزة

هدى مرمر

حوار هدى مرمر مع الكاتب الفلسطيني محمد جبعيتي

بانتظار خبرٍ من غزّة، تطلّ رواية “لا بريد إلى غزّة” التي تغمز من عنوانها إلى أنّه لا بريد إليها أيضًا. معزولةً عن الحياة، تتحوّل مدينة غزّة من سجنٍ كبيرٍ إلى مقبرةٍ جماعيّة، تأوي إليها الأحلام المبتورة.

 جلال مطر ليس بطلًا سوى روائيًا على الورق، هو شابٌّ عاديّ، يريد القفز أعلى فأعلى وتذوّق حرّيّة تباغته كلّما أقبل عليها. هذه هي الأخبار التي يختارها الكاتب للكلام عن غزّة، الأخبار اليوميّة لأُناس عاديّين يرفضون البطولة ويحلمون بأمسية هادئة على الشاطئ، لا أكثر.

أجرت هدى مرمر الحوار التالي مع الكاتب محمد جبعيتي الحاصل مؤخّرًا على جائزة كتارا للرواية المنشورة عن رواية “الطاهي الذي التهم قلبه”، وذلك بمناسبة صدور روايته الأخيرة “لا بريد إلى غزّة” عن دار الآداب في بيروت.

– أيّ رسالة لم تصلنا بعد من غزّة؟ وهل يستطيع الأدب والفنّ إيصالها؟

أعتقد أنّ الرسالة التي لم تصلنا بعد من غزّة هي صوت الإنسان العادي، ذاك الذي يعيش تفاصيل يومه تحت الحصار والدمار، إنه يكافح من أجل البقاء، لكن بعيدًا عن أدوار البطولة أو صورة الضحية المكرّرة. الأدب والفن لديهما القدرة على التقاط ما تعجز عنه الشاشات مثل نبض الحياة الصغيرة، والأحلام المؤجَّلة، والتناقضات البشريّة.

– هل وددتَ زيارة مدينة غزّة أدبيًا قبل طوفان الأقصى؟ وكيف أثّر الطوفان على تجربة كتابك الجديد “لا بريد إلى غزّة”؟

لقد زرت غزّة أدبيًا قبل حرب الإبادة. الحقيقة أنني بدأت كتابة الرواية قبل الحرب، وأردت أن أكتب عن الإنسان العادي فيها قبل أن تبتلعه صور المأساة. لكن الحرب بالطبع ألقت بظلالها على النص، وجعلتْ هذه الزيارة أكثر إيلامًا. لقد شعرت أنّ الكتابة عن غزّة مسؤولية أخلاقية. في كتابي الجديد “لا بريد إلى غزّة” حاولت أن أكتب عن غزّة بما يتجاوز ثنائية البطولة والضحية، لأقترب أكثر من تفاصيل حياة الغزيّين.

– لمَ قرّرتَ عنونة كلّ فصل عوضًا عن الإتاحة للقارئ مساحة حرّة لتكوين عنوانه الخاصّ؟

العناوين تمنح القارئ مفاتيح أوليّة للتأويل من دون أن تصادر حريته في الفهم. فحتى مع وجود العنوان، يبقى النص أوسع من أي تسمية، وتظل مساحة التأويل مفتوحة أمام القارئ ليصنع قراءته الخاصة.

– عطفًا على السؤال السابق، يثير الاهتمام انتقاءك اقتباساتٍ لشواهد القبور في كلّ فصل، كامتدادٍ لعنوانه. هل كان من السهل الحصول على هذه النصوص؟ وهل استقيتَ عناوين الفصول منها مباشرةً؟

الاقتباسات التي وضعتها على شواهد القبور نصوص متخيّلة بالكامل، صغتها كجزء من البناء الفني للعمل. لم أرد أن أنقل نصوصًا واقعية، بل أن أخلق شواهد رمزية تُضيء على الذاكرة الجماعية. فالكتابة في أحد معانيها محاولة متواصلة لاستعادة أصوات الغائبين.

– عنوان الرواية يختصر ما يحدث اليوم في غزّة، ورياضة الباركور والقفز إلى السماء هو ما يقوم به الغزّاويّون.. هل قلتَ كلّ ما أردت قوله عن غزّة، أم جفّ الحبر؟

هذه الرواية محاولة للإمساك بوجه من وجوهها الكثيرة، لكن غزّة أوسع من نصّ واحد. الكتابة عنها تظلّ مفتوحة، تمامًا مثل جرحها المفتوح.

– في الأسلوب، نحن أمام قصّة تامّة لشابٍ في مقتبل العمر يكبر مع المدينة ما بين حربٍ وهدنة. هل توافق أنّها تصلح لأزمنةٍ ومدنٍ فلسطينيّة أخرى رزحت وترزح تحت الاحتلال الصهيونيّ؟

إنّ حكاية شابّ يتفتّح في مدينة محاصرة بين الحرب والهدنة، لا تخصّ مدينة واحدة بعينها، بل تتّسع لتكون مرآة لتجارب فلسطينيّة أخرى. فمعاناة الفلسطيني وصراعه اليومي تحت الاحتلال، والتمسّك بالأمل في الخلاص، كلّها عناصر مشتركة عاشتها كل المدن الفلسطينيّة من غزة إلى جنين.

– كما في “غاسل صحون يقرأ شوبنهاور”، الكتب حاضرة في “لا بريد إلى غزّة”. هل هي محض صدفة كونك قارئ وكاتب، أم هو أمرٌ مقصودٌ يشير إلى أنّ في الكتاب نوعٌ من الخلاص؟

إنّ حضور الكتب في “لا بريد إلى غزّة”، كما كان في “غاسل صحون يقرأ شوبنهاور”، يوحي أنّ القراءة ليست مجرّد خلفية لحياة الشخصيات، بل جزء من بنيتها العميقة، من محاولتها للنجاة وإيجاد معنى وسط الخراب. فالكتب تتحوّل إلى أدوات خلاص ومنافذ أوسع من ضيق الجغرافيا والحصار، وإلى فضاء يتيح للشخصيات أن تُقيم حوارًا مع أسئلة كبرى تتجاوز يومها المليء بممارسات الاحتلال الظالمة.

– لمَ اخترتَ المقبرة مسرحًا لبطلك جلال؟

لقد وضعتُ بطلي جلال في فضاء متناقض: بين الحياة التي يتشبّث بها والشواهد التي تذكّره بالفناء، بين الشباب الذي يركض نحو المستقبل والقبور التي تُبطئ خطاه. المقبرة أيضًا مساحة رمزية لأنها مكان يزخر بالذاكرة، إذ يتقاطع الشخصي بالجمعي، ويتحوّل القبر إلى شاهد على مصير جماعي لا يخصّ جلال وحده، بل مدينةً كاملة تتأرجح بين الحياة والموت.

– نرى من خلال كتابات أخت البطل ما يمنحنا شكًّا بروايته. لم زرعتَ هذا الشكّ؟

زرعتُ هذا الشكّ لأنّي أردت أن أبقي الرواية مفتوحة على الاحتمالات، وألا يتحوّل صوت جلال إلى حقيقة مطلقة. فالحياة تحت الاحتلال مليئة بالالتباسات، والذاكرة نفسها هشّة ومتعددة. حين تدخل كتابات أخته في المتن السردي، فهي لا تنقض روايته بقدر ما تكشف عن وجه آخر للتجربة، وتجعل القارئ شريكًا في البحث عن المعنى بدل أن يتلقّى حقيقة جاهزة.

– تحكي عن البحر الذي يكاد يكون الباعث الأوحد للسعادة في غزّة. وفي مكانٍ آخر عن دموع الأمّهات التي تتكثّف غيومًا فأمطارًا. بالإضافة إلى أنّ كنية البطل هي “مطر”. لكن، عندما يوحل هذا المطر بيوت المخيّم، وتراب المقبرة مانعًا عملية الحفر لاحتواء الجثث؛ هل هذا المطر عزاءٌ أم غضبٌ من الطبيعة و/أو الربّ؟ هل الماء حياةٌ أم موتٌ في روايتك، وفي غزّة؟

إنّ سؤال الماء في الرواية هو سؤال الازدواجية ذاتها: الحياة والموت، النعمة والنقمة. البحر في غزّة نافذة يتنفس منها الناس، لكنه أيضًا حدود مغلقة بالزوارق الحربيّة. مياه الأمطار حين تجتاح ببيوت المخيّم تتحوّل إلى عبء كبير، وحين يعطّل المطر عملية الحفر في المقبرة يصير شاهدًا على ثِقل الموت.  أنا لا أقدّم الماء في صورة واحدة، بل أتركه متحوّلًا مثل حياة الغزّي نفسه؛ لا يمكن أن نسمّيه خلاصًا مطلقًا ولا لعنة مطلقة. في النهاية، الماء في الرواية هو مرآة: يعكس هشاشة الوجود الفلسطيني، إذ كل ما هو طبيعي مثل البحر والمطر، يتحوّل تحت الاحتلال إلى معركة إضافية.

– ما الذي تتمنى أن يصل قارءك في مجمل أعمالك؟ كيف تتمنّى أن يروا فلسطين بعينيك؟

أتمنى أن يصل للقارئ أن فلسطين ليست جغرافيا إعلامية جامدة، بل فضاء إنساني معقّد؛ ناس عاديون مثل بقية البشر بأحلام وهموم يوميّة. أريدهم أن يروا الفلسطينيين بوصفهم أفرادًا كاملين: ليسوا أبطالًا أسطوريين ولا ضحايا فقط، بل بشرٌ يعيشون الحياة بتناقضاتها، يتخذون خياراتٍ صغيرة وكبيرة، يحبّون ويخافون ويأملون.

– هل من جديد تحضّر له؟

نعم، هناك أكثر من مشروع أعمل عليه الآن. بعضها ما يزال في طور الملاحظات والبحث، وبعضها بدأ يتشكّل على الورق. لكنّي لا أحبّ الاستعجال بالكشف عن التفاصيل قبل أن تنضج التجربة. ما أستطيع قوله إنّها ستبقى وفية لأسئلتي حول المكان الفلسطيني والذاكرة والإنسان الممزّق بين الحياة اليومية وحصارها، مع محاولات لطرق أساليب سردية جديدة.

عن الكاتب:

روائي فلسطيني من مواليد عام 1993. طالب دكتوراة في الأدب العربي، يعمل في حقليّ التدريس والصحافة، له العديد من الأعمال الروائية، منها: “غاسل صحون يقرأ شوبنهاور”،  “عالم 9″، و”الطاهي الذي التهم قلبه”.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني