جيفارا سمارة
في نظرية الحرب غير المتكافئة، يعدّ القوي فاشلًا استراتيجيًا إن لم يحقق أهدافًا هجومية كالسيطرة على الأرض، وتدمير قدرات العدو، وتغيير النظام، وفرض شروطه، أو لاحقًا اضطراره لتقليصها، وخروجه بكلفة باهظة، وغياب النصر المعنوي عبر تعزيز شرعية الهجوم، مما يآكل المصداقية، ويخلق جبهة داخلية مؤيدة؛ فغياب ما ذُكر أو بعضه يعدّ هزيمة سياسية، حتى لو انتصر القوي عسكريًا.
وعلى المقلب الآخر، ومن منظور الواقعية السياسية، فإن صمود الضعيف ومنع أهداف العدوان يعدّ نصرًا معنويًا وسياسيًا؛ لأنه يغير معادلة الصراع، ويجبر القوي على التفاوض أو التراجع، شريطة ألا يكون الصمود مجرد تأخير للهزيمة، فإذا لم يتحول إلى مكاسب، فإنه بقاء مكلف.
واتفاقيات وقف إطلاق النار ليست مجرد نصوص قانونية، بل امتداد لأدوات إدارة الصراع لا حله، ويُنظر إليها في العلوم السياسية والعلاقات الدولية على أنها “قمة جبل الجليد”، فيما التفاصيل الحساسة محتوى خفي غالبًا ما يكون الأكثر أهمية، بملاحق سرية، أو تفاهمات شفهية بين الأطراف برعاية الوسطاء، وترتيبات أمنية محددة كانسحابات تدريجية ومناطق عازلة غير معلنة، أو جداول زمنية غير منشورة لتنفيذ التزامات معينة قد تحصل على مكاسب في مجالات أخرى اقتصادية أو سياسية أو اعتراف دولي، ومن الأمثلة الحية على ذلك اتفاقيات أوسلو (1993-1995)؛ فما أُعلن هو “اعتراف متبادل”، لكن ما كان مخفيًا هو تفاهمات حول استمرار الاستيطان، وتأجيل قضايا القدس واللاجئين، وأطر زمنية غير ملزمة للحل النهائي.
المضيق ولبنان.. هل يشعلان الحرب مجدداً؟
ويطرح إعلان التوصل إلى اتفاق مؤقت لوقف إطلاق النار بين إيران وأميركا، بعد 40 يومًا من الحرب، وبعد أن “كادت حضارة كاملة تُمحى“، تساؤلات حول العوامل التي دفعت الطرفين إلى الاتفاق. ترامب في منشور له على “تروث سوشال”، هدد بعودة العدوان بصورة أقوى وأكبر في حال فشل التوصل إلى اتفاق حقيقي، مضيفًا بأن السفن والطائرات والعسكريين سيبقون في المنطقة للملاحقة الفعالة وتدمير عدو منهك بالفعل، حتى الالتزام الكامل بالاتفاق، أي: “لا أسلحة نووية، ومضيق هرمز سيكون مفتوحًا وآمنًا”، وهذا يقود لسؤال مهم: إيران لم تكن تمتلك أي قنابل نووية قبل الحرب، ولا مفاعلاتها كانت معدة لذلك أصلًا، فيما المضيق لم يُغلق من قبل؟! فكيف وعلى ماذا انتصر ترامب؟!
وحتى مساء الجمعة العاشر من نيسان، لم يتم فتح مضيق هرمز إلا جزئيًا وبحركة محدودة جدًا، إذ تفيد التقارير بمرور حوالي 12 سفينة فقط خلال أول يومين من اتفاق وقف إطلاق النار. في المقابل، كانت الحركة الطبيعية قبل الأزمة تتجاوز 130 سفينة يوميًا، ويُشترط التنسيق مع الجيش الإيراني، كما سمحت بمرور عدد محدد من ناقلات النفط (حوالي 20 ناقلة) صباح الاثنين القادم كبادرة حسن نية، فيما لا تزال هناك أزمة ازدحام كبيرة، حيث تنتظر أكثر من 800 سفينة داخل الخليج العربي، وما يزيد على 1000 سفينة أخرى تنتظر على جانبي المضيق بانتظار الفتح الكامل.
ومن طرف العدوان، ما تزال إسرائيل ماضية في جرائم إبادتها بحق جنوب لبنان، واشترطت إيران وقف الحرب في لبنان للمشاركة في المحادثات، وشدّد الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان على ضرورة إنهاء الحرب في كافة الجبهات، بما فيها لبنان، فيما ربط رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف استمرار العمل باتفاق وقف إطلاق النار بمدى الالتزام ببنوده، وأن كل ذلك بلا جدوى في ظل ما يجري في لبنان من جرائم. وفي الوقت نفسه، يبدو أن القلق من تسارع الهجمات على البنى التحتية الحيوية في إيران خلال الأيام الأخيرة لعب دورًا مهمًا في قرار طهران قبول وقف إطلاق النار المؤقت.
بينما أشار موقع “أكسيوس” إلى أن “التفاهم مع إيران جاء رغم ضغوط من نتنياهو، إلى جانب السعودية والإمارات، للاستمرار في الحرب”، والأنباء هذه تؤكدها تصريحات الإمارات وجرائم إسرائيل المستمرة؛ حيث أعاد مكتب نتنياهو التأكيد على أن الاتفاق لا يشمل لبنان، كما أكد الموقع أن بيان نتنياهو جاء بعد محادثات هاتفية أجراها أمس مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب والمبعوث الأميركي ستيف ويتكوف.
خسائر إيران.. ومكاسبها
الحرب ألحقت أضرارًا كبيرة بإيران عسكريًا، ورغم ذلك استمرت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة حتى الساعات الأخيرة من المعركة، وألحقت خسائر بأميركا وحلفائها، ورغم دمار البنية التحتية واغتيال كبار المسؤولين السياسيين والأمنيين، إلا أن كل ذلك لم يتسبّب في انهيار النظام السياسي، بل قوّى التماسك الداخلي في مواجهة العدوان، إضافة إلى بروز تحدّيات إغلاق مضيق هرمز وما ترتّب عليه من تأثيرات واسعة على الاقتصاد العالمي، مما شكّل أداة رئيسة لتحقيق الردع، وإلغاء المشروع الأميركي-الصهيوني الأكبر في المنطقة.
بين الغضب والزئير.. المكاسب والخسائر
استطاعت أميركا، في غضبها الملحمي، إضعاف القدرات العسكرية والنووية، حيث أعلنت عن تدمير نحو 30 ألف هدف شملت مواقع حيوية وقواعد عسكرية، وتحجيم البرنامج النووي والصاروخي، إلى جانب مكاسب اقتصادية لقطاعات محددة؛ حيث شهدت شركات السلاح الأمريكية انتعاشًا في أرباحها نتيجة الطلب المتزايد على الذخائر والتقنيات المستخدمة في العمليات، وكل ذلك يصب في مصلحة كيان الاحتلال، فيما النفقات معروف سلفًا من سيتكفل بدفعها.
ورأت مجلة “الإيكونوميست” أن تداعيات الحرب مع إيران كشفت عن نتائج عكسية على أميركا، وأن ترامب هو الخاسر الأكبر؛ فالحرب -بحسب المجلة- لم تحقق الأهداف الرئيسية، بل ساهمت في تعزيز موقع إيران، وزادت من حالة عدم الاستقرار في المنطقة، كما رفعت من مستوى المخاطر الاقتصادية والنووية، وكشفت حدود القوة العسكرية الأمريكية، وأن أفضل دليل على عدم رغبة ترامب في استئناف الحرب هو إدراكه المتأخر بأنه لم يكن ينبغي أن يبدأها من الأساس. وتبدو تصريحاته الهجومية الحادة تجاه إيران محاولة للتغطية على هذا التراجع؛ فاستئناف الحرب، وفق التحليل، قد يثير ذعرًا في الأسواق العالمية، ويقوّض الخطاب الذي روّج له سابقًا حول “عصر ذهبي” في الشرق الأوسط.
ورغم وصف ترامب لإضعاف القدرات العسكرية الإيرانية بأنه “انتصار عظيم”، يرى التقرير أن هذا الادعاء لا يصمد أمام تقييم الأهداف الأساسية للحرب، التي تمثلت في جعل الشرق الأوسط أكثر أمانًا واستقرارًا عبر احتواء إيران، والإطاحة بالنظام الإيراني، ومنعه بشكل دائم من امتلاك سلاح نووي.
وتؤكد المجلة أن التقدم في تحقيق هذه الأهداف كان محدودًا للغاية، وأن الحرب زادت هشاشة الوضع الأمني في المنطقة. فبعد أن تعرض بعض حلفاء إيران الإقليميين لضربات موجعة، أصبحت إيران تمتلك الآن أدوات ضغط جديدة، من بينها تهديد الخليج، وتعطيل الملاحة في هرمز، والسعي لفرض رسوم على عبور السفن، مما يطرح تساؤلات جدية لدى دول الخليج حول مدى قدرتها على الاعتماد على أميركا، وربما التفكير في تسويات مع إيران.
وحذّرت المجلة من أن الحرب ربما ساهمت في تفاقم التهديد النووي الإيراني بدلًا من احتوائه؛ فرغم الإضرار بالبنية التحتية النووية، لا يزال نحو 400 كغم من اليورانيوم المخصب موجودًا، وهو ما يكفي لإنتاج قرابة 10 قنابل نووية، وفي الوقت الذي تطالب فيه واشنطن بتسليم هذا المخزون، تسعى إيران إلى رفع العقوبات، لكن دافعها نحو امتلاك سلاح نووي كوسيلة ردع قد ازداد.
وكشفت الحرب، بحسب “الإيكونوميست”، عن مبالغة في تقدير فعالية القوة العسكرية الأمريكية؛ فالصناعة العسكرية لم تتمكن من تلبية الاحتياجات، بينما استطاعت إيران الصمود بأساليب حرب غير متكافئة وبموارد محدودة.
وترى المجلة أن القرارات المتسرعة، المبنية على الانفعال، خلطت بين مفهومي الضربة والنصر، وأن القوة النارية، دون استراتيجية واضحة، استنزفت القدرة الأمريكية.
وكشف تقرير لصحيفة “فاينانشال تايمز” عن كواليس سرية لمواقف ترامب تجاه إيران، موضحًا أنه سعى بشكل حثيث، عبر وساطة باكستانية، لإقناع طهران بقبول وقف إطلاق النار. ويُبرز المحتوى التناقض الصارخ بين التهديدات العلنية التي أطلقها ترامب، وبين توسلاته الخفية للمسؤولين الباكستانيين للضغط على الجانب الإيراني لإنهاء النزاع.
وتعود أسباب هذا التحول، حسب المصدر، إلى صمود النظام الإيراني غير المتوقع، وارتفاع أسعار الوقود عالميًا، وفشله في حشد تحالف دولي لتأمين مضيق هرمز، ويخلص المصدر إلى أن الخطاب الهجومي لترامب كان مجرد غطاء لضغوط داخلية واقتصادية أجبرته على البحث عن مخرج دبلوماسي بعيدًا عن الأضواء.
وحذّر الكاتب البريطاني “جون غراي” من أن ما أسماه ترامب “نزهة” كانت مسيرة نحو الكارثة؛ فقد تحولت “عمليته القتالية الكبرى” من منع إيران من تحقيق قدرة نووية قيل إنها “مُحيت” في يونيو/حزيران الماضي، إلى محاولة لفك الحصار عن مضيق هرمز واستعادة الوضع الذي كان قائمًا قبل بدء العملية. وإن الوضع الراهن قبل الحرب لا يمكن استعادته؛ فبقدرتها المثبتة على إحداث الفوضى في الاقتصاد العالمي، بدأت الديكتاتورية العسكرية-الثيوقراطية في التفكيك النهائي للقوة الإمبريالية الأمريكية.
ووفق الكاتب، أظهرت إيران أنها مستعدة تمامًا للحرب التي انزلق إليها ترامب برعونة؛ ففي 18 مارس/آذار، تسبب هجوم غير مسبوق بالصواريخ والطائرات المسيّرة على مدينة “رأس لفان” الصناعية في قطر في أضرار يُقدّر القطريون أنها ستستغرق ما بين ثلاث إلى خمس سنوات لإصلاحها.
وتأكدت قدرة إيران على ضرب الأصول الأمريكية عالية القيمة من خلال الهجوم الذي وقع في 27 مارس/آذار على قاعدة “الأمير سلطان” الجوية في السعودية، والذي دمّر فعليًا طائرة “أواكس” (الإنذار المبكر والتحكم المحمول جواً) التي تمثل “العين في السماء”، كما كشف هجوم على قاعدة المملكة المتحدة والولايات المتحدة في “دييغو غارسيا” بالمحيط الهندي، على بعد حوالي 2400 ميل من الساحل الإيراني، عن قدرات صاروخية باليستية غير متوقعة. وأدى إسقاط طائرة مقاتلة أمريكية في 3 أبريل/نيسان إلى تحطيم تفاخر ترامب بأن الدفاعات الجوية الإيرانية قد أُبيدت بنسبة 100%.
وقوّضت الحرب الأسس المالية للهيمنة الأمريكية، كضمان الحماية لنظام “البترودولار” الذي أُنشئ في أوائل السبعينيات، عندما انهار اتفاق “بريتون وودز” لعام 1944، الذي جعل الدولار العملة الاحتياطية العالمية، تحت وطأة الإنفاق الأمريكي الثقيل على حرب فيتنام؛ حيث تبدو دول الخليج الآن أكثر هشاشة من بيروت قبل انهيارها بعد اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية في عام 1975.
ومع استمرار الصواريخ في اختراق دفاعاتها الجوية وفقدان “علاوة الأمان” الخاصة بها، أصبحت دبي ومدن أخرى في الإمارات العربية المتحدة مناظر طبيعية تشبه روايات “بالارد” من فنادق مهجورة، وحمامات سباحة جافة، وسيارات مهجورة تغطيها الرمال.
وشدد الكاتب البريطاني جون غراي على أنه ستكون النتيجة عودة إيران كقوة كبرى، وباعتبارها المتحكم في المرور عبر هرمز، وأصبحت القوة الحاسمة في اقتصاد النفط العالمي. وفي المحصلة، انتهت “جولة” ترامب في طريق مسدود؛ فإذا تراجع عن الشرق الأوسط، فإن الدول التي كانت تحت الحماية الأمريكية ستتأرجح بين درجات من الحياد وصياغة تحالفات ضد إيران الصاعدة، وإسرائيل والسعودية والبحرين وعُمان -التي أصبحت الآن أكثر تعرضًا للخطر مما كانت عليه قبل الحرب- ستضطر للتعامل مع تهديدات متعددة. وإذا اختار “إنهاء المهمة” وشن عملية برية، فستنجر الولايات المتحدة إلى فشل أكبر من فيتنام وأفغانستان والعراق مجتمعين.
أما زئير الأسد الإسرائيلي فقد تحوّل إلى مواء قطط، بحسب المحلل العسكري الإسرائيلي “أفي أشكنازي”، بعد تراجع الأهداف التي أعلنها كل من بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب، فيما رأى اللواء احتياط بجيش الاحتلال “إسحاق بريك”، في مقال نشرته صحيفة “معاريف”، أن ما يُروّج له نتنياهو على أنه “انتصار” ليس سوى وهم سياسي وإعلامي يخفي خلفه فشلًا استراتيجيًا قد تتكشّف تداعياته لاحقًا بشكل أخطر، وأن التقديرات الإسرائيلية والأمريكية التي بُنيت بعد جولات التصعيد السابقة افترضت أن الضربات الجوية ألحقت ضررًا كبيرًا بإيران وستُعيد برنامجها سنوات إلى الوراء، إلا أن الواقع أثبت عكس ذلك تماماً؛ فقد نجحت طهران، بدعم من الصين وروسيا، في إعادة ترميم قدراتها العسكرية خلال فترة قصيرة، بما في ذلك تطوير قدراتها الصاروخية، مع احتفاظها بمخزون من اليورانيوم المخصب يكفي لإنتاج عدة قنابل نووية.
ووصف موقع “واللا نيوز” العبري الاتفاق بـ”أوهام النصر”، وكتب المحرر العسكري في “هآرتس” عاموس هرئيل أن أهداف الحرب لم تتحقق، وأن مكانة إسرائيل لدى الولايات المتحدة تراجعت، ووصف رئيس حزب الديمقراطيين يائير جولان نتنياهو بالكذب، وأنه ألحق بإسرائيل فشلًا استراتيجيًا غير مسبوق.
واعتبر رئيس المعارضة يائير لابيد أن إسرائيل تعيش “كارثة سياسية واستراتيجية” غير مسبوقة، أما رئيس حزب “إسرائيل بيتنا” أفيغدور ليبرمان فقال إن وقف إطلاق النار يمنح القيادة الإيرانية فرصة لإعادة تنظيم صفوفها، محذرًا من أن أي اتفاق لا يتضمن تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية ووقف دعم ما وصفه بـ”الإرهاب”، سيؤدي إلى جولة قتال أشد كلفة في المستقبل.
ووصف الكاتب “جدعون ليفي” نتنياهو بأنه فاشل ومصاب بجنون العظمة، وأن حرب إيران أسوأ بكثير من 7 أكتوبر، وأن “إسرائيل” ستخرج من حرب إيران مثخنة بالجروح أكثر مما تبدو عليه، وأضعف وأكثر عزلة، بينما تخرج إيران أقوى، وهذا هو بالضبط ما يبدو عليه فشل “عمل العمر”، وأن ثمن الفشل كان باهظًا، وهو شهر ونصف من الفظائع التي تعرّض لها عشرة ملايين إسرائيلي، ودمار اقتصادي ومعاناة شديدة، وضياع عام دراسي آخر، بل وحتى ما تبقّى من سلامة العقل.
كما هاجم ليفي المعارضة الإسرائيلية قائلاً: “أولئك الذين هللوا للحرب منذ البداية، وجميع من حملوا الشعلة ومن على شاكلتهم، والذين لم يجرؤوا على قول كلمة عن مجرد خوض الحرب، والذين اصطفوا صفًا واحدًا لتبريرها وحرموا أنفسهم من أي حق في انتقادها، والآن هم صامتون؛ لكن في أعقاب الحرب، يمكن للمرء أن يجزم بأن إسرائيل لم تتعلم شيئًا، وسيستمر أنصار نتنياهو في دعم معبودهم، وسيستمر الواقعيون في مهاجمة شيطانهم (وتقديس الجيش الذي ينفذ مخططاتهم)، وستندفع إسرائيل إلى الحرب القادمة بنفس العمى والحماس اللذين اندفعت بهما إلى هذه الحرب”.
انهيار الإمبراطورية
ويرى بعض الخبراء أن الولايات المتحدة تمر بمرحلة متقدمة من التراجع ضمن نموذج دوري لانهيار القوى العظمى، مستندين إلى مقارنات تاريخية مع الإمبراطورية البريطانية والاتحاد السوفيتي، ربطًا بمجموعة من المؤشرات البنيوية، تشمل الضغوط الاقتصادية، والتحولات الاجتماعية، وتآكل الفاعلية السياسية، والتوسع الخارجي (overextension)، وتصاعد تأثير النخب الاقتصادية ضمن ما يُوصف بـ”رأسمالية المرحلة المتأخرة”. وأن البيئة الجيوسياسية -خصوصًا التوترات مع إيران والتفاعلات مع قوى كبرى- تعكس محاولة إدارة توازنات دولية معقدة لتجنب صراعات واسعة النطاق، ويخلص الطرح إلى توقعات انتقال نسبي في مركز الثقل العالمي نحو قوى صاعدة مثل الصين أو روسيا، وهو أمر يعجّل به ترامب بوتيرة ليست فقط متسارعة، بل تكاد تبدو مقصودة، ما يعزز نظرية مشابهته حد التطابق مع الإمبراطور الروماني نيرون.
مجلة “نيوزويك” تشير إلى أن أغلبية الأمريكيين يدعمون عزل ترامب، وبشكل رئيسي احتجاجًا على حربه في إيران، إضافة إلى محاولات العزل المقترحة عبر القنوات التشريعية في الكونجرس، فيما تتحدث تقارير أخرى عن حالة من الاضطراب السياسي لترامب نتيجة تعثر الحرب مع إيران، مما دفعه لوصف رموز قاعدة “ماجا” (MAGA) بالأغبياء والخونة، حيث أثار ذلك ردودًا غاضبة انتقدت تورطه في الحرب واهتزاز قواه العقلية، إضافة إلى جرائمه في جزيرة صديقه “إبستين”، حيث ارتُكبت أبشع الجرائم من قتل واغتصاب وتمثيل بالجثث.
ويُشبَّه ترامب، الملقب بـ”البرتقالي”، إلى حد بعيد “نيرون”؛ ففي الشكل، كان الأخير صاحب شعر أشقر طويل ومموج ينسدل إلى الأمام على جبهته، يقترب من برتقالية ترامب، “بدينًا إلى حد ما” ممتلئ الوجه وبرقبة غليظة، وبعيون زرقاء فاتحة كنظيره الأمريكي. وفي التشخيص، فقد كان الروماني مصابًا باضطراب النرجسية، والعظمة المفرطة، والحاجة الماسة للإعجاب، واضطراب الشخصية الحدية، حيث الاندفاعية القاتلة بردود فعل مفاجئة وعنيفة، والسادية وانعدام التعاطف، وجنون العظمة.
ويُذكر أن نيرون، الذي ذُكر أنه وجّه رجلًا بوجه زوجته التي قتلها وهي حبلى ركلًا بالأقدام، تزوج من ذلك الرجل لأنه ندم على قتل محبوبته، بعد قطعٍ للرجل ما قُطع ليكون أقرب ما يكون للنساء، التي كان نيرون، كما ترامب، يبغضانهما؛ فهو، إلى جانب قتل زوجته، قتل أمه. وترامب سُرّب له مقطع صوتي، وهو يترشح لولايته الأولى، يعترف فيه بأنه لا يرى في النساء إلا جسدًا وشهوة، كما سخر، وعلى الهواء مباشرة، في أكثر من مرة من مواطني بلاده من ذوي الإعاقات، تمامًا كما كان يفعل شبيهه قبل حوالي 1900 سنة خلت، حيث كان يرمي بهم للحيوانات المفترسة في عروض القتال والمصارعة.
ساكن البيت الأبيض يعرف عن نفسه بأنه “رجل صفقات”، وسرقاته للثروات وقرصنته من تدفيع الأتاوات من خليج العرب وحتى شواطئ فنزويلا هي ذاتها سياسة نظيره الروماني، الذي بنى قصراً سماه (Domus Aurea) أي “البيت الذهبي”؛ حيث إن ثروات الشعوب المقهورة والمهزومة شُيّدت داخل قصره غرفًا مغطاة بالذهب وسقوفًا من العاج، بعد أن خفّض قيمة العملة لشعبه وأرهقهم بالضرائب، بل وكان أحيانًا يتلثم، رفقة حرسه، ويقطعون الطرقات لينهبوا المارة. وكان من أوائل من ثاروا عليه آنذاك فلسطين المحتلة من الرومان وبريطانيا، وتبعتهما فرنسا وإسبانيا، إلى أن خلعه مجلس الشعب الروماني وأعلنه عدوًا للجمهورية، فخاف العقوبة وانتحر.
وتثير تسمية ترامب لعدوانه على إيران بـ”الغضب الملحمي” تساؤلات؛ فهو تعبير بلاغي أدبي وليس مصطلحًا علميًا، ويعني غضبًا عظيمًا مشحونًا بالقوة والهيبة؛ أما “الملحمي” فمشتق من الملاحم الأدبية، أي القصص الكبرى التي تتحدث عن بطولات وصراعات عظيمة، كملحمة “الإليادة” التي رُوي عن نيرون أنه كان يغنيها من شرفات قصره وروما تحترق، وهو الذي قال، قبل أن ينتحر: “أي فنان عظيم يخسر العالم بموتي”!!!.




