محمد عبد الله
أثارت الدفعة المالية الأخيرة التي أقرتها الحكومة الفلسطينية لموظفي القطاع العام، والبالغة 2000 شيقل، موجة استياء واسعة، خاصة مع تأكيدات اقتصادية بأنها تقل عن خط الفقر، في ظل أزمة مالية غير مسبوقة تمر بها السلطة.
وترافق الإعلان عن صرف الدفعة مع سيل من التعليقات الغاضبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، عبّر فيها الموظفون عن رفضهم لآلية الصرف وقيمتها.
في وقت تتفاقم فيه الأزمة المالية للسلطة الفلسطينية، أعلنت وزارة المالية والتخطيط صرف دفعة بقيمة 2000 شيقل على حساب رواتب شهر كانون الثاني 2026، لكافة موظفي القطاع العام، على أن يتم صرفها اليوم الإثنين.
وبحسب بيان الوزارة، يأتي القرار في ظل “ظروف بالغة التعقيد”، مع استمرار احتجاز أموال المقاصة للشهر الثاني عشر على التوالي، وتراجع الإيرادات المحلية، وصعوبة الحصول على قروض مصرفية.
في المقابل، أكد الباحث الاقتصادي مؤيد عفانة، في مقابلة خاصة لـ”بالغراف”، أن هذه الدفعة “أقل من خط الفقر”، مشيرًا إلى أن الشهر الحالي يُعد من أصعب الأشهر على المالية العامة الفلسطينية.
وأوضح عفانة أن الحكومة تعتمد حاليًا على الإيرادات المحلية فقط، والتي شهدت تراجعًا بسبب انكماش دورة الاقتصاد وتداعيات التوترات الإقليمية والحرب الإسرائيلية الأميركية على إيران، في ظل غياب أي دعم دولي فعّال، واستمرار احتجاز أموال المقاصة.
وأضاف أن وزارة المالية لجأت إلى “حلول فنية” لتأمين السيولة، من بينها التسويات المحلية والتقاص مع الشركات والهيئات المحلية، إلى جانب تكثيف الجباية ضمن الإمكانيات المتاحة، إلا أن هذه الموارد لم تكن كافية لصرف نسب ثابتة من الرواتب كما كان يجري في الأشهر الماضية، ما دفع لاتخاذ قرار موحد بصرف 2000 شيقل لجميع الموظفين.
وبيّن أن هذا التوجه ينسجم مع موازنة الطوارئ لعام 2026، التي تنص على ربط الرواتب بالتدفقات المالية المتاحة، بحيث يتم احتساب الراتب شهرياً وفق الوضع المالي لكل شهر.
وحول الأشهر المقبلة، حذر عفانة من استمرار الأزمة، قائلًا إن “الشهر القادم لن يكون سهلًا أيضًا، في ظل غياب مؤشرات واضحة لتمويل خارجي”، لافتًا إلى وجود تحركات رسمية مع المانحين، من بينها لقاءات ستجري اليوم بين رئيس الوزراء محمد مصطفى ووزير المالية اسطفان سلامة مع لجنة تنسيق المساعدات برئاسة النرويج، إلى جانب مساعٍ لتفعيل صندوق طوارئ بدعم سعودي فرنسي.
وأشار إلى أن قاعدة الصرف خلال المرحلة المقبلة ستبقى مرتبطة بما يتوفر من أموال عند موعد الرواتب، دون وجود نسبة ثابتة، مع الالتزام بصرف دفعات شهرية، تختلف قيمتها من شهر لآخر.
وتوقع عفانة أن تكون حدة الأزمة أقل نسبيًا وفيها نوع من المرونة في شهر حزيران، مع وصول دعم أوروبي ضمن برنامج “بيجاس” بقيمة 210 ملايين يورو، إضافة إلى دعم مرتقب من البنك الدولي في أيلول، معتبراً أن الفترة الأكثر حرجاً ستكون خلال الشهرين المقبلين.
وفيما يتعلق بالانتقادات التي طالت مساواة جميع الموظفين في قيمة الدفعة، قال عفانة إن هذا الخيار قد يكون “الأقرب للعدالة” في ظل غياب التمايز في الأسعار الأساسية، رغم إقراره بأن المبلغ غير كافٍ لتلبية الاحتياجات المعيشية.
بالتوازي، عبّر عدد كبير من الموظفين عبر مواقع التواصل الاجتماعي عن غضبهم من قيمة الدفعة، معتبرين أنها لا تلبي الحد الأدنى من متطلبات الحياة، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة، فيما طالب آخرون بإيجاد آلية أكثر عدالة تراعي الفروقات في الرواتب والالتزامات.
يُذكر أن الأزمة المالية للسلطة تفاقمت منذ عام 2019 مع بدء إسرائيل اقتطاع أجزاء من أموال المقاصة بذرائع مختلفة، قبل أن تتوقف عن تحويلها بشكل شبه كامل في أيار 2025، ما أدى إلى عجز متواصل في دفع الرواتب كاملة، وسط ديون متراكمة ومستحقات مؤجلة للموظفين.




