loading

لم تنته النكبة بل تبدلت أدواتها

تسنيم سمور

ثمانية وسبعون عامًا مرّت على النكبة الأولى، لكن الحكاية لم تتوقف يومًا عند حدود عام 1948.
فما عاشه الفلسطيني من تهجيرٍ واقتلاع وفقدان للبيت والأمان، يعود اليوم بصور أكثر قسوة، في ظل حربٍ مفتوحة تركت فلسطين تحت الركام، وأعادت إلى الذاكرة مشاهد النزوح والخيام وقوافل الفقد الطويلة.


النكبة المستمرة تعيد تشكيل وعي الفلسطينيين

تعيش العائلات الفلسطينية اليوم حالة من الحيرة العميقة، بين سؤالٍ لم يعد نظريًا كما كان في السابق: على ماذا نُربّي أبناءنا؟ وهل تكون “العودة” إلى المخيم الذي هُجّرنا منه حديثًا، أم إلى فلسطين التاريخية التي هُجّر منها أجدادنا عام 1948؟

هذا السؤال، بحسب منسق برنامج دراسات الهجرة واللاجئين في جامعة النجاح الوطنية د. أسعد التفاّل، لم يعد تفصيلًا عابرًا، بل أصبح إشكالية تمسّ جوهر الوعي الفلسطيني، وتضع العائلة أمام تحدٍ مباشر في نقل الذاكرة الجماعية، وتعزيز الهوية، وترسيخ فكرة العودة لدى الأجيال الجديدة.

أوجه الشبه بين نكبة عام 1948 وما يجري اليوم كبيرة جدًا بحسب د. التفال، فكما استُخدمت المجازر والترويع لدفع الفلسطينيين نحو الرحيل آنذاك، تتكرر المشاهد ذاتها اليوم في غزة والضفة الغربية من قتل ودمار وتجويع ونزوح قسري. لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أن الفرق الأبرز يتمثل في تطور أدوات التوثيق، حيث أصبحت وسائل الإعلام وشبكات التواصل تنقل ما يجري لحظة بلحظة، ما فرض ضغطًا دوليًا متزايدًا، دون أن يوقف السياسات على الأرض.

وأوضح أن أدوات التهجير نفسها تطورت مع الزمن؛ فبعد أن كانت تعتمد بشكل مباشر على القوة العسكرية والمجازر عام 1948، باتت اليوم أكثر تعقيدًا، إذ تضاف إليها أدوات ضغط نفسي واقتصادي واجتماعي، تُستخدم لدفع الفلسطيني، خصوصًا الشباب، نحو الهجرة غير المباشرة، عبر إغلاق فرص العمل، وتقييد الحركة، وتدمير مقومات الحياة، وخلق حالة مستمرة من انعدام الأمان وفقدان الأمل.

وأكد التفاّل أن هذا الواقع أنتج موجات هجرة متزايدة، خصوصًا بعد السابع من أكتوبر، في ظل الظروف المعيشية والنفسية القاسية التي يعيشها الفلسطينيون.

المخيم… شاهد حي على النكبة

 بالنسبة للفلسطينيين، تعد النكبة واقعًا متواصلًا يتجدد بأشكال مختلفة، خصوصًا في مخيمات شمال الضفة الغربية، التي تعيش اليوم واحدة من أكثر المراحل قسوة منذ عقود.

 وكيل دائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية أنور حمام، أكد أن الفلسطيني يعيش “نكبات متجددة”، لكنها في جوهرها نكبة واحدة مستمرة، بدأت قبل عام 1948، وتواصلت بعده حتى اليوم، بهدف واحد يتمثل في تهجير الفلسطينيين وإفراغ الأرض من سكانها الأصليين.

وأوضح بأن مخيمات شمال الضفة، خاصة جنين وطولكرم ونور شمس، ليست مجرد تجمعات سكنية، بل تمثل شاهدًا حيًا على النكبة الفلسطينية، ولهذا أصبحت هدفًا مباشرًا للعدوان الإسرائيلي.

فالمخيم، كما يشير حمام، يحمل رمزية سياسية ووطنية تتجاوز المكان نفسه، لأنه تَشكّل أصلًا نتيجة التهجير القسري للفلسطينيين عام 1948، وتحول مع الوقت إلى مساحة حافظ فيها الفلسطيني على هويته وذاكرته الجماعية وحقه في العودة.

وأضاف أن الاحتلال يحاول اليوم “إعادة هندسة المخيم”، ليس فقط من خلال التدمير العسكري، بل عبر استهداف فكرة المخيم نفسها، باعتباره رمزًا لقضية اللاجئين وحق العودة. مشيرًا إلى أن استهداف المخيمات يترافق مع محاولات متواصلة لإضعاف وكالة “الأونروا”، باعتبارها الشاهد الدولي على قضية اللاجئين الفلسطينيين.

النكبة بالأرقام… مشهد يتكرر بأدوات مختلفة

تكشف الأرقام حجم التشابه بين نكبة عام 1948 وما يعيشه الفلسطينيون اليوم، في ظل ما تصفه دائرة شؤون اللاجئين بـ”النكبة المستمرة”.

ففي نكبة عام 1948، استُشهد أكثر من 15 ألف فلسطيني، وارتُكبت أكثر من 70 مجزرة، فيما دُمّرت 530 قرية ومدينة فلسطينية، واعتُقل نحو 11 ألف فلسطيني، مقابل تهجير ما يزيد عن 78% من الشعب الفلسطيني خارج مدنه وقراه الأصلية.

أما منذ السابع من أكتوبر، فتشير المعطيات إلى استشهاد أكثر من 72 ألف فلسطيني في قطاع غزة، وإصابة ما يزيد عن 172 ألفًا، إلى جانب نزوح نحو مليوني فلسطيني، وتدمير أكثر من 360 ألف وحدة سكنية.

كما سُجل تدمير 139 سيارة إسعاف، و33 مستشفى بشكل كلي أو جزئي، و450 مركز إيواء، إضافة إلى 600 مدرسة، و828 مسجدًا، و3 كنائس، فيما تجاوز عدد المعتقلين في قطاع غزة 7 آلاف معتقل، إلى جانب فقدان أكثر من 10 آلاف شخص تحت الأنقاض.

وفي الضفة الغربية منذ السابع من أكتوبر، استُشهد أكثر من 1165 فلسطينيًا، واعتُقل ما يزيد عن 21 ألفًا، فيما تجاوز عدد الاقتحامات 7 آلاف اقتحام، إلى جانب تهجير نحو 6 آلاف فلسطيني من التجمعات البدوية ومناطق الأغوار والقدس.

أما مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية، وخاصة في شمالها، فقد شهدت تصعيدًا واسعًا، أسفر عن استشهاد 430 فلسطينيًا، واعتقال أكثر من 3134 آخرين، إضافة إلى نزوح ما يزيد عن 53 ألف لاجئ، وتدمير 1670 مبنى بشكل كلي أو جزئي، إلى جانب تنفيذ أكثر من 1511 عملية اقتحام داخل المخيمات.

وتشير هذه الأرقام إلى أن ما يجري اليوم لا يُقرأ فقط كتصعيد عسكري أو إنساني، بل كامتداد لمسار طويل من التهجير والتدمير، يعيد إلى الواجهة مشاهد النكبة الأولى، ولكن بأرقام أكثر اتساعًا وأدوات أكثر قسوة.

القدس… مشروع تهويد متواصل منذ النكبة

 الكاتب والمحلل السياسي المختص بشؤون القدس راسم عبيدات، أفاد بأن ما تعيشه مدينة القدس اليوم لا يمكن فصله عن النكبة الفلسطينية التي بدأت عام 1948، بل يشكل امتدادًا مباشرًا لها، ضمن مشروع متواصل يستهدف الأرض والهوية والوجود الفلسطيني.

وتابع بأنه منذ احتلال القسم الشرقي من القدس، عمل الاحتلال بشكل متسارع على فرض مشروع تهويدي شامل، عبر توسيع المستوطنات، وتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي والسياسي للمدينة، وصولًا إلى تكريس وقائع جديدة على الأرض، تحولت مع الوقت إلى ما يشبه “الحقائق الثابتة” بعد قرار واشنطن الاعتراف بالقدس عاصمة للاحتلال.

ولفت  عبيدات إلى أن مشروع تهويد القدس لم يبدأ اليوم، بل هو امتداد للمشروع الذي رافق النكبة منذ عام 1948، حين سعى الاحتلال إلى ضم القدس واعتبارها “عاصمة أبدية” له، بالتوازي مع مشاريع تهويد واسعة طالت الجليل والنقب والضفة الغربية.

وأردف بأن الاحتلال لا يكتفي بتطويق القدس بالمستوطنات، بل يعمل على إعادة تشكيل المدينة بالكامل، أمنيًا وإداريًا وديمغرافيًا، بهدف تحويل مشهدها العربي الإسلامي المسيحي إلى مشهد “توراتي تلمودي” مصطنع.

وأضاف أن المخططات الإسرائيلية تهدف إلى توسيع حدود القدس وربطها بالكتل الاستيطانية الكبرى، بما يعزل المدينة عن محيطها الفلسطيني في الضفة الغربية، سواء شمالًا عبر مشاريع استيطانية قرب مطار القدس، أو جنوبًا عبر سلسلة مستوطنات تفصل القدس عن بيت لحم والقرى المحيطة بها.

وتحدث عبيدات عن سياسة “تفكيك الأحياء المقدسية”، من خلال إقامة مستوطنات تفصل الأحياء العربية عن بعضها البعض، إلى جانب زرع بؤر استيطانية داخل الأحياء الفلسطينية نفسها، لتحويل التجمعات المقدسية إلى مناطق معزولة ومحاصرة داخل واقع استيطاني واسع.

الطريق الذي فقد أهله… والأمان الذي تلاشى

في الطرق الممتدة شرق طوباس، لم يعد المشهد كما كان في السابق.
مساحاتٌ كانت تعجّ بالحياة، بالرعاة، بالأطفال، وبحركة يومية تربط التجمعات الفلسطينية ببعضها، باتت اليوم تبدو شبه فارغة، يثقلها الصمت، ويغيب عنها الشعور بالأمان.

هذا التحوّل، كما يصفه الصحفي من طوباس الحارث الحصني، لم يأتِ فجأة، بل هو امتداد لمسار طويل من تغيّر المكان والناس، حيث تتبدل الجغرافيا تدريجيًا، وتُعاد صياغة تفاصيل الحياة تحت ضغط الخوف والاعتداءات، في مشهد يعيد إلى الذاكرة صور التهجير الأولى وإن اختلفت الأزمنة والأدوات.

ولفت إلى أن هذه الطرق، التي كانت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية، باتت اليوم تُسلَك بحذر شديد، في ظل غياب الشعور بالأمان، وتراجع الوجود الفلسطيني من محيطها بشكل متسارع.

واستحضر الحصني مشهد مدرسة المالح في حمامات المالح، التي هُدمت في نيسان الماضي، بعد أن أُجبرت عائلات فلسطينية على الرحيل من المنطقة.

هذه المدرسة التي كانت قبل عامين تضم نحو 70 طالبًا من التجمعات البدوية، بدأت أعدادها تتناقص مع موجات النزوح، حتى وصلت إلى 16 طالبًا فقط، قبل أن تُفرغ بالكامل، ثم تُهدم لاحقًا.

وأوضح الحصني بأن ما جرى لم يكن حدثًا منفصلًا، بل جاء ضمن سياق أوسع من تغيّر متواصل في المكان، حيث تُعاد صياغة الوجود الفلسطيني تدريجيًا تحت ضغط الاعتداءات والظروف المحيطة.

البؤر الاستيطانية… من السيطرة على الأرض إلى خنق المعيشة

وعند الحديث عن البؤر الاستيطانية، يوضح الحصني أن معظمها بؤر رعوية تُقام على أراضٍ فلسطينية، ما ينعكس مباشرة على حياة السكان اليومية.

فلم يعد التحدي فقط في الأرض، بل في القدرة على البقاء أصلًا، بعدما باتت المراعي محدودة، ومصادر الرزق مهددة، ما دفع كثيرين إلى مغادرة أماكنهم تحت ضغط الظروف.

فبحسب الأرقام التي يوردها الحصني، كان يعيش في مناطق الأغوار نحو 600 عائلة فلسطينية في الخيام والتجمعات البدوية، لكن هذا العدد تراجع بشكل حاد ليصل اليوم إلى أقل من 100 عائلة فقط.

كما تم إفراغ عدد من التجمعات بالكامل، فيما تقلص الوجود في الأخرى إلى بضع عائلات فقط، في مشهد يعكس استمرار حالة التهجير بأشكال مختلفة.

كيف عاشت غزة النكبة خلال حرب الابادة المستمرة؟

الصحفية من قطاع غزة هناء أبو عمرة، توضح أن ما يحدث في غزة لا يُقرأ كحدث منفصل، بل كامتداد لمسار بدأ عام 1948، حين تعرض الفلسطينيون لتهجير جماعي واسع، أعاد تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطينية بشكل كامل.

وأوضحت بأن الفرق اليوم ليس في الجوهر، بل في الشكل؛ فبينما كانت النكبة الأولى واضحة المعالم أمام العالم، فإن ما يجري اليوم يتوزع بين تدمير المنازل، وإفراغ الأحياء، وإجبار العائلات على النزوح المتكرر، وصولًا إلى نصب الخيام كخيار وحيد للبقاء.

وأكدت أن هذا الامتداد التاريخي يجعل من مفهوم النكبة حالة مستمرة وليست حدثًا منتهيًا، تتجدد تفاصيلها في كل جيل وبأدوات مختلفة.

من خيام عام 48 إلى خيام غزة… نكبة تتجدد في المكان والزمان

من خيام نُصبت عام 1948 إلى خيام تمتد اليوم في قطاع غزة، يبقى المشهد واحدًا وإن تغيّرت الأزمنة.

خيامٌ كانت يومًا رمزًا للنجاة المؤقتة، تحولت مع مرور العقود إلى عنوان دائم لمعاناة فلسطينية لا تنتهي، تعيد نفسها بأشكال مختلفة، لكن بجوهر واحد: فقدان المكان والاستقرار.

تقول أبو عمرة أن العائلات النازحة لم تعد تبحث فقط عن منزل، بل عن أي مساحة فارغة يمكن أن تُقام فيها خيمة، في ظل اكتظاظ شديد ونقص حاد في الخدمات الأساسية.

وفي مشاهد صادمة، تشير إلى أن بعض العائلات اضطرت إلى نصب خيامها في أماكن غير إنسانية، مثل محيط المقابر أو مكبات النفايات، بينما لجأت عائلات أخرى إلى شاطئ البحر، حيث تهدد الأمواج الخيام، وتزيد الطبيعة من قسوة الواقع بدل أن تخففه.

وأكدت أبو عمرة أن الوصول إلى مرحلة لا يجد فيها الإنسان مكانًا حتى لنصب خيمته، يعني أن الحد الأدنى من شروط الحياة قد انهار بالكامل.

وأشارت إلى أن الخيمة في غزة لم تعد مجرد وسيلة مؤقتة للإيواء، بل أصبحت رمزًا للبقاء في مواجهة واقع مفتوح على المجهول، حيث تمتد الإقامة المؤقتة لتتحول إلى حالة طويلة الأمد، بلا أفق واضح للعودة إلى البيوت أو إعادة الإعمار.

في فلسطين، لا تبدو النكبة مجرد ذكرى تُستعاد كل عام، بل واقعًا يتكرر بأسماء وأماكن مختلفة، من قرية هُجّرت عام 48، إلى المخيم والأغوار التي تُفرَّغ اليوم من سكانها، إلى خيمة تُنصب فوق الركام في غزة، أو منزل يواجه الهدم في القدس.

ورغم كل ذلك، ما زال الفلسطيني يتمسك بما تبقى، بصورة البيت، باسم القرية، وبفكرة العودة، لأن كل هذا الخراب لم ينجح في انتزاع الرواية من أصحابها.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني