loading

انتخابات “فتح”: إعادة رسم موازين القوى داخل الحركة

محمد عبد الله

شكّلت النتائج الأولية المعلنة لانتخابات اللجنة المركزية لحركة حركة فتح، التي أُجريت في ختام المؤتمر الثامن للحركة، مؤشراً على تحولات داخلية في بنية الحركة وتوازنات القوى فيها، بعد سنوات من الجمود والانقسامات التنظيمية. 

وبينما حافظ عدد من القيادات التقليدية على مواقعهم، حملت النتائج صعود وجوه جديدة، وتقدّم شخصيات ذات خلفية أمنية وميدانية، في مشهد يعكس محاولة لإعادة تشكيل مركز القرار الفتحاوي في مرحلة سياسية وأمنية معقدة.

وانعقد المؤتمر الثامن للحركة على مدار أيام الخميس والجمعة والسبت، بشكل متزامن في أربع ساحات هي رام الله وقطاع غزة والقاهرة وبيروت، وسط مشاركة واسعة بلغت نسبتها 94.64%، بحسب إدارة المؤتمر، التي وصفت العملية الانتخابية بأنها من أكثر العمليات التنظيمية مشاركة منذ سنوات.

صعود البرغوثي ورسائل الميدان

وأظهرت النتائج الأولية تصدّر الأسير القيادي مروان البرغوثي قائمة الفائزين بعضوية اللجنة المركزية بحصوله على 1877 صوتاً، رغم اعتقاله في السجون الإسرائيلية منذ عام 2002، في دلالة سياسية وتنظيمية اعتبرها مراقبون تعبيراً عن استمرار حضور الخطاب الكفاحي داخل قواعد الحركة.

كما برز اسم زكريا الزبيدي ضمن الأعضاء الجدد المنتخبين، إلى جانب تيسير البرديني، ما أضفى على التشكيلة الجديدة بُعداً ميدانياً، في وقت تواجه فيه الحركة انتقادات داخلية تتعلق بتراجع حضورها الشعبي والتنظيمي في الضفة الغربية وقطاع غزة.

ويرى متابعون أن تصدّر البرغوثي، إلى جانب دخول شخصيات ذات رمزية ميدانية، يعكس ميلاً داخل القاعدة الفتحاوية نحو إعادة الاعتبار لرموز الاشتباك الميداني، مقابل تراجع وزن بعض الشخصيات المرتبطة بالعمل الإداري أو البيروقراطي.

حضور أمني لافت

في المقابل، سجلت الانتخابات تقدماً واضحاً لشخصيات ذات خلفية أمنية، يتقدمها ماجد فرج الذي حلّ ثانياً بـ1861 صوتاً، يليه جبريل الرجوب في المرتبة الثالثة.

ويُتوقع أن ينعكس هذا الحضور على موازين القوى داخل اللجنة المركزية المقبلة، خصوصاً في ظل الحديث عن مرحلة سياسية حساسة تتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني وترتيبات ما بعد الرئيس محمود عباس.

كما حافظت شخصيات بارزة مثل حسين الشيخ ومحمود العالول وتوفيق الطيراوي على مواقعها داخل اللجنة، ما يشير إلى استمرار نفوذ مراكز القوة التقليدية داخل الحركة، رغم عملية التجديد الواسعة.

ياسر عباس… بين التوريث والاختبار السياسي

ومن أبرز النتائج التي أثارت اهتماماً واسعاً، فوز ياسر عباس، النجل الأكبر للرئيس محمود عباس، بعضوية اللجنة المركزية بحصوله على 1290 صوتاً.

ورغم الجدل الذي رافق ترشحه، فإن حلوله في المرتبة الثامنة، أي في منتصف القائمة تقريباً، دفع بعض المراقبين إلى اعتبار أن النتائج لا تدعم بشكل واضح فرضية “التوريث السياسي”، لكنها في الوقت ذاته تفتح الباب أمام نمط جديد من التنافس داخل الحركة، خاصة مع حضوره الاقتصادي وتأثيره في دوائر القرار.

ويُنظر إلى دخول ياسر عباس إلى اللجنة المركزية باعتباره تطوراً مهماً في المشهد الفتحاوي، نظراً لارتباط اسمه خلال السنوات الماضية بقطاع الأعمال والاستثمارات أكثر من العمل التنظيمي المباشر.

تجديد بنسبة 50%

وأظهرت النتائج دخول تسعة أعضاء جدد إلى اللجنة المركزية مقابل احتفاظ تسعة آخرين بمقاعدهم، بما يعني أن نسبة التجديد بلغت 50%، وهي نسبة اعتبرها كثيرون مؤشراً على أن صناديق الاقتراع لعبت دوراً حقيقياً في إعادة تشكيل القيادة، بعيداً عن سيناريو “القوائم الجاهزة” الذي لطالما وُجهت به اتهامات لانتخابات الحركة.

وضمت قائمة الأعضاء الجدد كلاً من: ماجد فرج، ليلى غنام، ياسر عباس، تيسير البرديني، زكريا الزبيدي، أحمد أبو هولي، عدنان غيث، موسى أبو زيد، وإياد صافي.

في المقابل، غابت أسماء تاريخية عن اللجنة المركزية، سواء بسبب الوفاة أو عدم الفوز، من بينها صائب عريقات وعزام الأحمد وعباس زكي وصبري صيدم وروحي فتوح، في تحول يعكس انتهاء مرحلة وصعود أخرى داخل الحركة.

تمثيل غزة والمرأة

ورغم دخول عدد من القيادات الغزية إلى اللجنة المركزية، رأى متابعون أن تمثيل قطاع غزة بقي أقل من حجمه السياسي والتنظيمي داخل الحركة، خاصة في ظل الظروف التي يمر بها القطاع والحرب المستمرة وتداعيات الانقسام.

كما تعرضت النتائج لانتقادات بسبب محدودية تمثيل النساء، إذ لم تفز سوى ليلى غنام ودلال سلامة، ما دفع أصواتاً فتحاوية للمطالبة بتعزيز حضور المرأة في المؤسسات القيادية للحركة.

تحديات المرحلة المقبلة

ورغم اعتبار الانتخابات خطوة تنظيمية مهمة، إلا أن مراقبين أشاروا إلى أن المؤتمر لم يشهد نقاشاً سياسياً معمقاً حول برنامج الحركة أو مراجعة جدية لأسباب التراجع التنظيمي والسياسي خلال السنوات الماضية.

وتواجه اللجنة المركزية الجديدة تحديات داخلية وخارجية معقدة، أبرزها إعادة تنشيط الأطر التنظيمية، واستعادة الحضور الشعبي للحركة، والتعامل مع الأزمة المالية والسياسية التي تعيشها السلطة الفلسطينية، إضافة إلى ملف المصالحة الفلسطينية وتعزيز الجبهة الداخلية في مواجهة التصعيد الإسرائيلي.

كما يبرز ملف تيار محمد دحلان بوصفه أحد أبرز التحديات الداخلية، في ظل استمرار القطيعة التنظيمية، واحتمالات تحرك التيار نحو تشكيل إطار سياسي منفصل، وهو ما قد يفاقم حالة الانقسام داخل الحركة مستقبلاً.

وفي المجمل، تعكس نتائج المؤتمر الثامن لحركة فتح محاولة لإعادة إنتاج القيادة التنظيمية عبر مزيج من الاستمرارية والتجديد، لكن نجاح هذه القيادة سيبقى مرهوناً بقدرتها على تجاوز الانقسامات الداخلية، واستعادة ثقة الشارع الفلسطيني، وتحويل نتائج الانتخابات إلى برنامج سياسي وتنظيمي قادر على مواجهة التحديات المتسارعة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني