تسنيم سمور
على شفا الأغوار الفلسطينية، شرق بلدة بيت فوريك، تقف خربة طانا كأحد أكثر المناطق الفلسطينية تعرّضًا للاستهداف خلال السنوات الأخيرة، بعدما تحولت من تجمع زراعي ورعوي نابض بالحياة إلى مساحة شبه خالية تحت ضغط الهدم والاستيطان والاعتداءات المتكررة والتي كان آخرها الاعتداء على مسجد الخربة، في سياق يعيد رسم الجغرافيا والوجود الفلسطيني في المنطقة.
منسق لجنة الدفاع عن أراضي خربة طانا ثائر حنني
يقول إن مساحة الخربة تُقدّر بنحو 18 ألف دونم، أي ما يقارب نصف أراضي بيت فوريك، موضحًا أنها مصنفة بالكامل ضمن مناطق “ج”، ما جعلها عرضة دائمة لإجراءات الاحتلال وقيود البناء والتوسع.
وأضاف أن الخربة كانت تضم أكثر من مئة عائلة فلسطينية، قبل أن تتراجع أعداد السكان تدريجيًا بفعل الملاحقات والهدم والاعتداءات المتكررة، وصولًا إلى تهجير شبه كامل لعشرات العائلات مطلع العام 2025.
وأشار حنني إلى أن خربة طانا كانت لعقود السلة الغذائية لبيت فوريك، ومركزًا أساسيًا للرعي والثروة الحيوانية، قبل أن تتحول المراعي إلى هدف مباشر للاستيطان عبر إقامة بؤر رعوية ومنع الأهالي من الوصول إلى أراضيهم، في محاولة متصاعدة لقطع علاقة السكان بأرضهم وإعادة تشكيل استخدامها.
وأوضح أن الموقع الجغرافي للخربة، القريب من الحدود الأردنية ومن المستوطنات المحيطة، وضعها في قلب المخططات الاستيطانية الهادفة إلى ربط البؤر الاستيطانية ببعضها البعض، بما يؤدي إلى محاصرة بيت فوريك وعزلها تدريجيًا عن محيطها الطبيعي.
وكانت خربة طانا قد شهدت أكثر من 13 عملية هدم طالت المنازل والمنشآت، إلى جانب اعتداءات على المدرسة والمسجد التاريخي المعروف بـ “مسجد بيت الشيخ”، والذي يعود بناؤه لأكثر من مئتي عام، حيث تعرض خلال السنوات الماضية لعمليات تخريب وسرقة لمحتوياته وأبوابه، وهدم أجزاء من جداره الخارجي.
مسجد بيت الشيخ
“مسجد بيت الشيخ لم يعد مجرد مكان للصلاة، بل خط الدفاع الأول عن أرض مهددة بالاقتلاع”، بهذه الكلمات يختصر إمام المسجد الشيخ سليم مليطات مكانة المسجد في حياة الأهالي.
وأضاف أن المسجد هو البناء التاريخي الوحيد في خربة طانا، ووقفٌ عام لأهالي المنطقة، شكّل عبر السنوات مركزًا للحياة اليومية، حيث جُهّز بالسجاد والمقاعد والمنبر والمصاحف، إضافة إلى شبكة كهرباء ووحدة طاقة شمسية وخزانات مياه ومراوح، ليبقى مساحة تجمع وصمود في وجه الظروف الصعبة.
وتابع مليطات بأن المسجد يمثل للأهالي ملاذًا في الصيف من الحر الشديد، وفي الشتاء من البرد والأمطار، خاصة أن المنطقة الشرقية من بيت فوريك وصولًا إلى طانا تُعد من المناطق الشفا غورية ذات الطبيعة القاسية.
ورغم صعوبة الطريق الترابية الممتدة لنحو ثمانية كيلومترات بين بيت فوريك وخربة طانا، يواصل الأهالي الوصول إلى المسجد والصلاة فيه، في مشهد يومي يعكس إصرارًا على البقاء، ورسالة صمود في وجه محاولات العزل والتفريغ.
ولفت مليطات إلى أن المسجد يتعرض منذ سنوات لمنع دائم من الترميم أو الصيانة، بذريعة تصنيفه منطقة آثار ومنطقة عسكرية، في وقت تتصاعد فيه اعتداءات المستوطنين مع توسع المشروع الاستيطاني، ما يشمل اقتحامات متكررة، وإجراءات تفتيش على الحواجز، وسرقة محتوياته من أجهزة أذان ومكبرات صوت ووحدة طاقة شمسية وسجاد، وصولًا إلى أبواب ونوافذ المسجد، إضافة إلى تكسير المقاعد والمنبر والاعتداء على المصلين ومحاولة ترهيبهم.
“سلطة الاثار الاسرائيلية”
الباحثة في التراث والآثار الدكتورة منى أبو حمدية ترى أن تصنيف بعض المناطق الفلسطينية كمواقع “أثرية” لم يعد إجراءً علميًا محايدًا، بل أصبح جزءًا من سياق سياسي وأمني أوسع يُستخدم لإعادة تشكيل السيطرة على الأرض، خصوصًا في مناطق “ج”.
وأفادت بأن منع ترميم مسجد بيت الشيخ بحجة الطابع الأثري يعكس كيف تحوّل ملف الآثار إلى أداة لتقييد الوجود الفلسطيني ومنع تطويره، عبر تحويل المواقع من فضاءات حياة إلى مناطق خاضعة للرقابة والتحكم.
وأكدت أبو حمدية أن “سلطة الآثار الاسرائيلية” في هذا السياق تتحول إلى أداة سيادية داخل الضفة الغربية، تُستخدم لإعادة تعريف العلاقة مع الأرض، لا لحمايتها كتراث إنساني متعدد، بل لتكريس رواية أحادية تُقصي الوجود الفلسطيني أو تهمشه.
وحذّرت من أن حصر الرواية التاريخية ضمن إطار “الآثار اليهودية” يؤدي إلى اختزال التاريخ الفلسطيني المتعدد، وإضعاف ذاكرة المكان، خصوصًا في مناطق مثل خربة طانا التي ليست مواقع أثرية فقط، بل فضاءات حياة وسكان وهوية.
وأوضحت أبو حمدية بأن منح صلاحيات واسعة لهيئات الآثار في الحفر والمصادرة والإدارة يفتح الباب أمام استخدامها كأداة توسع ميداني، تُغلف بطابع ثقافي، بينما تُستخدم فعليًا في إعادة توزيع السيطرة على الأرض، وربط البؤر الاستيطانية ببنية تحتية تفرض واقعًا جديدًا.
وأردفت بأن استهداف مسجد بيت الشيخ لا يمكن فصله عن توسع الاستيطان في المنطقة، وأن ما يجري في خربة طانا هو جزء من مسار أوسع يعيد تعريف السيادة والوجود والذاكرة في آنٍ واحد، تحت عناوين ثقافية ظاهرها التراث، وباطنها السياسة.
دور بلدية بيت فوريك في دعم خربة طانا
من جانبه رئيس بلدية بيت فوريك الجديد يوسف حنني أوضح أن خربة طانا تُعد منطقة رعوية وزراعية تابعة لأراضي البلدة، وتقع على بُعد نحو 6 كيلومترات إلى الشرق منها، ويسكنها عدد من أهالي بيت فوريك، خاصة مربي الثروة الحيوانية الذين استقروا فيها منذ عشرات السنين نظرًا لاتساع المراعي ووجود ينابيع المياه التي استخدمت لسقاية الأغنام.
ولفت إلى أن معاناة الأهالي بدأت بشكل واضح عام 2005، حين شرع الاحتلال بهدم مساكن المزارعين وإصدار أوامر هدم بحقها بذريعة اعتبارها منطقة تدريبات عسكرية، رغم عدم وجود أي مظاهر عسكرية في المكان. ومنذ ذلك الوقت، تصاعدت الاعتداءات والإجراءات التضييقية بحق السكان وممتلكاتهم.
وتابع حنني بأن بلدية بيت فوريك، وبالتعاون مع هيئة الجدار والاستيطان، عملت على إعداد ملف قانوني للترافع أمام المحاكم الإسرائيلية بهدف تثبيت حق الأهالي في البقاء بأراضيهم، من خلال المحامي توفيق جبارين، إلى جانب تواصلها مع مؤسسات رسمية ومجتمعية لتقديم الدعم للسكان والمزارعين.
كما ساهمت البلدية، بحسب حنني، في دعم إعادة بناء المساكن رغم تكرار عمليات الهدم، إضافة إلى إعادة بناء مدرسة طانا التي هدمت مرتين، وتأهيل عيون المياه التي تعرضت للتخريب، فضلًا عن إنشاء محميات رعوية عبر مركز أبحاث الأراضي، وإقامة آبار جمع مياه ومناطق رعي مزروعة بأشجار رعوية متجددة.
وأكد أن الجهود شملت أيضًا توفير خلايا طاقة شمسية للمزارعين، وأدوات زراعية ومعدات إنتاج غذائي، وتمديد خط مياه من “العين الفوقا” إلى المدرسة قبل أن يتم تخريبه لاحقًا من قبل الاحتلال، إلى جانب تزويد المزارعين بعشرات الأطنان من الأعلاف والبذور، وتوفير الخيام ووسائل الإيواء والحمامات المتنقلة وتنكات المياه عبر مؤسسات مثل الصليب والهلال الأحمر.
وأوضح حنني أنه وبعد السابع من أكتوبر 2023، تغير الوضع بشكل جذري نحو الأسوأ، مع إقامة نقطة استيطانية رعوية يقودها المستوطن “كوبي” ومجموعته، حيث تم طرد المزارعين وترهيبهم والاستيلاء على عيون المياه وهدم المساكن وإغلاق الطرق المؤدية للخربة، تحت حماية قوات الاحتلال، في ظل توقف فاعلية المسارات القانونية.
يذكر أن الاحتلال أعلن المنطقة مؤخرًا منطقة عسكرية مغلقة، ومنع المواطنين من دخولها، ما جعلها عمليًا منطقة مستباحة أمام المستوطنين.




