سليم اللوزي
في ذات نقاش دار في العاصمة اللبنانية بيروت، طُرح عليّ سؤال مفصلي يحمل في طياته هواجس الحاضر والمستقبل: “ماذا سيحدث للمسيحيين وللتعددية الثقافية في هذا الشرق، في حال وصل المستوطنون الصهاينة، بحماية بنادق جيشهم، إلى ساحة ساسين في قلب الأشرفية؟”.
بالنسبة للبعض، قد يبدو السؤال مجرد فرضية سياسية متطرفة أو مبالغة مجازية، لكن قراءة الواقع الميداني المعاصر تكشف أن هذا الكابوس ليس بعيدًا عن التحقق؛ فالجنود الذين عبروا شوارع الأشرفية وبعبدا في اجتياح عام 1982، يعودون اليوم بذات العقيدة الأيديولوجية التي لا تفرّق بين مقدسات الداخل والخارج. في أبريل 2025، وثّقت الكاميرات هدم الجرافات العسكرية الإسرائيلية لتمثال القديس جاورجيوس في بلدة “يارون” اللبنانية، وقيام جندي بتهشيم رأس تمثال السيد المسيح بمطرقة حديدية في قرية “دبل” الجنوبية، ناهيك عن إعطاء العذراء مريم “سيجارة”، وغيرها من الممارسات التي لم توثق أو تنشر.
هذه السلوكيات في جنوب لبنان ليست “حوادث فردية” معزولة، بل هي الامتداد الجغرافي الطبيعي لعقيدة أيديولوجية وممارسة ممنهجة تُدار خلفها حرب شرسة في فلسطين التاريخية والقدس؛ وهي استراتيجية معقدة تُعرف بـ “هندسة التهجير وتفريغ الحيز”. إن فهم ما قد يؤول إليه الحال في لبنان يتطلب تفكيك هذه الماكينة الاستعمارية في فلسطين، حيث تتكامل التشريعات الدستورية، والحروب المالية الصامتة، والاستعمار العقاري، لإنتاج بيئة قسرية طاردة تحول المعالم الدينية التاريخية إلى مجرد متاحف خالية من البشر.
أولًا – الجذور البنيوية لهندسة التهجير: من الفضاء القومي إلى المعزل الطائفي
إن الممارسات الراهنة في القدس والجنوب اللبناني تستند إلى إرث تاريخي يعود إلى عام 1948، حيث بدأت أولى محاولات السيطرة على الأرض عبر “تفريغ الحيز”. تجسد ذلك تاريخيًا في تهجير سكان مدينتي اللد والرملة قسرًا في تموز 1948 ضمن “عملية داني”، حيث أُجبر الآلاف على السير لمسافات طويلة بلا ماء أو مأوى فيما عُرف بـ “مسيرة الموت”.
ولم تقتصر الاستراتيجية على العنف الخشن، بل شملت “الهندسة القانونية القائمة على الخداع”، وهو ما يمثله نموذج قريتي “إقرت وكفر برعم” في الجليل الأعلى (نوفمبر 1948)؛ حيث طُلب من السكان المسيحيين إخلاء منازلهم لأسبوعين فقط لأسباب عسكرية مؤقتة. ورغم انتزاع السكان حكمًا تاريخيًا من المحكمة العليا الإسرائيلية عام 1951 يقضي بحقهم في العودة، نسف الجيش القرار بتدمير القريتين بالكامل في يوم عيد الميلاد من العام نفسه، ثم شرعن مصادرة 16 ألف دونم تحت غطاء “قانون استملاك الأراضي لعام 1953” بحجة أنها أراضٍ شاغرة.
هذا التكتيك، القائم على المماطلة القضائية بالتزامن مع خلق حقائق مادية على الأرض، بات يُعرف قانونيا بـ “غامبيت إقرت وبرعم” (The Iqrit and Biram Gambit)، وهو المخطط الأساسي الذي يُعاد إنتاجه اليوم في قضايا العقارات المعاصرة.
بالتوازي مع الإزاحة المادية، تعرّض المسيحيون لتهميش بنيوي استهدف هويتهم السياسية؛ إذ عملت السياسات الاستعمارية المتلاحقة منذ الانتداب البريطاني على تحويل المسيحيين من “مكون قومي قائد للحركة الوطنية الشاملة” إلى “فئات قانونية طائفية” منعزلة. وعبر تطوير نظام “الملة” العثماني، تم حصر تمثيلهم في الجوانب الدينية والأحوال الشخصية، مما أدى إلى عزلهم سياسيًا وإضعاف قدرتهم على التأثير كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني، لتهبط نسبتهم الديموغرافية من 10% عام 1948 إلى أقل من 2% اليوم.
ثانياً – الأبارتهايد القانوني والحروب المالية الصامتة
خلف واجهة الصدام الميداني في الجنوب وفلسطين، تدير السلطات المؤسسية حربًا مالية وقانونية تصفها الكنائس بـ “الممنهجة”؛ تهدف إلى نزع الشرعية التاريخية عن المؤسسات الكنسية وإثقالها بالديون لتمهيد الطريق لمصادرة ممتلكاتها.
سلاح “الأرنونا” وتجميد الحسابات: عبر القرون، حظيت الكنائس بإعفاء كامل من ضرائب الأملاك (الأرنونا) بموجب نظام الوضع القائم التاريخي (Status Quo). إلّا أن هذا الإعفاء جرى كسره بشكل عنيف؛ وبلغت الذروة في أغسطس 2025 حين قامت بلدية القدس بتجميد كافة الحسابات البنكية لبطريركية الروم الأرثوذكس ومصادرة نحو 3 ملايين دولار منها، متذرعة بمطالبات ضريبية واهية تتجاوز 190 مليون دولار على عقارات كنسية خدمية وتاريخية. ويرى رؤساء الكنائس في هذه الضرائب أداة مساومة مالية لإجبارهم على التخلي عن أراضيهم لصالح الجمعيات الاستيطانية مقابل شطب الديون المفتعلة.
الغطاء الدستوري وازدواجية المعايير: توفر البيئة التشريعية الغطاء الدستوري الكامل لهذا التمييز؛ حيث يبرز “قانون الدولة القومية” (2018) الذي جعل حق تقرير المصير حصريًا لليهود، محولًا المسيحيين والعرب إلى مواطنين من الدرجة الثانية. ويتكامل هذا مع “قانون الترتيبات القضائية لعام 1970” الذي يجسد أقصى درجات المعايير المزدوجة؛ إذ يسمح لليهود باستعادة العقارات التي فقدوها في القدس الشرقية قبل عام 1948، في حين يحرم المسيحيين والمسلمين المهجرين قسرًا من استعادة ممتلكاتهم في القدس الغربية ويافا.
ميزانية “التدين” وتغيير الفضاء العام: لم تعد عملية التهويد مدفوعة بجهود جمعيات معزولة، بل أصبحت مأسسة حكومية؛ حيث خصصت الدولة في ميزانياتها بندًا يُدعى “التدين” (Hadata) رُصد له نحو 925 مليون شيكل لدعم مجموعات صهيونية دينية تُعرف بـ “النويات التوراتية” بهدف الاستيطان في قلب الأحياء العربية والمسيحية القديمة في المدن المختلطة (يافا، حيفا، والقدس) لتغيير هويتها الثقافية.
ثالثاً – استراتيجية “الضغط والسحق” وخنق الحيز الجغرافي
تُترجم المنظومة القانونية والمالية في الميدان عبر استراتيجية يطلق عليها الباحثون وصف “الضغط والسحق” (Squeeze and Smash).
“السحق” (Smash): يُمثّل العنف البنيوي المباشر؛ كالقصف الذي دمر أجزاءً من كنيسة القديس بوفيريوس التاريخية في غزة، وتسبب في تقليص المجتمع المسيحي هناك من 1,000 شخص إلى أقل من 600 عام 2025 يواجهون خطر الزوال، وهو ذات السحق الذي شهدته بلدتا يارون ودبل في جنوب لبنان.
“الضغط” (Squeeze): هو الأداة اليومية المستمرة لجعل الحياة لا تطاق؛ وتبرز هنا ظاهرة “البصق” علنًا في الشوارع على رجال الدين والمقدسات المسيحية في القدس. وتُظهر تقارير عام 2025 أن حوادث البصق باتت تشكل ما بين 60% إلى 80% من إجمالي الاعتداءات الجسدية ضد المسيحيين. وما يمنح هذه الظاهرة خطورتها الوجودية هو “الشرعنة الرسمية”؛ إذ وصف وزير الأمن القومي “إيتمار بن غفير” عادة البصق بأنها “تقليد يهودي قديم لا يشكل جريمة”، مما أدى لتراخي الشرطة وإغلاق 77% من التحقيقات دون اتهامات.
تتلاقى هذه البيئة الاجتماعية الطاردة مع “استراتيجية تطويق المراكز وخنق الريف” عبر محاور ثلاثة:
اختراق بوابات المدينة (باب الخليل): عبر استخدام شركات وهمية مسجلة في ملاذات ضريبية خارجية، جرى الاستيلاء على فنادق استراتيجية (بترا وإمبريال) وتحويلها إلى بؤر استيطانية مسلحة تشرف على الحي المسيحي وطريق الحجاج.
أزمة حارة الأرمن (صفقة حديقة البقر): حيث يواجه أقدم حي مسيحي خطر العزل التام بعد صفقة سرية استهدفت تأجير 25% من مساحته لصالح مطور عقاري مرتبط بمصالح استيطانية لمدة 98 عامًا.
الاستعمار الأخضر وحصار الريف: عبر مشروع “حديقة أسوار القدس الوطنية” الذي يقضم أراضي كنسية في جبل الزيتون لتفتيت التواصل الجغرافي. ويمتد هذا الخنق الجغرافي لعمق الريف في الضفة الغربية؛ حيث جرى فرض حصار خانق على بلدة “الطيبة” (البلدة المسيحية بالكامل المتبقية في الضفة) عبر وضع بوابات حديدية عند مداخلها في مارس 2026 لعزلها اقتصاديًا واجتماعيًا وتسهيل اعتداءات المستوطنين عليها.
الدرس اللبناني والإقليمي
إن مخرجات هذه الهندسة الديموغرافية والبيئة القسرية تتحدث عن نفسها، إذ يبدي الشباب المسيحي الفلسطيني تحت سن الثلاثين رغبة وتفكيرًا جديًا في الهجرة النهائية نتيجة انعدام الأمن الشخصي والاضطهاد المركب المالي والميداني.
وعليه، فإن العودة إلى التساؤل اللبناني حول “ساحة ساسين” ومستقبل الوجود المسيحي في المنطقة لم يعد ترفًا فكريًا. إن المشاهد الآتية من بلدات جنوب لبنان عام 2025، من تحطيم لتمثال المسيح وهدم الأيقونات التاريخية، تمثل مرآة مباشرة لما يحدث في القدس وفلسطين التاريخية؛ وهي إنذار جيوسياسي مبكر يثبت بالدليل القاطع أن العقيدة الصهيونية الاستيطانية لا تعترف بخصوصية ثقافية، ولا تحترم “وضعًا قائمًا”، ولا تتوقف عند حدود جغرافية، وعليه قد تكون “البيرة” متوفرة للجميع!
إن تراجع الوجود المسيحي في فلسطين واقترابه من حافة النزيف النهائي هو درس إقليمي بليغ مفاده: أن الكيان القائم على تصفية الحيز الجغرافي وتفتيت التنوع الإنساني، لا يمكن أن يكون جارًا يؤمن جانبه، وأن حماية التعددية الثقافية والتاريخية للمنطقة تتطلب وعيًا جماعيًا يربط بين معركة البقاء في “طريق الآلام” بالقدس، ومعركة الحفاظ على الهوية والثقافة في “ساحة ساسين” ببيروت.




