إلهام حمدان
تشهد مدينة طولكرم أوضاعًا اقتصادية ومعيشية شديدة القسوة والتدهور، في ظل عدوان الاحتلال المتواصل وما يرافقه من تشديد متصاعد للإجراءات العسكرية، الأمر الذي أدى إلى حالة شلل شبه تام في الحركة التجارية، وتراجع غير مسبوق وحاد في النشاط الاقتصادي داخل المدينة.
وعلى مدار 482 يومًا متواصلة، تواصل قوات الاحتلال عدوانها على مدينة طولكرم ومخيميها (طولكرم ونور شمس)، في واحدة من أطول وأعنف موجات التصعيد التي شهدتها المحافظة في السنوات الأخيرة، وسط حصار خانق وإغلاقات مشددة، واقتحامات متكررة ومتواصلة، رافقها تدمير واسع وممنهج للبنية التحتية والمنازل والمنشآت، إلى جانب تهجير آلاف المواطنين قسرًا من منازلهم تحت ضغط العنف والاقتحامات.
أمين سر الغرفة التجارية في طولكرم سلام مرعي بيّن أن مدينة طولكرم نالت حصة الأسد من إغلاقات الاحتلال نتيجة الاجتياحات المتكررة منذ ٣ أعوام، والتواجد العسكري الحالي غير المبرر داخلها، ما تسبب بانهيار اقتصادي كامل في محافظة طولكرم، بسبب التراجع الكبير الذي تشهده الحركة التجارية في أسواق المدينة.
ولفت إلى أن التاجر الكرمي كان المتضرر الأكبر من هذه الأوضاع، حتى أصبح عاجزًا عن تسديد التزاماته الشهرية بل واليومية أيضًا، حتى إن الكثير من التجار غادروا المحافظة ونقلوا مصالحهم التجارية إلى محافظات أخرى قريبة من المدينة.
وأشار إلى أربعة أسباب رئيسية لضعف القدرة الشرائية، وهي فقدان أكثر من ١٣ ألف عامل كرمي لأعمالهم داخل الخط الأخضر منذ السابع من أكتوبر عام ٢٠٢٣، وأزمة الرواتب التي يعاني منها الموظفين، ونزوح ما يزيد عن ٢٢ ألف مواطن كرمي من مخيمي طولكرم ونور شمس، إلى ضواحي وبلدات المدينة، حيث كانوا من الركائز الأساسية للحركة التجارية داخل المدينة. إضافة لعزوف عدد كبير من الزائرين من خارج المدينة سواء من الداخل المحتل أو من محافظات الضفة، عن زيارة المدينة بسبب صعوبة التنقل والوصول للمحافظة نتيجة إغلاق الاحتلال للحواجز والمعابر المحيطة بمدينة طولكرم.
وقد ألقى هذا الواقع الثقيل بظلاله العميقة على الجانبين الاقتصادي والإنساني معًا، في ظل تشديد الإجراءات العسكرية على الحواجز الرئيسية المحيطة بالمدينة، لا سيما حاجز عناب شرقًا وبوابة جبارة جنوبًا، إضافة إلى الإغلاق الكامل لحاجز شوفة جنوب شرق المدينة، وهو ما حدّ بشكل كبير من وصول الزائرين وأعاق حركة المواطنين
وتفاقمت الأزمة الاقتصادية بصورة أكبر مع منع دخول المواطنين من أراضي عام 1948 إلى طولكرم، وهو ما انعكس بشكل مباشر وقاسٍ على الأسواق التي كانت تعتمد بدرجة كبيرة على هذا التدفق، لتبدو شوارع المدينة وأسواقها شبه خالية في مشهد يعكس حجم التدهور الاقتصادي العميق الذي تعيشه المحافظة.
الزائرة من الداخل المحتل ل.أ (٢٧عامًا) وهي من سكان إحدى بلدات الداخل القريبة من مدينة طولكرم، أوضحت أن زيارتها للمحافظة أصبحت أشبه بالكابوس، خاصة مع إغلاق المعابر والحواجز والاضطرار لسلك الطرق الالتفافية، حيث يستغرق الوصول للمدينة ساعتين على الأقل، بعدما كانت نصف ساعة من مكان سكنها قبل إغلاق المعابر.
وأضافت أن الطرق الالتفافية أغلبها ترابية وغير مؤهلة للسير فيها، مما يتسبب بأضرار للمركبات، ليصبح العبئ مضاعفًا عليهم، فعند كل زيارة لطولكرم يجبرون على تصليح المركبة، الأمر الذي أدى لتقليل زياراتهم للمدينة، عدا عن التحقيق والتفتيش الدقيق على الحواجز في حال لم تكن مغلقة أثناء الخروج من المدينة.
وختمت حديثها بخطر المستوطنين المنتشرين على الطرق،
قائلة: “في بعض الأحيان نغامر ونكمل الطريق رغم الخطر الكبير، وكثير من الأحيان نجبر على العودة بعد قطع مسافات طويلة”.
وباتت الأسواق التي كانت تشهد حركة نشطة وحيوية لافتة، خاصة يوم السبت، تعاني اليوم من ركود اقتصادي غير مسبوق، مع انخفاض حاد وواضح في القدرة الشرائية وتراجع كبير في حجم المبيعات، الأمر الذي دفع العديد من التجار إلى تقليص أعمالهم بشكل قسري، أو إغلاق محالهم بالكامل، إضافة إلى تسريح عدد من العمال نتيجة تراكم الخسائر وتفاقمها.
بدوره، مدير أحد المحال التجارية قرب دوار شويكة أمجد جميل قال إن الحركة التجارية تشهد تراجعًا ملحوظًا نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعيشها المواطنون، وضعف القدرة الشرائية لدى الكثير من العائلات، مشيرًا إلى أن منطقة دوار شويكة تُعد من أكثر المناطق تأثرًا بالركود التجاري بسبب موقعها كمسلك رئيسي لتحركات آليات الاحتلال على مدار الساعة.
وأضاف أن التواجد المستمر لآليات الاحتلال في المنطقة يدفع المواطنين لتجنب التوجه إليها خوفًا من أي اعتداءات أو توترات مفاجئة، الأمر الذي انعكس سلبًا على أصحاب المحال التجارية وأدى إلى انخفاض أعداد المتسوقين بشكل كبير.
ونوه إلى أن حالة الركود المستمرة أثّرت بشكل مباشر على التجار وأصحاب المحال، حيث اضطر العديد منهم إلى تأجيل التزاماتهم المالية وعدم القدرة على تسديد المستحقات المترتبة عليهم في مواعيدها، إلى جانب تزايد حالات الشيكات الراجعة نتيجة ضعف الحركة التجارية وتراجع المبيعات.
وأردف بأن استمرار هذا الواقع يفاقم الأعباء الاقتصادية على التجار، خاصة مع تراكم الديون والمصاريف التشغيلية اليومية في ظل غياب أي استقرار اقتصادي واضح.
ويحذر تجار وأصحاب محال تجارية من أن استمرار هذه الإجراءات على حالها يهدد بانهيار قطاعات اقتصادية حيوية وأساسية في المدينة، في ظل غياب أي حلول عملية أو تدخلات حقيقية وفاعلة للتخفيف من حدة الأزمة المتفاقمة.
أمين سر الغرفة التجارية في طولكرم سلام مرعي أكد أن الغرفة التجارية باتت عاجزة عن تقديم الأمور التجارية تجاه التاجر الكرمي، بسبب ضعف الإيرادات المالية العائدة على المؤسسة، والتي وصلت إلى مرحلة العجز المالي، حيث كانت تعتمد الغرفة التجارية على إيرادات الاشتراكات السنوية للتجار، ومع التراجع الحاد بالحركة الاقتصادية واستمرار الظروف الصعبة التي تشهدها المدينة، أصبح التاجر غير قادر على دفع رسوم الاشتراك، وبالتالي عجز التاجر أدى لعجز المؤسسة كاملة.
وأضاف أنهم حاولوا بكل السبل المتاحة إيجاد الحلول لهذه الأزمة، منها على سبيل المثال تقديم خصمٍ للتجار على الاشتراكات داخل الغرفة التجارية، إلا أن رد الجهات المختصة لم يكن إيجابيًا.
ولفت إلى أنهم أطلقوا العديد من المناشدات لجهات الاختصاص وللمؤسسات الشريكة سواء الحكومية أو المدنية، إلا أن العجز العام لدى الحكومة حال بينها وبين تحقيقها.
المواطن أبو عمر وهو أحد سكان بلدات المحافظة أوضح بأن الوصول إلى طولكرم أصبح عبئًا بحد ذاته بسبب ارتفاع أسعار الوقود، والذي أثر بشكل كبير على أسعار المواصلات، موكدًا أن الظروف المعيشية الصعبة وارتفاع الأسعار وقلة الرواتب، جعلت التسوق من المدينة يقتصر على الأمور الأساسية فقط.
ويعوّل التجار عادة على موسم الأعياد لتحسين الحركة الشرائية وتعويض جزء من خسائرهم المتراكمة، وسط ترقبٍ لما قد تشهده الأسواق خلال الأيام القليلة التي تسبق عيد الأضحى، والتي تُعرف عادة بأنها الأكثر نشاطًا على الصعيد التجاري.
وفي محاولة لتحريك عجلة الأسواق قبيل عيد الأضحى، أعلنت الغرفة التجارية في طولكرم عن سلسلة من التسهيلات للمواطنين والزوار، شملت توفير مواقف مجانية للمركبات داخل ساحات عدد من المدارس، إلى جانب الإعلان عن تسهيلات على حركة التنقل عبر حاجز عناب ومعبر جبارة، بما يساهم في تسهيل وصول المتسوقين وتنشيط الحركة التجارية داخل المدينة.
وفي ظل هذا الواقع المتفاقم، تتعالى الدعوات إلى الجهات الحكومية والمؤسسات الشريكة والقطاع الخاص لتقديم تدخلات عاجلة وحقيقية تسهم في دعم التجار والتخفيف من الأعباء الاقتصادية المتراكمة عليهم، عبر توفير تسهيلات وإسناد اقتصادي يحدّ من تفاقم الأزمة ويحافظ على استمرارية القطاعات التجارية في المدينة.
وفي المقابل، يوجّه تجار المدينة نداءً للمواطنين والزوار للالتفاف حول أسواق طولكرم ودعمها، خاصة مع اقتراب عيد الأضحى، من خلال تنشيط الحركة الشرائية قدر الإمكان، باعتبار أن دعم التاجر المحلي لا ينعكس على أصحاب المحال فحسب، بل يشكل ركيزة أساسية لصمود المدينة وإنعاش دورتها الاقتصادية والحفاظ على مصادر رزق مئات العائلات الكرمية




