loading

من “الذراع الطويلة” إلى “الأجواء المستباحة”: كيف حطمت المسيرات رخيصة الثمن أسطورة السيطرة الجوية الإسرائيلية المطلقة؟

سليم اللوزي

في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وفي محاولة لترميم الكبرياء العسكري الإسرائيلي الذي دمرته صواريخ الدفاع الجوي العربي، أطلق قائد سلاح الجو الإسرائيلي الأسبق، بنيامين بيليد، مقولته الشهيرة التي تحولت إلى عقيدة راسخة لعدة عقود: “منذ الآن، لم يعد هناك جزء من السماء عصيًا على إسرائيل”.

عبر هذه الكلمات، صِيغت نظرية “الردع الجوي المطلق”؛ فصارت الطائرة الإسرائيلية بمثابة الذراع الطويلة التي تطال العواصم، وتدمر المفاعلات النووية (تموز في العراق 1981، عملية البستان في سوريا 2007)، وتسحق شبكات الدفاع الجوي التقليدية كما حدث في سهل البقاع عام 1982 (صرصار 19). استند هذا الردع إلى معادلة بسيطة: تفوق تكنولوجي غربي ساحق، مضافًا إليه ميزانيات مليارية، وحرب إلكترونية قادرة على إعماء الرادارات السوفيتية والروسية التقليدية.

لكن، ومع حلول العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، وتحديدًا مع اشتعال جبهة جنوب لبنان والمعارك الحديثة، تعرضت هذه المقولة العسكرية لأعنف عملية هدم بنيوي في تاريخ الحروب. لم يكن الهدم هذه المرة عبر طائرات نفاثة أسرع من الصوت، ولا بواسطة شبكات صواريخ عملاقة تحتاج إلى دول عظمى لبنائها، بل بواسطة سلاح “ديمقراطي” رخيص الثمن، يُصنع أحيانًا في ورش صغيرة، ولا تتجاوز تكلفته بضعة مئات من الدولارات: طائرات الـ FPV (التحليق عبر الرؤية الأولى) والمسيرات الانقضاضية الصغيرة.

إن ما يمكن وصفه تقنيًا بالهدم لبنية الردع الإسرائيلية، هو في عمقه الاستراتيجي عملية إعادة بناء لمعادلة التوازن والتصدي بواسطة “الأسلحة الفقيرة”. هذا النمط التكتيكي يعيد إلى الأذهان الجذور الأولى للمقاومة، تمامًا كما فعل الفلسطينيون في انتفاضة الحجارة؛ حين واجهوا آلة الحرب المدججة بأقل الموجود وبأرخص الأدوات المتاحة، مجردين الاحتلال من تفوقه النوعي ومثبتين أن إرادة البقاء قادرة على ابتكار سلاحها الخاص من طين الأرض المحيطة بها، ليتحول الفارق المادي الهائل من مصدر تهديد إلى ساحة لاستنزاف الـمُعتدي.

التشريح التكنولوجي للأزمة: لماذا تعجز “الآلهة التكنولوجية” عن رؤية الذباب؟

لكي نفهم كيف كسرت مسيرات الـ FPV هذه المقولة، يجب أولًا تفكيك الآلية التكنولوجية التي بُنيت عليها منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلي (مثل القبة الحديدية، مقلاع داوود، ومنظومة حيتس):

أ. معضلة المقطع الراداري العرضي (RCS)

صُممت الرادارات العسكرية الإسرائيلية الحديثة، مثل رادار EL/M-2084 (العقل المدبر للقبة الحديدية)، لرصد وتتبع الأهداف ذات المقطع الراداري العرضي (Radar Cross Section) الواضح، مثل صواريخ الكاتيوشا، القذائف المدفعية، والطائرات المقاتلة.

الطائرات المسيرة الصغيرة والـ FPV تُصنع بشكل أساسي من الألياف الكربونية، البلاستيك المقوى، والفلين المعالج. هذه المواد لا تعكس الموجات الرادارية بنفس كفاءة المعادن.

 البصمة الرادارية لهذه المسيرات تقترب من بصمة طائر متوسط الحجم، مما يجعل خوارزميات التصفية (Filtering) في الرادارات تصنفها أحيانا كـ “ضوضاء بيئية” أو أسراب من الطيور، لتتجنب المنظومة إطلاق صواريخ اعتراضية بناء على إنذارات خاطئة.

ب. الطيران اللصيق بالأرض ونقاط الرادار العمياء

تعتمد مسيرات الـ FPV والانقضاضية على تكتيك “تتبع التضاريس” (Terrain Following). في جغرافية جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة المتميزة بالأودية العميقة، التلال، والمنحدرات القاسية، تحلق هذه المسيرات على ارتفاعات منخفضة جدا (تتراوح بين 5 إلى 30 مترًا فقط عن سطح الأرض).

هذا الارتفاع المنخفض يضع المسيرة في منطقة “العمى الراداري الناتجة عن الكتل الأرضية” (Ground Clutter). الموجات الرادارية تصطدم بالتلال والأشجار والمباني وتنعكس، مما يخلق بيئة مشوشة تعجز معها الرادارات عن عزل حركة المسيرة عن حركة أوراق الشجر أو التضاريس الطبيعية.

ج. غياب البصمة الحرارية

تعتمد الصواريخ الاعتراضية الحديثة (مثل صاروخ تامير أو الصواريخ المحمولة على الكتف) في مرحلة التوجيه النهائي على البواحث الحرارية (الأشعة تحت الحمراء).

 المقاتلات النفاثة والصواريخ الباليستية تنفث حرارة هائلة من محركاتها. أما مسيرات الـ FPV فتعمل بـ محركات كهربائية صغيرة بطاقة بطاريات الليثيوم، أو محركات احتراق داخلي صغيرة جدًا لا تولد حرارة كافية لتنشيط بواحث الصواريخ الحرارية، مما يجعلها “أشباحًا حرارية” في السماء.

كسر التوازن الاقتصادي: “استراتيجية البعوضة” في مواجهة المليارات

أحد أخطر أبعاد كسر المقولة الإسرائيلية هو البعد الاقتصادي؛ فالسيطرة الجوية الإسرائيلية كانت تاريخيًا مدعومة بتدفق مالي أميركي وإسرائيلي ضخم يؤمن تفوق المعدة العسكرية. المسيرات الانتحارية رخيصة الثمن قلبت هذا المفهوم عبر “حرب استنزاف غير متناظرة”.

حينما يطلق حزب الله سربًا مكونًا من 5 مسيرات انقضاضية بتكلفة إجمالية لا تتعدى 10 آلاف دولار، تضطر إسرائيل لتفعيل بطاريات القبة الحديدية وإطلاق صواريخ اعتراضية، أو تفعيل المقاتلات النفاثة (F-16) لملاحقتها في الجو. ساعة الطيران الواحدة لمقاتلة F-16 تتجاوز تكلفتها 20 ألف دولار، وصاروخ الاعتراض يتجاوز 50 ألف دولار.

هذا الخلل البنيوي يعني عسكريًا أن إسرائيل، مهما بلغت ثروتها، ستنفد ذخائرها الاستراتيجية قبل أن تنفد مسيرات الطرف الآخر رخيصة الثمن (الجدير ذكره أن إسرائيل تعمل مع الداخل اللبناني على مساعدتها في كشف عملية وصول المواد الأولية لتصنيع الطائرات ومحاولة تعطيل الإمداد). هذه الاستراتيجية جردت السلاح الجوي من ميزته كأداة حسم سريعة، وحولته إلى مستهلك مالي مرهق.

تكتيك “الإعماء الممنهج”: كيف قُطعت أذرع الاستشعار؟

لم تكتف المسيرات برخص ثمنها وتخفيها، بل تم استخدامها ضمن خطة تكتيكية محكمة هدفت إلى تدمير منظومة الاستشعار بعيدة المدى لسلاح الجو الإسرائيلي على طول الحدود اللبنانية، وهو ما يمكن تسميته بـ “بتر عيون إسرائيل الجوية”. إذ طبق حزب الله تكتيكًا متدرجًا ركز على أهداف محددة بعناية عبر تفاصيل العمليات التالية:

 1. استهداف المنظومات الإليكتروبصرية والتشويش اللاسلكي: تم استخدام مسيرات الـ FPV الانتحارية الموجهة بدقة عبر الكاميرا لضرب أعمدة الإرسال، كاميرات المراقبة الحرارية، والمنظومات التجسسية المثبتة على طول الخط الأزرق (مثل موقع جل العلام، بركة ريشا، وموقع العباد). تم ضرب هذه المعدات مباشرة في “عدساتها” وراداراتها الصغيرة.

 2. إسقاط وتدمير المناطيد التجسسية: يعتبر منطاد “سكاي ديو” (Sky Dew) أحد أضخم المشاريع التكنولوجية المشتركة بين إسرائيل وأميركا لرصد المسيرات والصواريخ على ارتفاعات منخفضة. نجح حزب الله في اختراق الأجواء واستهداف القاعدة المخصصة للمنطاد في عمق الشمال (قاعدة إلانية)، مما أدى إلى تحييد هذا الأصل الاستراتيجي الحساس.

 3. ضرب قواعد المراقبة الجوية الرئيسية: مثل قاعدة ميرون لإدارة العمليات والمراقبة الجوية، والتي تمثل عين إسرائيل على السماء الشمالية. تكرار استهدافها بمسيرات انقضاضية وصواريخ موجهة بدقة أثبت أن المراكز السيادية لسلاح الجو لم تعد محصنة، وأن “السماء العاصية” باتت عاجزة عن حماية مراكز قيادتها الأرضية.

4. “الإغراق الكمي” والعمل المركّب: تكتيك تخطي العقبات. عندما تواجه المسيرات رخيصة الثمن دفاعًا جويًا مستعدًا، فإنها لا تتحرك فرادى بل ضمن “عمليات مركبة ومعقدة التفاصيل” تعتمد على خداع العقل الإلكتروني للمنظومات الدفاعية:

 أ. مرحلة التشتيت (Decoys): يبدأ الهجوم بإطلاق وجبة من صواريخ الكاتيوشا الرخيصة أو صواريخ مدفعية غير موجهة باتجاه مستوطنات الشمال. هذا الإطلاق يفرض على رادارات القبة الحديدية الاستنفار فورًا، والبدء في حساب مسارات المقذوفات وتفعيل الصواريخ الاعتراضية لإسقاطها.

 ب. مرحلة التسلل المخفي: في نفس الثانية التي تنشغل فيها المنظومة بتحليل وإسقاط الصواريخ، تنطلق مسيرات الـ FPV والمسيرات الانقضاضية (مثل أبابيل أو مرصاد) من وديان منخفضة وبسرعات بطيئة نسبيًا. الرادار الذي يعالج مئات الأهداف السريعة (الصواريخ) يسقط من حساباته برمجيًا الأهداف البطيئة جدًا والقريبة من الأرض لتجنب الإشباع المعلوماتي (Data Saturation).

 ج. مرحلة الانقضاض الحر: تصل المسيرة إلى هدفها العسكري (تجمع جنود، قاعدة عسكرية، أو غرفة قيادة) وتنقض بزاوية عمودية مستغلة كاميرا الـ FPV التي تمنح المشغّل خلف الحدود قدرة على توجيه المسيرة بدقة مليمترية داخل نافذة مبنى أو تحصين عسكري.

5. الأثر الاستراتيجي والنفسي: سقوط “الهيبة الجوية”

إن كسر مقولة بنيامين بيليد لم يكن تقنيًا وعسكريًا فحسب، بل امتد ليكون انكسارًا استراتيجيًا ونفسيًا غيّر طبيعة الحياة داخل الكيان:

 أ. تعطيل الحياة وشلل الشمال: طائرة مسيرة واحدة لا تتجاوز قيمتها ألف دولار، قادرة على تفعيل صافرات الإنذار في قطاعات كاملة تضم مئات آلاف المستوطنين من نهاريا إلى عكا وحيفا. هذا يعني اختباء الملايين في الملاجئ، وتوقف المصانع، وشلل حركة الطيران التجاري، لمجرد “احتمال” تسلل جسم طائر صغير.

 ب. فقدان الردع النفسي: تاريخيًا، كان المواطن الإسرائيلي يشعر بالأمان المطلق طالما أن طائرات الـ F-35 والـ F-15 تحلق في السماء. اليوم، يرى هذا المستوطن بأم عينه مسيرة بطيئة تحلق فوق منزله أو فوق القواعد العسكرية دون أن تستطيع كل تكنولوجيا “وادي السيليكون” الإسرائيلي إسقاطها، مما أحدث فجوة ثقة عميقة بين الشارع الإسرائيلي وقيادة جيشه.

عصر الجيوش النظامية المربكة

إذا كانت حرب عام 1973 قد كسرت عنجهية سلاح الجو الإسرائيلي مؤقتًا بواسطة جيوش دول نظامية (مصر وسوريا) وبأسلحة سوفيتية ضخمة، فإن ما يحدث اليوم هو تحول جذري وأخطر بكثير؛ حيث نجحت قوى غير نظامية (حزب الله) في شلّ وتفكيك مفهوم السيطرة الجوية المطلقة عبر “خصخصة الحروب الجوية” وجعلها رخيصة، ذكية، ومتوفرة بكثرة.

المقولة القديمة “لا يوجد جزء من السماء عصي على إسرائيل” قد دُفنت تكتيكيًا؛ فالواقع الراهن يفرض معادلة جديدة: “لم يعد هناك جزء من الأرض المحتلة محصنًا ضد الضيوف الطيارين رخاص الثمن”. لقد فرضت طائرات الـ FPV والمسيرات واقعًا لا يمكن لإسرائيل الهروب منه، واقعًا يقول إن التفوق التكنولوجي التقليدي لم يعد كافيًا لكسب معارك الأجواء في القرن الحادي والعشرين.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني