رولا فطافطة
قطار يمشي في سكته من عبدان إلى طهران يحمل رجلاً اسمه خيري، يجلس وبين يديه كتاب عمر الخيام، يحدّق من النافذة وفي رأسه امرأة اسمها “ليلى” لا يستطيع أن يطردها، مرّ ثماني سنوات على خروجه من حيفا ومع ذلك تعود ليلى الآن في هذا القطار تحديدًا، وهو في طريقه ليضع وردًا على قبر شاعر فارسي مات منذ أكثر من تسعة قرون.
المشهد يوصف رجل يتحرك ليزور ميتًا وامرأة تتجمد في رأسه وقد تكون هي الأخرى ماتت، وهذا الرجل يحمل وردًا لشاعر أحبّه وبالمقابل امرأة لا أحد يعرف إن كان لها قبر، ليس عبثيًا أن يكتب كنفاني قصة بطلها المُعلَن رجل يتحرك كثيرًا ولا يفعل شيئًا، وبطلتها الحقيقية امرأة لا تتحرك ولا تغادر وتفعل كل شيء.
خيري إنسان يملك كل ما يمنح المثقف مظهرَه: يقرأ، ويُقدّر الأدب، ويحفظ الشعر، ويحمل الكتب في سفره، ويشعر بعمق تجاه ما يحبّ لكن الميوعة -وهي الكلمة التي وسمته بها ليلى علانية ودون رحمة- ليست في رقته بل في شيء أعمق وأخطر، وهي السيولة في الموقف الأخلاقي، فالمائع لا يكذب بالضرورة ولا يتظاهر دائمًا لكنه يمتلك موهبة خاصة في إعادة تسمية الأشياء حتى تصبح محتملة؛ يسمّي الهرب عجزًا مؤلمًا، ويسمّي الصمت حزنًا عميقًا، ويسمّي الغياب جرحًا لا يندمل، وبهذه التسميات يُنقذ صورته أمام نفسه ويُبقي عالمه الداخلي الرومانسي محميًا من فداحة الواقع.
فهو لم يحمل بندقية يومًا واحدًا وترك حيفا يوم سقطت، ثم سكن هذا الغياب سنواتٍ ثماني دون أن يفعل شيئًا لتصحيحه، وما كان يفعله بدلًا من ذلك هو ما يكشفه كنفاني ببرود قاسٍ: خيري يقرأ، ويسافر، ويضع وردًا على قبور الشعراء الأموات، هو يُحبّ حيفا كما يُحبّ المرء لوحة يخشى لمسها، حبًا جماليًا انتقائيًا يهرب من خشونة الاختيار إلى ترف الذاكرة، محوّلاً القضية من جرح حيّ إلى قصيدة.
وقد اختار كنفاني لخيري تقنية المونولج الداخلي الطويل مقابل الأفعال الصفرية الكاملة، وهذا الاختيار البنيوي هو الإدانة الأدبية قبل أن تكون الأخلاقية، كنفاني يقول من خلال الشكل لا من خلال الموعظة أنّ خيري إنسان تعمل فيه آلة التفكير والمشاعر والوعي بلا انقطاع، وتُنتج كل شيء إلا الفعل.
ومضاتُ ليلى: حضور الفعل الحقيقي الذي لا يحتاج جمهوراً ليصفّق
ليلى لا تروي القصة وإنما تأتي فقط كومضات في ذاكرة خيري، كأصداء تُلاحقه في قطاره المتحرك، لكنها رغم هذا الغياب السردي التام هي الحاضر الوحيد الحقيقي في القصة كلها؛ لأن كل من يفعل يبقى حتى حين يغيب، فهي بقيت في حيفا حين سقطت، سُجنت، واغتُصبت في السجن، وعندما خرجت عادت إلى ما كانت تفعله.
رفضت المغادرة حين طُرح عليها الرحيل، ليس هذا سردًا لبطولة رومانسية وإنما رسم لنمط وجود مختلف جوهريَا.
ليلى إنسان لا يُفكّر في الفعل ثم يُؤجّله، ولا يُزيّن تقاعسه بمصطلحات ثقافية، ولا يحتاج إلى إعجاب الآخرين ليستمر؛ ليلى إنسان يفعل لأن الموقف يستدعيه لا لأن ثمة جمهوراً يصفّق.
الرباعية المستعارة: المسافة بين تداول الشِعر واعتناق العقيدة
المفارقة التي بنى عليها كنفاني ثنائيته كلها هي أن الرباعية التي علّمها خيري لليلى -محفورة بخط الرصاص الذي يكاد يختفي- كانت في يده مادة ثقافية للتداول والإعجاب، وكانت في يدها مرجعًا وعقيدة.
«آه أيها الحب، لو استطعت أنا وأنت أن نتفق مع القدر على تدمير هذا الطابع البائس الوحيد للعالم إلى قطع صغيرة صغيرة، ثم نعيد بناءه من جديد كما تشتهي قلوبنا.»
نفس الكلمات، اثنان يقرآنها؛ واحد أبقاها شعرًا جميلًا يُردّده في القطارات، وأخرى جعلتها مبدأ تقيس به كل موقف وتبني عليه كل يوم، وهذه هي المسافة الحقيقية بين المثقف المشتبك والمثقف المائع؛ لا تقاس بالمعرفة ولا بالحساسية بل بالجهة التي تتجه إليها هذه المعرفة: نحو الفعل أم نحو تبرير التقاعس.
لغة الجسد المُنتهك: حين يكذب المائع على نفسه ليحميَ عالمه
حين أخبرته ليلى باغتصابها في السجن بكلماتها هي القاسية الصريحة دون مجاز كان جواب خيري الصمت، لكن كنفاني لا يكتفي بهذا المشهد ويمنح القارئ شيئًا أعمق وأكثر إيلامًا؛ ففي أعماق وعي خيري خُيّل إليه أنها قالت إنها كانت تُصلّي لا إنها اغتُصبت.
هذا التحويل لا يصفه كنفاني بوصفه خطأً في السمع لأنه ليس كذلك، إنه أبلغ من ذلك وأقسى فهو آلية دفاع لا إرادية عميقة تعمل في عقل المائع تلقائيًا حين يواجه ما يُلزمه بالاستجابة؛ فالصلاة لا تستدعي رد فعل والاغتصاب يستدعيه، فاختار عقله دون أن يستأذن صاحبه الترجمة التي تُريحه وتُبقي عالمه سليمًا، وهنا يُمسك كنفاني بالمثقف المائع من عنقه إنه لا يكذب على ليلى، إنه يكذب على نفسه، وهذا أشد وطأة وأبلغ في الإدانة.
الاعتراف الميت: إدانة الوعي الذي لا يصنعُ تحولًا
في النهاية، مع تتابع أزيز عجلات القطار ومرور شواهد القبور البيضاء في الأفق، يصل خيري إلى لحظته الأكثر صدقًا وأشدها قسوة في آن: “إنني لم أكن أستحق ليلى مطلقًا، بل لم أكن أستحق حيفا نفسها”.
هذا الاعتراف لن يُغيّر شيئًا، فالقطار لا يزال يسير نحو قبر الخيام وخيري لا ينوي العودة، فالورد لا يزال على ركبتيه، الاعتراف وُلد ميتًا لأنه جاء مجرّدًا من أي نية للتصحيح، ليس محطة في رحلة تحوّل بل هو نهاية الرحلة كلها.
وهنا يُغلق كنفاني فخّه الأخير بإتقان؛ هذا الاعتراف ليس فضيلة خيري بل هو إدانته الأقسى والأكثر نهائية، لأن من يعترف ولا يتغير يُثبت أن معرفته بذاته كانت دائمًا في خدمة الإحساس بالعمق والحساسية لا في خدمة التحوّل، وهذا تحديداً ما يجعل المثقف المائع أشد خطورة من الجاهل البسيط؛ فالجاهل قد يتعلم أما من يعرف ويختار مع ذلك ألّا يفعل، فقد أسدل الستارة على نفسه من الداخل بيده، بوعي تام وبلاغة مُحكمة.
ليلى لم تطلب أن تُذكر وإنما فعلت فقط، وتركت وراءها شيئًا لا يذهب سواء بقيت حية أم لا، سواء كان لها شاهد قبر أم لا، أما خيري فسيصل إلى طهران ويضع الورد وسيذبل الورد وسيعود إلى أي مكان آخر وسيظل يحمل حيفا كلوحة جميلة تزيّن ذاكرته لا كالتزام يُثقل يومه، ولن يترك وراءه شيء لا يذهب.
غسان كنفاني يقول في هذه القصة ما يصعب أن يُقال بهذا الوضوح القاسي، فالمواطنة والانتماء ليسا ميراثًا يُحفظ بالمشاعر الجميلة وزيارة القبور ورواية القصص، هما استحقاق يُعمَّد بالفعل وحده، وكل من يُؤثر الوردة على البندقية والقصيدة على الموقف والاعتراف على الفعل، فقد اختار من يكون حتى لو لم يُدرك ذلك إلا في قطار متأخر، بين محطتين لا تُعيدانه إلى أي مكان كان يجب أن يكون.




