loading

600 بؤرة حرق غرب الخليل.. حريق طاروسة يفتح ملف التلوث مجددًا

محمد عبد الله

أعاد الحريق الذي اندلع في مكب طاروسة غرب مدينة دورا، في ثالث أيام عيد الأضحى، ملف التلوث البيئي وحرق النفايات الإلكترونية إلى واجهة الاهتمام في محافظة الخليل، بعد أيام من تصاعد أعمدة كثيفة من الدخان الأسود غطت مناطق واسعة وأثارت مخاوف السكان من تداعيات صحية وبيئية طويلة الأمد، وسط مطالبات شعبية بتشديد العقوبات بحق المتسببين بهذه الحرائق.

ويقول الناشط البيئي وأحد المتضررين من الحريق، همام حنتش، إن الحريق لم يكن حادثًا عابرًا، بل يأتي في سياق ظاهرة متواصلة تشهدها مناطق غرب الخليل منذ سنوات، تتمثل في حرق مخلفات الأسلاك والكوابل والإلكترونيات وألواح الطاقة الشمسية بهدف استخراج النحاس والألمنيوم والحديد وبيعها.

وأوضح حنتش في حديث خاص لموقع “بالغراف” أن مجموعة من النشطاء شكلوا مؤخرًا “حراك العدالة البيئية في جنوب الخليل”، بعد ملاحظتهم أن الجهود الرسمية والأهلية لمواجهة الظاهرة غالبًا ما تنشط عند وقوع الحرائق ثم تتراجع بانتهاء الحدث دون معالجة جذور المشكلة.

وأضاف أن الحراك يضم مجموعة من الشباب المتطوعين من بلدات دورا وإذنا والمناطق الغربية من المحافظة، ويعمل بالتعاون مع المؤسسات الحكومية والأهلية وتحت مظلة محافظة الخليل بهدف متابعة القضايا البيئية والضغط لاتخاذ إجراءات مستدامة للحد من التلوث.

وبحسب حنتش، فإن مجهولين استغلوا انشغال المواطنين خلال عطلة العيد وأقدموا على حرق كميات من الكوابل والإطارات وألواح الطاقة الشمسية بالقرب من مكب طاروسة، قبل أن تمتد النيران إلى داخل المكب نفسه، ما تسبب في اندلاع حريق واسع استمر لأيام.

وأشار إلى أن المكب مخصص أساسًا لمخلفات الأبنية، إلا أن الكشف الميداني أظهر وجود كميات كبيرة من النفايات الإلكترونية وألواح الطاقة الشمسية والبلاستيك والأسلاك والكوابل، وهو ما ساهم في زيادة حجم الانبعاثات والدخان الناتج عن الحريق.

وقال إن النشطاء تواصلوا مع محافظة الخليل والجهات المختصة فور اندلاع الحريق، حيث زار الموقع المحافظ ومدير الدفاع المدني ومسؤولون آخرون، وتعهدوا باتخاذ إجراءات صارمة بحق المسؤولين عن إشعال النيران.

لكن حنتش يؤكد أن الحرائق استمرت رغم ذلك، مشيرًا إلى اندلاع عدة بؤر جديدة بعد الزيارة الرسمية. وأضاف: “تفاجأنا بوقوع خمسة حرائق أخرى بعد الإعلان عن الإجراءات، وكأن من يقف خلف هذه الممارسات يضرب كل التحذيرات والقرارات بعرض الحائط”.

ويقدر حنتش عدد بؤر حرق النفايات المنتشرة في مناطق غرب الخليل بنحو 600 بؤرة، معظمها مرتبطة بحرق مخلفات إلكترونية ومخلفات يتم تهريبها من داخل إسرائيل إلى الضفة الغربية لاستخراج المعادن منها بطرق بدائية وخطرة بيئيًا.

ويحذر من أن آثار هذه الحرائق لا تقتصر على الموقع الذي تندلع فيه، موضحًا أن مكب طاروسة يبعد نحو كيلومتر واحد عن أقرب منزل سكني ونحو ثلاثة كيلومترات عن مركز مدينة دورا، إلا أن سحب الدخان الكثيفة وصلت إلى المدينة وأجبرت العديد من المواطنين على إغلاق منازلهم، فيما تأثرت الحركة العامة وأغلقت بعض المتنزهات خلال أيام العيد بسبب تلوث الهواء.

ويطالب حنتش الجهات الرسمية بتحمل مسؤولياتها بشكل أكبر، من خلال ملاحقة المتسببين بالحرائق وفرض عقوبات رادعة عليهم، لافتًا إلى أن بعض الموقوفين في قضايا مشابهة خلال السنوات الماضية كانوا يغادرون بعد فترات قصيرة أو بكفالات مالية بسيطة لا تشكل عامل ردع حقيقي.

وكشف عن توجه لدى الحراك لترتيب لقاء مع النائب العام أكرم الخطيب بهدف بحث آليات تشديد العقوبات القانونية على المتورطين في حرق النفايات، إضافة إلى العمل على إطلاق “ميثاق شرف بيئي” يلتزم به المجتمع المحلي ويرفع الغطاء الاجتماعي عن مرتكبي هذه الممارسات.

كما أشار إلى مبادرة يجري العمل عليها لتشكيل مجموعات تطوعية لرصد الحرائق والإبلاغ عنها بشكل مبكر، بما يسهم في تسريع استجابة الجهات المختصة والحد من انتشار النيران.

في المقابل، أكدت سلطة جودة البيئة أنها تتابع تداعيات الحريق والإجراءات المتعلقة به منذ اندلاعه، موضحة أن طواقمها نفذت عمليات قياس ميدانية في عدة مواقع بمحيط المكب بعد السيطرة على الحريق.

وقالت السلطة، في بيان صحفي، إن نتائج القياسات أظهرت أن القراءات المسجلة كانت ضمن المعدلات الطبيعية، ولم يتم رصد ارتفاعات في تراكيز الغازات التي جرى فحصها، مؤكدة أن إخماد الحريق أوقف المصدر المباشر للانبعاثات.

وأضافت أن طواقمها شاركت إلى جانب لجنة السلامة العامة والدفاع المدني وشرطة البيئة ومحافظة الخليل في متابعة الحريق ميدانيًا وتقييم حجم الأضرار البيئية الناتجة عنه، مشيرة إلى استمرار عمليات الرصد والمتابعة للتأكد من عدم وجود آثار بيئية إضافية.

وأوضحت سلطة جودة البيئة أن الجهات المختصة باشرت بإجراءات قانونية بحق المسؤول عن الموقع، حيث تم تحويل الملف إلى شرطة البيئة والنيابة العامة لاستكمال المقتضى القانوني وإلزام المخالف بتصويب الوضع البيئي وفق أحكام القانون.

ودعت السلطة المواطنين إلى استقاء المعلومات من المصادر الرسمية وعدم تداول معلومات غير موثقة قد تثير القلق، مؤكدة في الوقت ذاته استمرار جهودها الرقابية بالتعاون مع مختلف الجهات لحماية البيئة والصحة العامة.

وبينما تؤكد الجهات الرسمية أن المؤشرات البيئية المسجلة بعد الحريق بقيت ضمن الحدود الطبيعية، يرى نشطاء بيئيون أن تكرار حرائق النفايات الإلكترونية في جنوب الخليل يستدعي تحركًا أكثر شمولًا لمعالجة أسباب الظاهرة، ومنع تدفق هذه المخلفات إلى المنطقة، وتطبيق إجراءات قانونية أكثر صرامة بحق المتسببين بها، في ظل تصاعد المخاوف الشعبية من انعكاساتها على صحة السكان والبيئة.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني