loading

خرافة الموظف الحكومي وراتبه الثقيل

هيئة التحرير

رغم كارثية المشهد محليًا وإقليمًا، حيث تئنّ الضفة بجرائم الجيش والمستوطنين، وترزح غزة تحت ركام أنقاضها قتلًا وفقرًا، ولبنان يُحرق بنيران العدوان، وخطورة الانزلاق لحال اكثر دموية مع الحرب على إيران، تبرز معضلة فناء أو بقاء شريحة واسعة وحيوية من الموظفين العموميين، لا غنى عنهم لاستمرار الحد الأدنى من الخدمات الحياتية، لم تعد تقتصر معاناتهم على البعد المعيشي، بل باتت أزمتهم وجودية.

ومع هذا التقشف القسري الذي دخل عامه الخامس، تبرز تساؤلات مشروعة حول عدالة التوزيع، حيث الشيطنة الممنهجة لراتب الموظف، وتصويره كعبء على الخزينة،  أصبحت انفصالًا عن الواقع، أو محاولة للتعمية على ميزانيات ومكافآت تُصرف في هيئات وصناديق أخرى، عامة غير وزارية أو شبه عامة، وعن بنود تبتلع المال العام تحت مسميات السفريات والمكافآت والبدلات والنثريات.

وزير المالية والتخطيط إستيفان سلامة، الذي اتسمت فترة وزارته بالشفافية والوضوح إثر الاثنين 16-3-2026، أن يخرج لقائه بممثلين عن مؤسسات المجتمع المدني الملامح العامة لموازنة الطوارئ للعام 2026، ببيان مقتضب، يعد أكثر مما يفسر على غير عادته، مما يغذي شكوكًا بصحة إشاعات بأن نصف الراتب الذي سيتلقاه الموظفين عن شهر 12-2025، لربما سيكون الأخير، نظرًا لأن  البنوك لن تقرض الحكومة بعد الآن.

وزير المالية وخلال مؤتمر صحفي  السابق، الذي عقده للحديث حول الوضع المالي، وقال فيه جملته الشهيرة: “انتهت حلول الأرض”، تصدى لدعوات مريبة، طالبت أن يُستغنى عن نصف الموظفين، بلفتة إنسانية قال فيها: “هل المطلوب أن نلقي بـ60 ألف أسرة، لا دخل لهم إلا نصف الراتب؟ هل المطلوب أن نلقي بهم بين أنياب العوز والجوع؟”.

في “بالغراف” ننظر إلى أبعد من مجرد الصورة النمطية المجتمعية التي تصور الموظف كسولًا لا يعمل، وهي صورة تتجاهل أن تعداد موظفي الخدمة المدنية في العام 2023 بلغ بحسب ديوان الموظفين العام 90,963 موظفًا (وهو رقم انخفض على الأرجح بعد تراجع التعيينات واحتساب التقاعد والوفيات)، وأن حوالي 70% من هؤلاء الموظفين يتبعون لوزارتي الصحة والتعليم، حيث الأعباء الضخمة الملقاة على عاتق المعلم والطبيب.

ولا يقل المشهد ازدحامًا وعبئًا بالنسبة لـ 28 ألف موظف المتبقين في الوزارات والمؤسسات الأخرى على اختلاف مسمياتها، حيث ازدحام المراجعين في دوائر السير، والأراضي والطابو، والأحوال المدنية، وفي المحاكم ودوائر القضاء التي تفيض مراجعين حتى حواف الأرصفة خارج المحاكم، وغيرها من الوزارات والمؤسسات التي تقدم خدمات للمواطن.

وبالعودة إلى وزير المالية الذي وصف المطالب بتقليص “الجهاز البيروقراطي” بالمطالب الشعبية والوطنية، توجهنا إلى الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة للتوضيح ما المقصود بـ”التقليص”.

الترشيق يجب أن يبدأ في المؤسسات شبه الحكومية

وقال عفانة: “علينا أن نعلم أن هناك مؤسسات شبه حكومية تتلقى أموالًا من المال العام على شكل موازنات ورواتب، غير المذكورة أعلاه (مثل وزارة الصحة، التعليم، الأراضي، القضاء…) وهذه المؤسسات تتبع لمنظمة التحرير، وهي ليست بالقليلة ولا المنتسبين لها قلة.

 لدينا الكثير من المؤسسات البحثية أو الثقافية أو الدراسية؛ فلماذا تستمر هذه المؤسسات بنفقات تشغيلية ومباني وخلافه، بينما لدينا وزارة ثقافة، ومركز معلومات حكومي، رياضية وشبابية…الخ، بل يجب دمج هذه المؤسسات مع نظيراتها الحكومية، تمامًا كما حصل عند دمج موظفي وزارة الإعلام وغيرها من المؤسسات والوزارات الحكومية. وهذا من شأنه أن يوفر الكثير من النفقات المتراكمة منذ عقود، ويجب إصلاحه.”

وأضاف عفانة أن هذا يشمل السفارات والقنصليات والممثليات في الخارج، التي تتقاضى موازناتها ونفقاتها من الصندوق القومي، وهي أموال عامة، بنفقات دبلوماسية عالية.

وفي الأزمات، تلجأ الدول إلى حلول تقشفية جذرية فيما يتعلق بالعمل الدبلوماسي. وفي الحالة الفلسطينية، هناك الكثير للعمل عليه، فمثلاً توجد:

السفارة الفلسطينية في الرياض والقنصلية في جدة

السفارة الفلسطينية في القاهرة والقنصلية في الإسكندرية

السفارة الفلسطينية في أنقرة والقنصلية في إسطنبول

السفارة الفلسطينية في أبوظبي والقنصلية في دبي

وهذا يترتب عليه أعباء مالية ضخمة، بل إن الدول ذات السيادة وغير الرازحة تحت الاحتلال والحصار تلجأ إلى تعيين سفراء غير مقيمين يقدمون خدمات لدول عدة وليس لدولة واحدة، كإجراء تقشفي، ومشاركة مبانٍ دبلوماسية مع دول صديقة، وتقليص الطواقم الإدارية مع الحفاظ على التمثيل السياسي، والتحول إلى الخدمات الرقمية القنصلية… إلخ.

فعلى سبيل المثال، في التسعينيات، وخلال برنامج ضبط العجز، خضعت وزارة الخارجية الكندية لإعادة هيكلة واسعة شملت تقليص البعثات في بعض الدول ودمج مهام تجارية ودبلوماسية لتقليل النفقات. وفي عام 2011، أعلنت هولندا عن إغلاق عدد من السفارات والقنصليات، خصوصًا في أوروبا وأفريقيا، ضمن برنامج لخفض الإنفاق العام بعد الأزمة المالية العالمية.

بعد أزمة الديون السيادية (2009–2015) في اليونان، اتخذت الحكومة إجراءات لتقليص الإنفاق الحكومي، شملت مراجعة شبكة البعثات الدبلوماسية، وإغلاق أو دمج بعض السفارات، مع تقليص عدد الموظفين الدبلوماسيين في الخارج.

وعقب الأزمة المالية عام 2008، أغلقت الحكومة الأيرلندية عدة بعثات دبلوماسية مؤقتًا، منها سفارات في الفاتيكان وإيران، كجزء من خطة تقشف واسعة، بينما قامت الحكومة البرتغالية (2011–2014) بمراجعة انتشارها الدبلوماسي ودمج بعض القنصليات لتقليل الكلفة التشغيلية.

التقليص في النفقات لا في الكادر

ويقول عفانة: “في ظل ما نمر به، فان الحديث عن تسريح الموظفين أمر غير ممكن وغير إنساني. ودمج المؤسسات شبه الحكومية والحكومية سيعمل على تقليص النفقات التشغيلية، وتوفير عدد من الموظفين في الوزارات بدل الاعتماد على التعيينات الجديدة، ما سيوفر الاستفادة المثلى من طاقات الموظفين.”

وأشار عفانة إلى أنه يفترض تقديم محفزات للموظفين الذين تجاوزوا الـ55 عامًا، وهي حلول أفضل لهم من التقاعد الطبيعي، ما يوفر أيضًا في النفقات.

وعن ما ذكر من حلول، شدد الخبير الاقتصادي مؤيد عفانة على أن كل ما يتطلبه الأمر هو الإرادة السياسية للخروج من الأزمة، وهي متوفرة الآن، وأن العام الجاري 2026 يجب أن يكون هو العام لفعل ذلك دون تلكؤ أو إبطاء.


ويبلغ إجمالي المستفيدين من الرواتب أو المعاشات بشكل عام ضمن منظومة السلطة الفلسطينية 291000 تقريبًا،  90963 موظفًا حكوميًا في غزة والضفة، تكون رواتب هؤلاء الموظفين محددة وواضحة، في حين أن المؤسسات شبه الحكومية خاصة رؤساء هذه المؤسسات، أو السفارات في الخارج  رواتب عالية جدًا.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني