loading

قصرة.. ههجوم جديد وحصار المنازل الثلاثة يتحول إلى طوق عسكري

محمد عبد الله

لم يكن الهجوم الذي نفذه عشرات المستوطنين، اليوم السبت، على منطقة رأس العين في بلدة قصرة جنوب نابلس حادثة منفصلة عن المشهد الذي تعيشه ثلاث عائلات فلسطينية منذ أسابيع، بل جاء في وقت يستمر فيه حصار منازلها لليوم الحادي والعشرين، ويتحول تدريجيًا من حصار بدأه المستوطنون إلى طوق تفرضه قوات الاحتلال إلى جانبهم.

وأظهرت مشاهد مصورة عشرات المستوطنين وهم يتجهون بسيارات رباعية الدفع نحو قصرة، قبل أن يهاجموا منزلًا فلسطينيًا قيد الإنشاء في منطقة رأس العين ويرشقوه بالحجارة، ما أدى إلى إصابة عدد من سكانه برضوض. 

رئيس بلدية قصرة عبد العظيم وادي قال في حديث  لـ”بالغراف” إن نحو سبع إصابات وقعت داخل المنزل وفي محيطه، غالبيتها نتيجة الاختناق بالغاز المسيل للدموع، فيما تلقى المصابون العلاج ميدانيًا.

ووصلت سيارة إسعاف فلسطينية إلى المكان، إلا أن المستوطنين وقوات الاحتلال التي اقتحمت المنطقة عرقلت عملها واحتجزتها، وفق وادي، في وقت كان فيه الهجوم يجري في المنطقة المحيطة بالمنازل التي تخضع للحصار منذ 8 آب/أغسطس الجاري.

وبدأت القصة عندما حاصر مستوطنون ثلاثة منازل فلسطينية في منطقة رأس العين، وأغلقوا الطرق المؤدية إليها ونصبوا خيامًا قربها، قبل أن يدخل جيش الاحتلال الإسرائيلي على خط الحصار ويعلن المنطقة “عسكرية مغلقة”.

وبدل أن ينتهي الحصار مع وصول الجيش، أصبح وجود قوات الاحتلال جزءًا من المشهد المستمر. 

فالمستوطنون ما زالوا موجودين في محيط المنازل، فيما تنتشر قوات الاحتلال بكثافة وتمنع الفلسطينيين من الوصول إلى المنطقة، بحسب رئيس البلدية.

ويقول وادي إن الحصار “مستمر لفترة طويلة”، وإن هدفه كسر إرادة السكان ودفعهم إلى الرحيل عن منازلهم وأراضيهم، مشيرًا إلى أن قوات الاحتلال لم تُنهِ وجود المستوطنين، بل باتت إجراءاتها العسكرية تضيف طبقة جديدة من القيود على العائلات المحاصرة.

وخلال الأيام الماضية، نصب الجيش ثلاث بوابات حديدية على الطرق المؤدية إلى جبل رأس العين، إلى جانب خيمة عسكرية على الطريق الرئيسي المؤدي إلى المنازل، ما جعل الوصول إليها أكثر صعوبة.

ولا تقتصر المعاناة على الحركة. فإدخال أبسط الاحتياجات اليومية إلى المنازل يحتاج إلى تنسيق طويل مع الجانب الإسرائيلي. 

ويقول وادي إن إدخال ربطة خبز أو علبة لبن قد يتطلب انتظار نحو 48 ساعة للحصول على الموافقة، فيما تواجه البلدية صعوبة في إيصال الغذاء والدواء إلى السكان المحاصرين.

أما الكهرباء والمياه، فقد وصلت إلى المنازل بعد معاناة طويلة، لكن توفير الاحتياجات الأساسية الأخرى لا يزال مرتبطًا بإجراءات التنسيق والقيود العسكرية.

بالنسبة إلى سكان المنازل الثلاثة، لا يبدو الحصار مجرد إجراء عسكري على منطقة جغرافية، بل أصبح تفصيلًا يوميًا يمس العائلة والحياة الخاصة.

وتتولى بلدية قصرة التواصل مع الارتباط الفلسطيني لتنسيق إدخال الطعام والشراب إلى المنازل، لكن العملية تستغرق ساعات طويلة. 

وفي إحدى الحالات، تمكنت والدة لؤي أبو ريدة (فلسطيني يحمل الجنسية الأميركية) وشقيقته من الوصول إلى المنزل بعد تدخل السفارة الأميركية.

لم يبقَ حصار المنازل الثلاثة قضية محلية. فقد تدخل مسؤولون أميركيون، وممثلون عن الأمم المتحدة، ووفود أوروبية، إلى جانب تحذيرات ومواقف دولية طالبت بإنهاء الحصار وحماية السكان.

وكان زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز قد دعا إدارة الرئيس دونالد ترمب إلى التحرك ضد المستوطنين الذين يحاصرون المنازل في قصرة، معتبرًا ما يحدث “أمرًا غير مقبول”، فيما طلب مسؤولون أميركيون من الجانب الإسرائيلي تفسيرًا لعدم قدرة الجيش على إنهاء الحصار، وأبدوا نية لزيارة المنطقة.

كما حذرت اليونيسف من تداعيات استمرار حصار العائلات واعتداءات المستوطنين في الضفة الغربية، معتبرة أن هذه الممارسات تحرم السكان من الحماية الأساسية وتدفعهم نحو مغادرة منازلهم.

وفي السياق ذاته، اتهم رئيس المجلس الوطني روحي فتوح إسرائيل بتعمد حصار العائلات وحرمانها من المياه والدواء، معتبرًا ما يحدث تطبيقًا عمليًا لمشروع الضم والتهجير، فيما حذر من استخدام الاحتياجات الإنسانية وسيلة للعقاب الجماعي والضغط على السكان.

ويرى الكاتب والصحافي رمزي بارود، في مقال نشرته منصة “كومن دريمز”، أن ما يجري في قصرة يتجاوز كونه اعتداءات متفرقة من المستوطنين، معتبرًا البلدة نموذجًا لما قد تشهده الضفة الغربية في ظل تصاعد الاستيطان والعنف والإجراءات الإسرائيلية.

ويشير بارود إلى أن المشهد في قصرة يجمع بين وجود المستوطنين المسلحين، والقيود التي يفرضها الجيش، والسيطرة على حركة الفلسطينيين، بما يخلق واقعًا يدفع السكان تدريجيًا إلى الرحيل. 

ويعتبر أن البلدة قد تكون “صورة مصغرة” لآليات أوسع للسيطرة على الأرض وتفتيت التجمعات الفلسطينية.

وبينما تتواصل الدعوات الدولية لإنهاء الحصار، تبدو الوقائع على الأرض تسير في الاتجاه المعاكس: مستوطنون يواصلون الاقتراب من المنازل، وجيش يعلن المنطقة عسكرية مغلقة، وبوابات حديدية جديدة تغلق الطرق، وعمليات تنسيق تمتد لساعات وربما يومين لإدخال الاحتياجات الأساسية.

واليوم، مع الهجوم الجديد على قصرة، تدخل قضية المنازل الثلاثة المحاصرة مرحلة أكثر خطورة؛ فالحصار الذي بدأ كمواجهة مع مستوطنين لم يعد كذلك، بل أصبح واقعًا يفرضه الجيش والمستوطنون معًا، فيما تبقى ثلاث عائلات داخل منازلها متمسكة بالبقاء، وسط خشية من أن يتحول الضغط المتواصل إلى وسيلة لإجبارها على الرحيل.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني