loading

على خشبة المسرح… كيف جسد الشباب الفلسطيني الانقسام السياسي؟

نانسي رضوان

رُفعت الستائر وبدأت الحكاية، في مكانٍ واحد مظلم ومحاصر يقف شخصين مختلفين أيدلوجيًا قبالة بعضهما يحاولان النجاة من عدو واحد لكن كل واحد يقول أنا القائد، أحدهم يتزمت بسلاحه وآخر بتنديد شعاراته، بينما تحول الاختلاف بينهما إلى قطيعة ترسم الحدود بينهما بعنجهية فكرية رافضين الحوار قابلين الانقسام مغيبين عن حقيقة عدوه. 

 وبينما هما لاهيان في جدالات عبثية تخترق طائرة العدو المنسي سمائهم دون اكتراث لحدودهم السيادية فتفتك بهما، فتنصهر الحدود خجلًا مخضبة بدمهما على الأرض المقسمة.

يسقطان جريحين، لكنهما، في اللحظات الأخيرة، يزحف كلٌّ منهما نحو الآخر، بعدما أدركا متأخرين أن الحدود التي تشبثا بها لم تكن موجودة في عين عدوّهما وأن ما فرّق بينهما لم يكن يوماً أقوى مما يجمعهما،  فتلتقي أيديهما على الأرض المقسمة، وتنصهر الحدود خجلاً، مخضبةً بدمائهما.

هذا المشهد السريالي متكامل الأركان، الحائز على المركز الأول كأفضل مسرحية في مهرجان المسرح الجامعي الثالث، والذي عُرض باسم “الخطة صفر”، لم يناقش الانقسام السياسي الفلسطيني بوصفه حدثًا تاريخيًا، بل جسده بشخصيات ملحمية تحمل صراعًا وهميًا يشرذم القضية، بملامح جادة ومرتبكة بنظرات مترقبة ملؤها التحدي والمناكفة، يسفط كل واحد أوراقه ليترجل بصورة بطل المشهد مهمشًا الطرف الآخر، متناسيان عدوهم الحقيقي.

لكن هذا الصراع الذي بدأ على الخشبة كمشهد سريالي، ليس بعيدًا عن واقعه يعرفه الفلسطينيون منذ سنوات؛ واقع تحول فيه الاختلاف السياسي إلى انقسام امتد أثره لتفاصيل حياتهم اليومية، ومن هنا تبدأ الحكاية الأهم وهي؛ كيف انتقل هذا الواقع من كونه قضية سياسية حاضرة إلى فكرةٍ اختار كاتب “الخطة صفر” أن يضعها على خشبة المسرح؟

من الواقع إلى الخشبة: لماذا الانقسام؟

بالنسبة إلى قدري كسبة، كاتب ومخرج مسرحية “الخطة صفر”، لم يكن اختيار الانقسام السياسي انطلاقًا من رؤيته لعواقبه على الشعب الفلسطيني، ولا سيما مع ما يراه من استغلال الاحتلال لهذا الانقسام في سياسته تجاه الأرض والإنسان.

ولكنه يرى أن تعمق الانقسام جعل الفلسطينيّ “أحوج ما يكون” إلى الوحدة، في ظل ما يمارسه الاحتلال من سياسات للسيطرة على الأرض والإنسان، مؤكدًا أن الفلسطينيين ” أبناء شعب واحد رغم اختلاف مشاربهم”.

بهذا المعنى، لا ينطلق “الخطة صفر” من الانقسام بوصفه مجرد خلاف سياسي بين طرفين، بل من نتائجه على القضية الفلسطينية، وهي الفكرة التي انعكست على الخشبة في مواجهة شخصيتين ينشغل كل منهما بصراعه مع الآخر، بينما يغيب عنهما العدو المشترك.

إدراك حساسية الطرح لا يعني الصمت

لم يكن الكاتب كسبة غافلًا عن حساسية الطرح الذي اختار تجسيده على الخشبة، بل كان واعيًا منذ الكتابة إلى طبيعة الطرّح وما قد يثيره من مواقف، قائلاً: “كنت أكتب وأنا مدرك تمامًا لحساسية الطرح وموضوع المسرحية، ولكن السكوت في كثير من الأحيان خيانة، ففضلت أن أكتب وأستمر، وسوف أستمر في الكتابات التي تحاكي الواقع الفلسطيني”

هذا الوعي بحساسية الموضوع انعكس أيضًا على الطريقة التي اختار بها كسبة تقديمه؛ فبدل الدخول في خطاب سياسي مباشر، لجأ إلى الرمز، تاركًا للمتلقي مساحة لقراءة الانقسام وإسقاطه على الواقع.

كيف جُسّد الانقسام على الخشبة؟

إذا كان الانقسام هو الذي دفع كسبة إلى المسرحية، فإن طريقة تقديمها لم تكن أقل أهمية من الموضوع نفسه، فبدلًا من الدخول في تفاصيل المواقف السياسية أو تسمية أطرافها، اختار الكاتب والمخرج أن يترك للرمز مساحة أكبر على الخشبة.

وبيّن كسبة أنه ينتمي إلى مدرسة المسرح الرمزي، ولذلك اختار الابتعاد عن المباشرة في طرح القضية، انطلاقًا من إيمانه بأهمية احترام عقل المتلقي وترك مساحة له لقراءة الرموز وإسقاطها على الواقع.

وهذا ما يظهر في “الخطة صفر”، حيث لا تحمل الشخصيات أسماء فصائل أو مواقف سياسية محددة، لكن الصراع بينهما يحيل إلى واقع الانقسام دون أن يسميه مباشرة، فالرايات والديكور، كما الشخصيات نفسها، جاءت بعيدة عن أي دلالة فصائلية واضحة، لتبقى الإشارة السياسية في خلفية العمل لا في واجهته.

هذا الابتعاد عن المباشرة لم يكن خيارًا فنيًا فقط، بل امتد إلى محاولة تجنب تحويل المسرحية إلى موقف سياسي لصالح طرف بعينه، كما يوضح كسبة أن العمل احتاج جهدًا كبيرًا في بناء رموزه وتفاصيله، مع الحرص على أن تبقى الرايات والديكور بعيدة عن أي فصيل سياسي، مؤكدًا أن العمل يقدم “إسقاطًا سياسيًا” دون أن يتحول إلى منبر لأي طرف. 

من الخشبة إلى جيل المستقبل

ومن خلف هذه الرموز، تقف تجربة جيلٍ كامل نشأ والانقسام حاضر في تفاصيل واقعه، دون أن يكون قد عاصر بداياته أو اختار أن يعيش تبعاته، وفي “الخطة صفر”، لم يكن الشباب مجرد منفذين للنص على الخشبة، بل جزءًا من الحكاية التي تحاول مقاربة واقعهم ومخاوفهم وطموحاتهم.

ولم يكن اختيار المسرح الجامعي مكانًا لعرض “الخطة صفر” منفصلًا عن الفئة التي أراد كسبة مخاطبتها؛ فالمناسبة هذه بنظره وفرت مساحة للوصول إلى الشباب، الذين يرى أنهم الأكثر قدرة على التأثير في المستقبل.

كما يرى أن الوقت قد حان للحديث عن الانقسام وتأثيره، معتبرًا أن المسرح الجامعي فرصة مهمة لمخاطبة الشباب، ودفعهم إلى إدراك مآلات الانقسام، “لعلنا نستطيع تغيير شيء في المستقبل”، ويستند في رؤيته إلى تجارب تاريخية، مستشهدًا بالثورة الجزائرية بوصفها مثالًا على أهمية الوحدة في مسار التحرر.

ويأتي اهتمامه بالشباب من وصفه لهم ” بناة المستقبل”، مشيرًا إلى أنه كان مدركًا منذ البداية إلى أن وعيهم وإحساسهم بما يطرح على الخشبة يمكن أن يدفعهم إلى فهم الرسالة التي أراد إيصالها.

وبهذا المعنى لم يتعامل كسبة مع المسرح الجامعي بوصفه مساحة للعرض فقط، بل كمساحة لمخاطبة جيل يرى أنه كان قادرًا على حمل أثر ما يراه اليوم إلى المستقبل. 

في نهاية الحكاية، كانت رسالة كسبة إلى جيله واضحة: “نحن أحوج ما نكون إلى الوحدة، وحدتنا قوتنا، ولننظر للمستقبل”.

 فبالنسبة إليه، الاحتلال لا يميز بين الفلسطينيين على اختلاف مواقفهم، بل يضعهم جميعًا في واقع واحد، الأمر الذي يجعل الوحدة، كما يرى، ضرورة في مواجهة هذا الواقع.

أما الرسالة التي أراد كسبة أن تصل إلى جيله، فيختصرها بالقول: “نحن أحوج ما نكون إلى الوحدة، وحدتنا قوتنا، ولننظر للمستقبل”، مضيفًا أن الفلسطينيين جميعًا يعيشون تحت احتلال واحد “لا يفرق بين أي أحد”، وأنهم في نظره جميعًا واحد. 

لم تكن «الخطة صفر» محاولة لإعادة سرد الانقسام السياسي، بقدر ما كانت قراءة لآثاره من خلال شخصيات انشغلت بصراعها الداخلي بينما ظل العدو المشترك حاضرًا في المشهد.

 وبالرمز، بعيدًا عن المباشرة والانحياز، وضع العرض هذه الفكرة أمام جمهور شاب نشأ في ظل الانقسام، تاركًا له مساحة للتفكير في واقعه ومستقبله، ومع إسدال الستائر والتصفيق الحار، تبقى رسالة العمل كما اختصرها كسبة: “نحن أحوج ما نكون إلى الوحدة، وحدتنا قوتنا”.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني