هدى مرعي
“كأنني خسرت أحد أولادي”، هكذا يصف معاذ أبو الوفا “32 عامًا”، من قرية الزاوية جنوب جنين، شعوره وهو يستعيد لحظة هدم قوات الاحتلال الإسرائيلي لمعرض السيارات الذي شكّل على مدار سنوات مصدر رزق لعائلته، بعد أن تحوّل إلى ركام.
في ذلك الصباح، وما إن علم أبو الوفا بما يجري، حتى هرع إلى المعرض، محاولًا الوصول إليه لنقل السيارات من المكان. حاول أن يعرّف الجنود بنفسه، موضحًا أنه ابن صاحب المعرض، لكنهم منعوه من الاقتراب، وقابلوه بالضرب والشتائم وغاز الفلفل.
عشر دقائق كانت كفيلة بتحويل ثمرة سنوات من التعب إلى أنقاض. ولم يكن المعرض بالنسبة إلى عائلة أبو الوفا مجرد منشأة لبيع السيارات، بل مصدر الدخل الأساسي لأربع أسر، ونتاج سنوات من العمل والجهد.
بعد الهدم، لم يبقَ من المكان الذي احتضن ذكريات العائلة ولمّاتها سوى الأنقاض. فالمعرض لم يكن مشروعًا عابرًا بالنسبة إلى عائلة أبو الوفا، بل كان جزءًا من حياتها وذكرياتها، ورأت فيه امتدادًا لأحلامها ومستقبلها.
وقدّرت العائلة خسارتها المادية بنحو نصف مليون شيكل، شملت قيمة المعرض وما لحق بمرافقه من أضرار، فيما نُقلت السيارات إلى بيوت أفراد العائلة. وبقيت المشكلة الأكبر قائمة: لم يعد هناك مكان لعرضها ومواصلة العمل كما كان من قبل.
ورغم مرور الوقت، ما زال استحضار لحظة الهدم يحمل ثقلًا خاصًا لدى معاذ، الذي يقول إنه في الأيام الأولى لم يكن يستوعب أن المعرض لم يعد موجودًا. وكان يتجنب المرور من الطريق المؤدي إلى المكان حتى لا يراه، لما يحمله له من ذكريات مرتبطة بعائلته وحياته التي عاش جزءًا منها هناك.
لكن ما جرى لعائلة أبو الوفا ليس حدثًا عابرًا، بل حلقة في سلسلة من الانتهاكات التي تشهدها محافظة جنين، بالتزامن مع تسارع وتيرة الاستيطان. وفي هذا السياق، وصف مسؤول ملف الاستيطان في محافظة جنين، طارق إغبارية، ما تشهده المحافظة من تصاعد في وتيرة الاستيطان بأنه “تاريخي وغير مسبوق”، مؤكدًا أن “ما حدث في المحافظة خلال الأشهر الأخيرة لم يحدث على مدار أعوام سابقة”.
من حالة فردية إلى سياسة ممنهجة
وبحسب إغبارية، تقف محافظة جنين اليوم في واجهة المشروع الاستيطاني، مؤكدًا أن ما تشهده المحافظة ليس عشوائيًا، وإنما يمثل نهجًا مخططًا للسيطرة على الأرض وإعادة هندسة الواقع، بعد أن تمتعت جنين بحصانة نسبية من المشروع الاستيطاني لنحو عقدين.
وأشار إلى مجموعة من الأدوات التي ينتهجها الاحتلال لتكريس سيطرته، من هدم المنازل والمنشآت الزراعية والتجارية، ومصادرة الأراضي وإصدار أوامر وضع اليد عليها، إلى جانب شق الطرق واقتلاع الأشجار وتجريف الأراضي وإقامة البؤر الاستيطانية وإعادة فتح المستوطنات.
وأكد أن هذه الأدوات مجتمعة تكشف عن خطة متكاملة ومنهج مدروس لخدمة مشاريع الاحتلال الاستيطانية، تهدف إلى عزل محافظة جنين عن محيطها والفصل بين قرى المحافظة نفسها، والحد من حركة المواطنين ودفعهم إلى المغادرة، فضلًا عن إطلاق العنان للمستوطنين.
ولفت إغبارية إلى أن الهدم هو الإجراء الأكثر اتباعًا والأكثر إيلامًا، لما يترتب عليه من تهديد لاستقرار المواطن ووجوده وصموده وحريته، فضلًا عن اقتلاع الذاكرة والهوية الوطنية.
ومنذ بداية عام 2026 وحتى سبتمبر الجاري، بلغت أوامر الهدم والإخطارات 161 أمرًا وإخطارًا، تحت ذرائع واهية يستخدمها الاحتلال منذ مئات السنين، فيما نُفذ منها نحو 40% إلى 45%، وشملت بيوتًا ومنشآت تجارية وزراعية. وفق إغبارية الذي أوضح أن خطورة هذه الأوامر تكمن في كونها أوامر عسكرية وليست مدنية.
وفي مواجهة هذه الانتهاكات، تُبذل جهود قانونية لمواجهة عمليات الهدم، بحسب طبيعة المنطقة والإجراءات المتخذة، من خلال تقديم الاعتراضات واللجوء إلى الجهات واللجان القانونية المختصة، إلا أن هذه المحاولات تصطدم باستمرار بإجراءات الاحتلال الإسرائيلي على الأرض.
وتشكّل ممارسات الاحتلال انتهاكًا صارخًا للمواثيق والأعراف الدولية، التي تحظر تدمير الممتلكات الخاصة، وتعتبره انتهاكًا جسيمًا وفقًا لاتفاقية جنيف الرابعة (المادة 53)، ولائحة لاهاي (1907)، التي تحظر على القوة القائمة بالاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة أو العامة، إلا في الحالات التي تفرضها الضرورة العسكرية.
وبعد أحداث قاسية مرت بها محافظة جنين، من اجتياحات متكررة وما خلّفته من أضرار وتهجير جماعي، يجد الفلسطيني نفسه مرة أخرى أمام خطر متجدد يهدد وجوده وحريته، في ظل واقع جديد يسعى الاحتلال إلى تكريسه لإعادة رسم ملامح الجغرافيا، عنوانه توسع الاستيطان والسيطرة على الأرض.




