loading

لماذا البودكاست الآن؟ العراقيل كثيرة.. والمحاولات لا تنتهي!

فرح مطر

جلست أمام جهاز الحاسوب، تستجمعُ قواها، وتشحذُ كل ما أمكن من تركيز وانتباه. جبينُها يتصبّبُ عرقًا، عينٌ على الشاشة، وألف عين على المدينة من حولها. تسابقُ الزمن كي تنجو حلقة “البودكاست” هذه، فترسلها للنشر بعد كثيرٍ من العناء، وهذا آخر ما يمكنها فعله.

تمامًا كمن يزرع البذور، ويعتني بالشجرة، دون أن يحظى بفرصة قطف الثمار، حرم انقطاع الإنترنت عن شمال قطاع غزة أثناء الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، في أكتوبر 2023، الصحفية الفلسطينية ومنتجة البودكاست أنسام القطاع من متابعة وصول أعمالها للجمهور.

رغم ذلك كانت أنسام تسابق خوفها، وتقفز على كل الحواجز والمعيقات التي تعترضُ طريقها، فالعمل الصحفي على عمومه وإنتاج “البودكاست” على وجه الخصوص تجاوز كونه مجرد وسيلة لكسب الرزق، إلى كونه نافذة استطاعت من خلالها الحديث عن تجارب ومشاعر لم تكن تجد لها مكانًا في العمل الإعلامي التقليدي.

تقول أنسام: “ناهيك عن أننا جزء من كل قصة نسردها عن الناس، إلا أنني لم أتوقع أنه سيصبح بإمكاني أن أتحدث عن تجربتي الشخصية بكل ما فيها من ألم. لم أتوقع يومًا أنني سأكون قادرة على الحديث عنها، لكن البودكاست شكّل لي مساحة آمنة للتعبير عن مشاعري، ومنحني حرية أكبر بعيداً عن القوالب البرامجية التقليدية.

محطّات صعبة

في مدينة غزة، عاشت أنسام القطاع، 35 عامًا، واحدة من أقسى مراحل حياتها منذ بدء الحرب. كانت الساعة الواحدة ظهرًا من الثالث عشر من سبتمبر 2025، وكانت هي تسير برفقة عائلتها في شارع النفق وسط المدينة حين استهدفهم جيش الاحتلال الإسرائيلي.

تقول أنسام: “فجأة، سمعت صوت طائرة كواد كابتر مسيرة، ألقت قنبلة بالقرب منا. كان صوت الانفجار مرتفعًا جدًا، لدرجة أن الأرض اهتزت تحتنا، وتناثرت الشظايا، وامتلأ المكان بالغبار. كانت وجوهنا شاحبة، وشعرت كأن زلزالًا ضرب المكان”.

ركضت أنسام وعائلتها نحو محل لميكانيكي قريب؛ بحثًا عن مكان يحميهم. لم تكن في تلك اللحظات قادرة على فهم ما حدث لجسدها، غطّى الخوف والقلق على كل شيء. ثم جلست عند عتبة المحل، عاجزة عن الدخول، قبل أن تمتد يد وتسحبها إلى الداخل، ثم بعد وقت قصير، بدأت تشعر بالدم يسيل من قدمها اليمنى، وخاصرتها، وعندها أدركت أنها أُصيبت.

تخرجت أنسام عام 2013 من جامعة الأزهر بغزة، درست اللغة العربية والإعلام، وبدأت مسيرتها في المجال الإعلامي مُعدّةً ومقدّمةً للبرامج الإذاعية في إذاعة غزة FM. لكن في أكتوبر 2023، دمر جيش الاحتلال الإذاعة بتدميره لبرج فلسطين وسط المدينة، ولم تكن تلك الإذاعة الوحيدة، فوفق نقابة الصحافيين الفلسطينيين في يناير 2026 فقد قطاع غزة 23 إذاعة محلية.

وسيلة ومساحة

كما دفع الصحفيون الفلسطينيون ثمنًا باهظًا أثناء محاولتهم مواصلة عملهم. فوفق بيانات النقابة في مايو 2026، استشهد 261 صحفيًا وصحفية في القطاع، فيما أُصيب نحو 500 آخرين. هذه الأرقام بالنسبة لأنسام لا تُختزل في إحصائية؛ فكل اسم فيها يعيد إليها تجربة شخصية عاشتها خلال الحرب.

تتابع أنسام حديثها: “أمر محزن جدًا ومتعب على الصعيد الشخصي عندما أسمع عن استهداف زميلة أو زميل” بل إن الأمر لا يقف عند ذلك فحتى استهداف المؤسسات ألقى بظلاله على منظومة العمل الصحفي ككل: “أثّر على الصحافيين والصحفيات من خلال عرقلة وتدمير منظومة عملنا التقليدية ناهيك عن تدمير المعدات والأدوات التي بات إدخالها إلى القطاع أشبه بالحلم”، تقول أنسام.

تلك الأرقام والأحداث وما تثيره من المشاعر أو ترسّخه من الوقائع على الأرض لا تنفصل عن تجربة أنسام المهنية؛ خاصةً حين وجدت نفسها خلال الابادة أمام واقع إعلامي مختلف الأمر الذي دفعها نحو إنتاج البودكاست كوسيلة تتيح لها الاستمرار في سرد القصص وتوثيقها، خصوصًا القصص الإنسانية التي ترى أنها لا تحظى بالمساحة نفسها في التغطية الإخبارية.

تقول أنسام: “ما يميز البودكاست أنه يمنح للصحفي مساحةً في اختيار القصة وطريقة تناولها، لذلك أعطيت اهتمامي لتوثيق القصص الإنسانية، والتركيز على ما يعيشه الناس بعد الحدث؛ لأن القصص الإنسانية تستطيع إظهار المعاناة بشكل أعمق من الأخبار”.

عراقيل وتحديات

لكن إنتاج أنسام للبودكاست اصطدم بعراقيل يومية تبدأ من الكهرباء والإنترنت وتصل إلى نقص المعدات اللازمة للإنتاج، فبداية الحرب شهدت انقطاعاً شبه كامل للكهرباء والإنترنت، فيما أصبح الحصول على الكهرباء لاحقاً ممكناً عبر خط من الشارع، لكنه مكلف وغير مستقر.

تشرح أنسام: “الصعوبات والتحديات كثيرة، والتكلفة النفسية والمادية باهظة، جلست مرارًا وتكرارًا أبحث عن طريقة للاتصال بالإنترنت، ثم مرارًا وتكرارًا أبحث عن الكهرباء، وفي النهاية ها أنا أحصل عليها لقاء تكلفة غير معقولة وكأن صاحب المولد شريكي فيما أحصله من دخل، ناهيك عن أنني لا أعرف موعدًا لوصولها أو انقطاعها، ولذلك لا أستطيع جدولة مهامي بشكل سليم”.

وتؤثر هذه الظروف على مواعيد نشر الحلقات، كما تحد من قدرتها على التخطيط للعمل من الأساس؛ فالتسجيل والمونتاج ورفع المحتوى تصبح كلها مرتبطة بموعد توفر الكهرباء والإنترنت، إضافة إلى تأثيرها على قدرتها الجسدية والنفسية على العمل، حتى أنها قد ترفع الحلقة دون أن تتمكن من مشاهدتها بعد النشر أو متابعة تفاعل الجمهور معها.

وتواجه أنسام، إلى جانب ذلك، نقصاً في المعدات اللازمة لإنتاج المحتوى، فالميكروفونات وأجهزة التسجيل والحواسيب ليست متاحة، وإن توفرت فأسعارها المرتفعة تقف أمامها عائقاً خاصة أنها من الذين يعملون بإمكانات فردية: “مع صعوبة الحصول على المعدات أو إدخالها إلى القطاع، يضطر صناع المحتوى إلى العمل بما هو متاح، حتى لو كان أقل من احتياجات الإنتاج المهني”، تتحدث أنسام.

إلى جانب ذلك تقف أنسام أمام نقص معدات الحماية الشخصية وصعوبة التنقل بين المناطق بسبب القصف والدمار وتأثر حركة المواصلات بأزمة الوقود، ما اضطر كثير من الصحفيين إلى مواصلة عملهم من أماكن النزوح، بما فيها مراكز الإيواء والمستشفيات والخيام، وسط ظروف معيشية وصحية وأمنية قاسية.

رقابة ولكن..

من جانب آخر، يتحدث تقرير نشره المركز العربي لتطوير الإعلام الاجتماعي “حملة”، بعنوان “دور ميتا في تضخيم المحتوى الضار ضد الفلسطينيين خلال حرب الإبادة في غزة، في سبتمبر 2025 عن أن “أكبر شركة منصات تواصل اجتماعي في العالم بقاعدة مستخدمين نشطة يوميًا تبلغ 3.35 مليار شخص، تؤدي دورًا محوريًا في النظام الرقميّ الفلسطينيّ، ورغم هذا الدور المركزي، فقد أخفقت في الوفاء بمسؤولياتها، إذ سمحت بانتشار محتوى محرّض ولاإنساني باللغة العبرية، بما في ذلك منشورات تحريضية صادرة عن سياسيين ومسؤولين حكوميين إسرائيليين، في الوقت الذي شددت فيه القيود على المحتوى الفلسطيني، فأزالت منشوراته، وقيّدت حسابات ناشريه، وأخضعته لعقوبات خوارزمية ممنهجة”.

في حالة أنسام، لا تبدو الرقابة الرقمية عائقًا مباشرًا أمام محتواها، إذ أنها تركز على القضايا المجتمعية والقصص الإنسانية ولم تعمل في الملفات السياسية الحساسة. لكن تجربتها تأتي في سياق رقمي أوسع يواجه فيه الصحفيون الفلسطينيون قيودًا على الوصول إلى الجمهور ونشر المحتوى.

غير أن النشر عبر المنصات الرقمية يفرض على الصحافي مواجهة من نوع آخر مع خوارزميات وسياسات النشر الحارسة للمحتوى؛ إذ تدفع هذه القيود الرائجة الصحافيين إلى ممارسة “رقابة ذاتية” تدريجية تنعكس على صياغاتهم قبل الضغط على زر النشر.

تقول أنسام: “تتولد لديك رقابة ذاتية تلقائية؛ فتجد نفسك تعدل أسلوبك وتنتقي كلماتك حذراً من الحظر أو الحجب بناءً على سياسات تتلقاها وتتكيف معها، تماماً كما يحدث عند التعامل مع مفردات مثل “شهيد” أو “حماس”.

ورغم كل هذه الصعوبات، يبقى البودكاست بالنسبة لأنسام فرصة تستطيع من خلالها أن تحكي، وأن تنقل للقصص الإنسانية التي تراها مهمة، وقد تنتهي مهمتها أحيانًا عند رفع الحلقة، دون أن تعرف من سمعها أو كيف وصلت إليه، لكنها تواصل التسجيل والنشر؛ لأنها تؤمن أن الحفاظ على صوتها، في ظل كل ما يحدث حولها، أصبح جزءًا من قدرتها على الاستمرار.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني