loading

التجمعات البدوية.. معركة بقاء في مواجهة سياسات التهجير

سلسبيل عبد ربه

منذ سنواتها الأولى، اعتادت أم نضال أن تستيقظ قبل شروق الشمس، وتمضي يومها بين رعاية الأغنام وصناعة الجبنة، في حياة بدوية بسيطة، لكنها مثقلة بالتعب والتحديات.

لم تكن الخيمة بالنسبة لها مجرد مأوى، بل بيتًا يحمل تفاصيل العمر كله؛ من قسوة الأيام التي غابت فيها الكهرباء والمياه، إلى واقع اليوم الذي أصبحت فيه الحياة أكثر صعوبة تحت ضغط التهجير ونقص الإمكانيات. ورغم كل التحولات، بقي شيء واحد ثابتًا: التمسك بالأرض.

ذاكرة التهجير الأولى

خلف الخيام الممتدة في جبل البابا، تختبئ حكاية تهجير بدأت منذ النكبة، حين أُجبرت عشائر الجهالين على مغادرة بئر السبع، بحثًا عن مكان يحمي ما تبقى من حياتهم.

ويقول حسن مزارعة أحد سكان تجمع جبل البابا، بصوت يختلط فيه الماضي بالحاضر:

“إحنا تهجرنا من بئر السبع … واليوم نفس التهجير بتكرر بشكل جديد.” لكن ذاكرة التهجير لا تتوقف عند الماضي، إذ يرى حسن مزارعة أن خطرًا جديدًا يهدد وجود التجمعات البدوية، مع استمرار التوسع الاستيطاني والمشاريع المرتبطة به.

ويشير إلى مشروع E1 قائلًا: “جبل البابا مش أرض بس… هو رمز لهويتنا، ومشروع E1 لو صار، بيمحي وجودنا من المنطقة.” ومع مرور السنوات، لم تعد الخيمة مجرد مكان للسكن، بل أصبحت جزءًا من ذاكرة السكان وهويتهم، بما تحمله من تفاصيل مرتبطة بحياتهم وعاداتهم وثقافتهم.

يقول حسن: الخيمة جزء من هويتنا… من لغتنا وملابسنا وعاداتنا اللي بدها تنطمس.”

حين تهدد مصادرة الأرض مصدر الرزق

لا يقتصر أثر مصادرة الأراضي على فقدان المكان، بل يمتد إلى مصادر رزق السكان وحياتهم اليومية، خاصة في مجتمع يعتمد جزء كبير منه على الرعي والثروة الحيوانية.

ويصف عطا الله الجهالين هذا الأثر قائلًا: “مصادرة الأرض مش بس بتاخذ أرض… بتاخذ رزقنا وثروتنا الحيوانية.”

ومع تقلص المساحات المتاحة للرعي، والاعتداءات التي يتعرض لها السكان وممتلكاتهم، تصبح تربية المواشي التي يعتمد عليها كثير من أبناء التجمعات البدوية أكثر صعوبة، ويصبح الحفاظ على مصدر الدخل تحديًا إضافيًا إلى جانب الحفاظ على الأرض.

حين يصبح البقاء معركة على الهوية

لكن التهديد الذي يلاحق التجمعات البدوية لا يقف عند حدود التضييق اليومي، بل يمتد إلى الهوية والثقافة وطريقة الحياة.

عطا الله الجهالين مسؤول تجمع جبل البابا يبين أن الحياة البدوية ليست مجرد خيمة، وإنما جزء من النسيج الوطني الفلسطيني، بما تحمله من لغة وملابس وعادات وتقاليد توارثتها الأجيال.

ويرى بأن التعليم يشكل أحد أهم الوسائل للحفاظ على هذه الهوية، خاصة في ظل الظروف التي تواجهها التجمعات البدوية، مؤكدًا أن المعركة اليوم لا تتعلق فقط بالبقاء في المكان، وإنما بالحفاظ على الجذور ونقلها إلى الأجيال القادمة.

حين يصبح البقاء معركة قانونية

إلى جانب هذه التحديات اليومية، تواجه التجمعات البدوية إجراءات وقوانين ومشاريع تهدد بقاء السكان في أراضيهم.

 مدير مركز القدس للمساعدة القانونية و حقوق الانسان ساهر صرصور يوضح كيف تحولت حياة البدو إلى مواجهة مستمرة مع سياسات يقول إنها تسعى إلى تغيير هوية المكان وفرض واقع استيطاني جديد.

ويشير إلى ظاهرة استبدال التجمعات البدوية ببؤر رعوية استيطانية، موضحًا أن هذا النمط من التوسع يستخدم للسيطرة على الجبال والمراعي كوسيلة لتضييق مساحة الحركة أمام التجمعات البدوية.

ويؤكد صرصور أهمية إطلاق حملات إعلامية تسلط الضوء على دور البدو في حماية الأرض والحفاظ على الهوية الفلسطينية، إلى جانب توثيق ما يواجهونه من تحديات وانتهاكات.

النساء… جزء أساسي من معركة البقاء

لا يمكن فصل صمود التجمعات البدوية عن الدور الذي تؤديه النساء في الحياة اليومية، إذ يشكلن جزءًا أساسيًا من منظومة العمل داخل المجتمع البدوي.

فالنساء يشاركن في رعاية الثروة الحيوانية، وتصنيع منتجات الألبان، وغيرها من الأعمال التي تساهم في توفير احتياجات الأسرة ودعم مصادر دخلها.

ومع تزايد التحديات الاقتصادية والمعيشية، أصبحت مشاركة النساء في الأنشطة الاقتصادية والثقافية جزءًا من الجهود الهادفة إلى تعزيز قدرة المجتمع على الاستمرار.

وفي هذا السياق، بدأ عام 2015 مشروع لإنشاء مركز خدمات للتجمعات البدوية، يضم روضة ومدرسة وعيادة صحية، إلى جانب مشاريع تنموية تهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للسكان ودعم المبادرات المحلية.

كما تسعى هذه المشاريع إلى تشجيع النساء والشباب على المشاركة في الأنشطة الاقتصادية والثقافية، وخلق مساحات تساعدهم على تطوير قدراتهم والمساهمة في مجتمعهم.

البقاء… أكثر من مجرد البقاء في المكان

في التجمعات البدوية، لا تختصر معركة البقاء في البقاء داخل الخيمة أو على قطعة من الأرض، بل تمتد إلى الحفاظ على مصدر الرزق، وتربية المواشي، وتعليم الأطفال، ودور النساء والشباب، وحماية العادات واللغة والهوية.

وبين ذاكرة تهجير قديمة وواقع يفرض تحديات جديدة، يواصل سكان التجمعات البدوية التمسك بحياتهم اليومية، محاولين تحويل أبسط تفاصيلها إلى أدوات للصمود.

فبالنسبة لهم، لا يبدو البقاء خيارًا عاديًا، بل شكلًا من أشكال المقاومة التي يكتبها الناس كل يوم .. بخيمة و قطيع أغنام، وذاكرة ترفض الرحيل .

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني