loading

الاحتلال يضيّق على الفلسطينيين بالدبوس والطبشور والنشارة

جيفارا سمارة

إذا كنت مسافرًا وأنت تقود مركبتك ما بين المحافظات الشمالية أو ما بين المدن الرئيسية وما يليها من قرى وبلدات، فاحرص على ألا يضع رفيق سفرك يده على الشباك؛ فتُشكّل يده فرصة ليحرر شرطي من الاحتلال مخالفة بحقك بداعي أن يده تعيق مجال رؤيتك في المرآة.

وإن كنت تسافر وحيدًا، فقد يكون غياب الدبوس، أو الطبشور، أو كيس من نشارة الخشب، أو نظارة احتياطية، سببًا في حصولك على المخالفة، في واحدة من أغرب أسباب المخالفات ربما في العالم.

يقول المواطن هيثم الرفاعي (46 عامًا): “في إحدى المرات كنت خارجًا من رام الله مقر إقامتي إلى بلدة عناتا لزيارة أهلي، فتفاجأت بشرطي إسرائيلي يطلب مني التوقف إلى اليمين، وبعد فحص دقيق وعندما لم يجد أي سبب للمخالفة، سألني: أين الدبوس؟! في البداية ظننت أنني لم أسمع جيدًا أو أنني أسأت فهم ما يريد، ليعاود الشرح من جديد أن سؤاله عن الدبوس”.

ويضيف: “سألته مستنكرًا: وما حاجتي للدبوس؟! ليجيبني: افترض أن رشاش المياه الخاص بالمساحات كان مغلقًا بسبب الغبار أو أي شيء آخر، كيف ستفتحه إن لم يكن بحوزتك دبوس؟”، مشيرًا إلى أنه حرر بحقه مخالفة قيمتها 250 شيقلًا لغياب الدبوس.

أما المهندس زهير علي (55 عامًا) فيقول: “كنت مسافرًا من رام الله إلى نابلس، ليوقفني شرطي إسرائيلي، فبعد تفحصه للمركبة ورؤيته أنني أضع الحزام، نظر إليّ وسألني عن النظارة الاحتياطية (نظارة نظر)، وكنت بالصدفة قد غيرت نظارتي القديمة فكانت معي في السيارة، وعندما عجز عن إيجاد سبب، حرر لي مخالفة بالعبرية، جادلته عن سببها ولم يتكلف عناء الرد والإجابة، ليتضح لي لاحقًا عندما قرأها لي أحدهم أنني لا أضع الحزام”.

سعد يونس موسى (44 عامًا) من بلدة بيت لقيا غرب رام الله، يعمل سائقًا لحافلة نقل عمومي لأكثر من 25 عامًا، يقول إن هنالك أيضًا ما هو أغرب؛ كأن يطلب منك الشرطي الإسرائيلي أن يكون معك كيس من نشارة الخشب أو كيس من الرمل لترشه فوق أي تسريب زيت من المركبة على الشارع، أو أن يكون معك طبشور لكي تضع علامات تحدد مكان مركبتك في حال حدوث حادث سير إذا ما طلب منك أن تركنها جانبًا، ولكن الخطورة ليست فقط في الذرائع الواهية التي يقدمها الاحتلال سببًا لمخالفات السير، بل في الهجمة المكثفة على المركبات، خاصة بعد حرب الإبادة على غزة 2023.

ويضيف موسى: “بشكل شبه يومي نعاني في منطقة القرى السبع الوطنية جنوب غرب رام الله، فعندما لا تغلق قوات الاحتلال البوابات، يتواجد شرطيون من الاحتلال عند الحاجز على مفترق بيت عور على مدخل شارع 443 الإسرائيلي، وبشكل انتقامي يحررون المخالفات “.

ويتابع: “قبل فترة وجيزة أوقفتني دورية شرطة عند البوابة، وطلب الشرطي أن أفتح غطاء المحرك، فوجد أن هنالك بعضًا من الزيت كان قد سُكب مني وأنا أضيفه قبل أيام، ليجدها ذريعة لتنزيل الحافلة عن الشارع (أي أنها غير صالحة للسفر)، ثم صادروا الحافلة وقالوا لي: تستلمها بعد أسبوعين قرب حاجز نعلين غرب رام الله، حيث يقيمون هناك ساحة احتجاز كبيرة للسيارات الفلسطينية، ويغرمونك في كل يوم 80 شيقلًا أرضيةً على الحجز الإجباري، عدا عن أجرة النقل والمحاكمة والمحامين، لتصل تكلفة هذه المخالفة من 5 إلى 6 آلاف شيقل تقريبًا، عدا عن خسائر الأيام التي يحتجزون فيها الباص”.

ويشير موسى إلى أنه جادل الشرطي عن قانونية المخالفة التي كتب عليها “شارع 443″، بالقول: “أنا على شارع فلسطيني ولست على 443″، لافتًا إلى أن الرد كان: “كلها أراضٍ إسرائيلية “.

تضييق واستهداف في ثوب قوانين سير

لا يخفى على أحدٍ سعي قيادات الاحتلال بالقول والفعل للسيطرة على كامل المناطق المصنفة “ج” وبعض المناطق في “ب” وحتى “أ” بالضفة الغربية المحتلة، وربما أبرز هذه التصريحات والأفعال ما ينفذه وزير المالية في حكومة الاحتلال، بتسلئيل سموتريتش في “خطة الحسم والضم” خاصته، التي باتت خارطة طريق لإحكام السيطرة على الضفة، ولكن في سبيل ذلك لا بد من طرد المواطنين الفلسطينيين في هذه المناطق عبر التضييق عليهم وجعلهم ينزحون نحو المدن.

ويشير الباحث والخبير في الشأن الإسرائيلي وليد حباس في مقال له إلى أنه تعمل في الضفة عدة أجهزة إسرائيلية، أهمها: لواء الوسط في جيش الاحتلال، وجهاز ما يسمى بـ”الإدارة المدنية”، ومخابرات الاحتلال. ولواء شرطة الاحتلال عند تأسيسه امتدت صلاحياته على كامل أراضي الضفة، ولاحقًا وبموجب اتفاقيات أوسلو قُلصت صلاحياته لتغطي فقط مناطق “ج”.

 في العام 2009، أصدر الحاكم العسكري الأمر رقم 1651 لتنظيم سلطة وصلاحيات شرطة لواء الضفة، حيث يتعامل هذا اللواء الشرطي مع الأحداث الأمنية والجنائية، وتوكل إليه مهمة تزويد الضفة بالسلاح وقت الحاجة، وفي عام 2020، جرت إعادة هيكلة داخلية بحيث تم تقسيمه إلى منطقتين فرعيتين: النصف الشمالي والجنوبي من الضفة، إضافة إلى وحدتين إضافيتين تعملان في منطقة الضفة تتعلقان بأعمال التحقيق. أحد أهم مجالات تدخل الشرطة هو السير و”السلامة على الطرق”، والتي تحولت إلى عصا غليظة لمعاقبة الفلسطينيين، أو سرقة أموالهم، من خلال تحرير مخالفات باهظة الثمن بحقهم.

وفي دراسة أصدرتها جمعية حقوق المواطن في إسرائيل (ACRI) بعنوان “قاعدة واحدة، نظامان قانونيان: نظام القوانين الإسرائيلي في الضفة الغربية”، في تشرين الأول/أكتوبر 2014، وأعدّها فريق من المحامين بقيادة المحامية ليمور يهودا، خلصت الجمعية إلى أن الضفة تخضع لنظامين قانونيين متوازيين: نظام قانوني مدني إسرائيلي ينطبق على المستوطنين، ونظام قانوني عسكري يُطبَّق على الفلسطينيين. 

وتوضح الدراسة أن هذا الاختلاف لا يقتصر على القضايا الأمنية أو الجنائية، بل يمتد إلى جوانب متعددة من الحياة اليومية ليشمل قوانين السير، وحرية التعبير والاحتجاج، والتخطيط والبناء، وحرية التنقل؛ حيث يُخضع الجيش والشرطة الإسرائيلية السائقين الفلسطينيين للأمر العسكري رقم 1310، إذ تمنح التشريعات العسكرية الشرطة صلاحيات واسعة ضد الفلسطينيين لا تملكها ضد الإسرائيليين، مثل إجبار السائق الفلسطيني على تقديم كفالة نقدية لضمان المثول أمام المحكمة، ومصادرة رخصة القيادة أو أوراق المركبة بمجرد التأخر في تسديد مخالفة سابقة، أو تعليق الرخصة وسحب المركبة.

وتظهر الإحصاءات الرسمية والتقارير الحقوقية والبرلمانية حجم الجباية والديون المترتبة على السائقين الفلسطينيين، حيث تشكّل المخالفات المحررة ضد الفلسطينيين نحو 72% إلى 75% من مجمل المخالفات المرورية التي تحررها الشرطة الإسرائيلية في الطرق الرئيسية بالضفة الغربية.

وفي كانون الأول/ديسمبر 2025، طالب عضو “الكنيست” المتطرف تسفي سوكوت، بخصم نحو 450 مليون شيكل من عائدات الضرائب الفلسطينية، لتسديد ديون متراكمة ناجمة عن مخالفات سير محررة بحق فلسطينيين في الضفة، وكانت “الكنيست” الإسرائيلية قد صادقت منتصف العام الجاري بالقراءتين الثانية والثالثة على قانون يوسع سرقة أموال المقاصة الفلسطينية.

وبحسب وثيقة لـ”الكنيست”، فقد بلغ عدد رخص القيادة التي ألغيت خلال عام 2023 زهاء 3,811 رخصة قيادة مقارنة بـ 2,813 رخصة في 2022، فيما بلغ عدد الرخص التي ألغيت 3,031 رخصة في عام 2024. وفيما يتعلق بالمركبات، فقد سجل عام 2024 إنزال 1,847 مركبة عن الشارع بسبب عيوب أمان، مقابل 739 مركبة في 2023، إضافة إلى 2,914 مركبة في 2024 بسبب مخالفات خطيرة مقابل 2,165 مركبة في العام 2023.  

تأتي غرامات السير الإسرائيلية بحق الفلسطينيين في ظل تردي اقتصادي؛ فبعد انكماش الاقتصاد الفلسطيني بنحو 17% خلال 2024، بقي الناتج المحلي في 2025، رغم ارتفاعه حسابيًا بنحو 4% عن العام السابق، أقل بنحو 24% من مستواه في 2023. وفي هذا السياق، تتحول المخالفة المرورية من غرامة مالية إلى عبء متراكم؛ لا يقتصر أثرها على المال؛ فقد ربطت إسرائيل في مراحل مختلفة بين المخالفات المرورية غير المسددة وإصدار تصاريح الدخول، بما فيها تصاريح العمل، الأمر الذي يجعل المخالفة قادرة على الانتقال من الطريق إلى مصدر رزق صاحبها. 

وتزداد الضغوط مع إجراءات أخرى، مثل تقييد استخدام المركبة أو حجزها، وتراكم الغرامات والرسوم عند عدم السداد؛ إذ تُضاعِف السلطات الغرامات تلقائيًا بعد ثلاثة أشهر، وتلجأ لمصادرة المركبات وفرض رسوم احتجاز وتخزين باهظة.

وتُقدر الأموال المجباة سنويًا بنحو 75 مليون شيكل؛ تُقتطع من الموارد المالية للفلسطينيين لتُعطى للإدارة المدنية وتُستغل في تمويل مشاريع البنية التحتية للمستوطنات من طرق التفافية وأنفاق وجسور.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني