loading

محصولٌ لم يُقطَف: زيتون برقة بين الحصار والخسارة

فاطمة الخطيب

لا يشبه موسم الزيتون هذا العام المواسم التي اعتادها أهالي قرية برقة شرق رام الله. فبدلًا من التوجه إلى أراضيهم لقطف الثمار وجمع المحصول، تواجه عائلات فلسطينية صعوبات في الوصول إلى أشجارها، وسط مخاوف من اعتداءات المستوطنين والقيود المفروضة على الحركة والوصول إلى الأراضي الزراعية.

وفي القرية التي تحيط بها سبع بؤر استيطانية من جهات مختلفة، لم تعد المسافة وحدها تحدد قدرة المزارعين على الوصول إلى أشجارهم؛ إذ تقول شهادات من الأهالي إن بعض الأراضي التي لا تبعد سوى مئات الأمتار عن المنازل بات الوصول إليها محفوفًا بالمخاطر، فيما يمر الموسم على عائلات أخرى دون أن تتمكن من قطف محصولها.

رئيس المجلس القروي في برقة، صايل كنعان، بيّن أن إنتاج القرية من زيت الزيتون تراجع بشدة هذا العام، مقدّرًا أن إجمالي ما قد تنتجه القرية لن يتجاوز مئة تنكة، في ظل تعذّر الوصول إلى مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وتعرض الأشجار للحرق والتقطيع، إلى جانب التوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على المزارعين.

تنسيق لا يضمن الوصول إلى الأراضي

يقول كنعان أن المجلس القروي نشر إعلانًا للأهالي بشأن تنسيق أُبلغ به من خلال هيئة الشؤون المدنية الفلسطينية، لإتاحة قطف الزيتون في منطقة محددة قرب بؤرة “جفعات عساف”، الواقعة بين برقة وبيتين، خلال يومين من الموسم.

وبحسب قوله، فإن جنودًا حضروا إلى مقر المجلس قبيل أذان المغرب، حيث أوقفوا نحو 20 إلى 30 مواطنًا كانوا ينتظرون الدخول إلى قاعة المجلس، واستجوبوهم، وطالبوهم بعدم قطف الزيتون أو عقد اجتماعات. مضيفًا أن الجنود غادروا لاحقًا، قبل أن يتوجه عدد منهم إلى منزله.

وأوضح كنعان أن الجنود أخذوا هاتفه وهاتف ابنه، واطلعوا على الرسائل المتعلقة بالتنسيق، ثم طلبوا منه نشر رسالة في مجموعة “بناء برقة” تفيد بعدم السماح بقطف الزيتون دون تنسيق، مع الإشارة إلى أن التنسيق المعلن عنه يقتصر على المنطقة المحددة قرب “جفعات عساف”.

لكن كنعان يرى أن هذه المنطقة لا تشكل حلًا فعليًا لمعظم المزارعين في القرية، لأنهم لا يملكون فيها أشجار زيتون تتيح لهم الاستفادة من التنسيق، فضلًا عن صعوبة الوصول إليها.

وأضاف أنه أبلغ الجنود بالاعتداءات التي يتعرض لها الأهالي بما فيها إلقاء النفايات قرب المنازل، وإلحاق الأضرار بالمركبات، وإحراق الأشجار، معتبرًا أن حماية المزارعين ومحاسبة المعتدين ينبغي أن تكونا أولوية، بدلًا من منع الأهالي من الاجتماع أو الوصول إلى أراضيهم.

أراضٍ قريبة.. لكن الوصول إليها متعذّر

لا تقتصر صعوبة الوصول إلى الأراضي على المناطق البعيدة عن التجمع السكني. يقول المواطن عادل معطان إن نحو 90% من أهالي برقة، وفق تقديره، لا يستطيعون الوصول إلى أشجار الزيتون في مناطق متفرقة من القرية، مشيرًا إلى أن محاولات الوصول إلى الأراضي قد تنتهي بمواجهات أو اعتداءات من المستوطنين.

ويضرب معطان مثالًا بجاره توفيق طه سعيد، الذي يملك أرضًا مزروعة بالزيتون تبعد نحو 200 إلى 300 متر عن القرية، لكنه لم يتمكن من قطف محصولها. ويقول إن بعض المزارعين يفضلون الانتظار على المجازفة بالوصول إلى أراضيهم، في ظل غياب ترتيبات تضمن سلامتهم.

ويضيف أن العائلات اعتادت الاستفادة من الزيتون لإنتاج زيت يكفي احتياجاتها المنزلية، مع بيع جزء منه لتغطية بعض المصاريف. أما هذا العام، فقد باتت بعض الأسر عاجزة عن تأمين محصولها، في وقت تتراجع فيه فرص العمل وتزداد الضغوط الاقتصادية.

وبحسب معطان، لا تنحصر الخسارة في كمية الزيتون التي لم تُقطف، بل تشمل أيضًا ما يتحدث عنه الأهالي من اعتداءات على الأشجار ومعدات القطاف، بينها تكسير السلالم وأخذ الأغطية المستخدمة لجمع الثمار، فضلًا عن تضرر أشجار يقول إن مستوطنين يقطعون أغصانها أو يستخدمونها علفًا لمواشيهم.

اعتداءات تطال المزارعين ومربي المواشي والمارة

وفي سياق الاعتداءات التي تشهدها برقة، قال مدير دائرة العمل الشعبي في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان عبد الله أبو رحمة في حديث لـ”بالغراف” أن الهيئة وثّقت حالات مختلفة من الاعتداءات في القرية، تركزت على المزارعين ومربي المواشي، إلى جانب المواطنين الذين كانوا يمرون عبر الطرقات.

وأوضح أن الهيئة ليست الجهة المخوّلة بالتنسيق مع الأهالي لقطف الزيتون، مشيرًا إلى أن سلطات الاحتلال لا تعترف بها بوصفها هيئة يمكن التعامل معها بهذه الصفة، بل تنظر إليها باعتبارها جهة خصم.

عائلة تواجه المستوطنين في أرضها

وفي مطلع أكتوبر الحالي، حاول أفراد من إحدى العائلات في برقة الوصول إلى أشجار الزيتون التي يملكونها، لكن محاولتهم انتهت بمواجهة مع مستوطنين، وفق شهادة العائلة التي فضّلت عدم الكشف عن هويتها.

وتروي العائلة أن أفرادها تمكنوا في المحاولة الأولى من البقاء في الأرض فترة قصيرة قبل مغادرتها. وفي اليوم التالي، وصل مستوطن إلى الموقع بمركبة، واقترب من أشجار الزيتون التي كان أفراد العائلة يعملون فيها، وحاول منعهم من مواصلة القطاف وأخذ ما جمعوه من الثمار.

وتقول العائلة إن أفرادها لم يتمكنوا من العودة إلى المنطقة خلال الأيام التالية، خشية تكرار الاعتداء، وأن معظم الأراضي التي يملكون فيها أشجار زيتون بقيت خارج متناولهم. ولم يتمكنوا سوى من الوصول إلى مساحة محدودة، فيما تعذر عليهم بلوغ أشجار أخرى في مناطق مختلفة.

وتوضح العائلة أن إنتاجها من الزيت تراجع هذا الموسم مقارنة بالأعوام السابقة، نتيجة عدم قدرتها على الوصول إلى كامل أراضيها، ما انعكس على احتياجاتها الغذائية ووضعها الاقتصادي. مضيفة أن محاولاتها الاستفسار عن ترتيبات التنسيق لم تسفر عن تعليمات واضحة تتيح لها التوجه إلى الأرض بأمان.

لكن ما تصفه العائلة بأنه الأشد وطأة لا يقتصر على خسارة المحصول؛ فالأشجار بالنسبة إليها إرث عائلي ارتبط بجهد الأجيال السابقة وذكرياتها. وتقول إحدى أفرادها: «مدمر نفسيًا أن ترى شجرتك ولا تستطيع الوصول إليها»، مضيفة أن الخوف بات حاضرًا كلما فكرت العائلة في العودة إلى أرضها.

وتشير الشهادة أيضًا إلى مشاهد لأشجار تتعرض للتكسير والتقطيع، في وقت يعجز فيه أصحابها عن الوصول إليها لحمايتها أو العناية بها. وترى العائلة أن منع المزارعين من قطف ثمارهم لا يهدد مصدر رزقهم فحسب، بل يمس علاقتهم بأرض ورثوها عن آبائهم وأجدادهم.

بؤر استيطانية تحاصر الأراضي

كنعان يقول إن برقة محاطة بعدد من البؤر والمواقع الاستيطانية، من بينها “جفعات عساف” بين برقة وبيتين، ومواقع أخرى في محيط القرية باتجاه “ميغرون وكوكب يعقوب”، إلى جانب بؤر أقيمت قرب أراضٍ زراعية في جهات مختلفة.

ويقدّر كنعان مساحة أراضي القرية بنحو 14 ألف دونم، لكنه يقول إن المساحات التي يستطيع الأهالي الوصول إليها والاستفادة منها تقل بكثير عن ذلك، وقد لا تتجاوز بضع مئات من الدونمات إلى أقل من ألف دونم، وفق تقديره.

وأشار إلى أن التوسع الاستيطاني، وإقامة البؤر، وأعمال التجريف، والقيود العسكرية، والاعتداءات على الأشجار، كلها عوامل حدّت من قدرة الأهالي على الوصول إلى أراضيهم. كما يتحدث عن أشجار تعرضت للحرق أو القطع، وأراضٍ باتت خارج متناول أصحابها.

وتقول الشهادات التي جُمعت من الأهالي إن الاعتداءات لا تقتصر على منع القطاف، بل تشمل أيضًا تخريب الأشجار والممتلكات، وتثير مخاوف من تكرار المواجهات عند محاولة الوصول إلى الأراضي.

خسارة تتجاوز موسمًا واحدًا

وشدد كنعان على أن تداعيات الاعتداءات والقيود المفروضة على أهالي برقة لا تقتصر على موسم الزيتون، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، في ظل أزمات خدماتية ومعيشية متفاقمة تزيد من الضغوط على السكان.

ولفت الى أن القرية تفتقر إلى شبكة للصرف الصحي، ما يضطر الأهالي إلى الاعتماد على الحفر الامتصاصية، في وقت ارتفعت فيه تكاليف تفريغها بعد اضطرار المجلس القروي إلى نقلها إلى منطقة بعيدة عن القرية، وفق تعليمات جيش الاحتلال، الأمر الذي يزيد من الأعباء على المجلس والسكان، وسط مخاوف من طفح المياه العادمة في الشوارع والأزقة.

ونوه كنعان إلى أن مصادرة معدات كانت تُستخدم في جمع النفايات رفعت كلفة تقديم هذه الخدمة على المجلس القروي، فيما تؤثر القيود العسكرية والحواجز في حركة العمال ووصولهم إلى أماكن عملهم، بالتزامن مع تراجع مصادر الدخل لدى عدد من الأسر.

ولا تقف تداعيات هذه الظروف عند الخسائر الاقتصادية والخدمية، إذ يقول كنعان إن استمرار الاعتداءات وتقييد وصول الأهالي إلى أراضيهم يفاقمان مخاوف السكان على مستقبلهم في القرية، لافتًا إلى أن بعض المواطنين باتوا يفكرون بجدية في مغادرة برقة والسكن في مناطق أخرى، بعدما أصبحت ظروف الحياة والوصول إلى الأراضي الزراعية أكثر صعوبة.

أما في موسم الزيتون، فتتداخل الخسائر الاقتصادية مع الأثر النفسي والاجتماعي. فالمزارع الذي لا يستطيع الوصول إلى أشجاره لا يخسر ثمار موسم واحد فحسب، بل يواجه أيضًا القلق على الأشجار نفسها، والخشية من تعرضها للتلف، والشعور بالعجز عن حماية أرضه.

وتُلَخِص شهادات الأهالي في برقة صورة موسم لم يتمكن كثيرون من عيشه كما اعتادوا؛ إذ بقيت أشجار دون قطاف، وأراضٍ قريبة يصعب الوصول إليها، وعائلات تنتظر فرصة آمنة للعودة إلى حقولها. وبين الخوف من الاعتداء وفقدان المحصول، تتسع الخسارة لتطال مصدر رزق العائلات وعلاقتها بأرضها، في قرية يقول سكانها إن الوصول إلى أشجار الزيتون بات معركة بحد ذاته.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني