ترجمة خاصة لبالغراف
رسمياً، المؤسسة العسكرية الإسرائيلية بكل مكوناتها تخضع لسياسية المستوى السياسي الإسرائيلي، وتنفذ رؤيته وسياسته، إلى جانب ذلك، دور المؤسسة العسكرية ومنها الجيش وضع الخطط المهنية والعملياتية التي من شأنها تحقيق أهداف المستوى السياسي المعلنة وغير المعلنة.
على خلفية أحداث السابع من أكتوبر، والجدل حول تحمل المسؤوليات بين المستوى السياسي والمستوى العسكري، ونتيجة رغبة نتنياهو السيطرة واحتواء المؤسسة العسكرية لخدمة أهدافه السياسية، والتنصل من مسؤوليته عن السابع من أكتوبر، كنا نلحظ خلافات بين المؤسسة العسكرية وخاصة الجيش وجهاز الشاباك وبين نتنياهو والمستوى السياسي في التعامل مع الحرب على غزة، بشكل خاص موضوع الأسرى الإسرائيليين، وموضوع من يحكم في غزة في اليوم التالي، والقضية الجوهرية الأخرى التي شكلت نقطة خلاف بين المستوى السياسي والمستوى العسكري قضية توزيع المساعدات داخل قطاع غزة، والتي تعني عملياً احتلال غزة لفترة زمنية طويلة، وفرض حكم عسكري إسرائيلي على القطاع.
فهل كان رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي ينفذ سياسية المستوى السياسي، أم كان ينفذ سياسة الجيش ورؤيته العملياتية بعيداً عن موقف المستوى السياسي؟، وهل رئيس الأركان الحالي أيال زامير تبنى سياسة مختلفة عن سلفه، أم إنه جاء رئيس أركان على مقاس المستوى السياسي، بالتالي من هذا المنطلق جاء التغيير الدراماتيكي في سياسية الجيش؟
في هذا السياق كتب الوزير الإسرائيلي السابق حاييم رمون في معاريف العبرية تحت عنوان:” من يدير الأمور حقاً؟، رئيس الأركان الجديد يغير السياسية والمستوى السياسي صامت”:
“رئيس الأركان الجديد أيال زامير غير السياسة في قضيتين مركزيتين، تحمل المسؤولية على توزيع المساعدات الإنسانية في قطاع غزة، وتسليم ملفات حساسة متعلقة بالسابع من أكتوبر لمراقب الدولة، على العكس من سياسية رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي التي كانت مخالفة لهذه السياسة”.
وتابع رمون: حتى أمس كانت السياسة مختلفة بشكل مطلق، رئيس الأركان السابق هرتسي هليفي كان يرفض مطلقاً أن يقوم الجيش الإسرائيلي في توزيع المساعدات على السكان على قطاع غزة، ولا حتى كجسم مراقب على توزيعها، وعملياً وضع فيتو على ذلك، وعندما توجه نتنياهو لوزارة الحرب الإسرائيلية طالباً لحكم عسكري مؤقت لقطاع غزة لتوزيع المساعدات الإنسانية، هرتسي هليفي أصر على موقفه ورفض، وزير الحرب في حينه يوآف جالنت دعم موقف رئيس الأركان، واضطر نتنياهو للتراجع عن طلبه.
وقت قصير بعد ذلك، تسربت وثيقة من المؤسسة العسكرية الإسرائيلية جاء فيها أن تفعيل حكم عسكري في قطاع غزة يحتاج لفرقة مكانية وأربع فرق ميدانية، خمس فرق عسكرية من أجل حكم عسكري على مساحة 365 كم2، بينما في الضفة الغربية التي تبلغ مساحتها أكبر 16 مرة من مساحة قطاع غزة تحتاج لفرقة مكانية واحدة.
وتابع حاييم رمون في مقاله: الرفض الكارثي لرئيس الأركان السابق لتوزيع الجيش المساعدات الإنسانية مكن حركة حماس من السيطرة على المساعدات الإنسانية الداخلة لقطاع غزة دون أي عائق، استخدمت حماس المساعدات الإنسانية لزيادة سيطرتها على السكان، ووفر لها دخل مالي مكنها من تجنيد عناصر جدد للحركة، ما يعني أن هليفي عزز قوة حماس لمحاربة الجيش الإسرائيلي.
التغير الدراماتيكي في موقف رئيس الأركان الجديد في الموقف من توزيع المساعدات في قطاع غزة اتخذ من دون تدخل المستوى السياسي حسب ادعاء الوزير السابق حاييم رمون، فجأة يظهر أن لا حاجة لخمس فرق، وأن لا مشكلة في أن يقوم الجيش الإسرائيلي بتوزيع المساعدات على سكان قطاع غزة، وبدون تدخل من الحكومة ومن الكبنيت الذي كان حتى قبل أسبوعين يدعم سياسة مختلفة للجيش داخل قطاع غزة، المستوى السياسي هو الذي يقرر نعم أم لا، والمستوى المُعّين يقول آمين.
القضية الأخرى التي تشير لتغيّر في سياسة ومواقف الجيش، رئيس الأركان الجديد أيال زامير وافق على تسليم ملفات حساسة لمراقب الدولة تتعلق بالفشل يوم السابع من أكتوبر، بعد أن كان قرار رئيس الأركان الإسرائيلي السابق، وبناءً على قرار شخصي قرر أن هذه البيانات الحساسة تقدم فقط للجنة تحقيق رسمية.
القانون الأساسي المتعلق بمراقب الدولة ينص على أن: “الهيئة الخاضعة للرقابة ملزمة بتزويد مراقب الدولة بكل ما يطلب من وثائق ومعلومات وتوضيحات، وكل مواد أخرى يرى المراقب أنها ضرورية من أجل الرقابة”، إلا أن رئيس الأركان قرر الدوس على هذا القانون، وهكذا أيضاً فعل رئيس جهاز الشاباك رونين بار، بالإضافة إلى ذلك، إقامة لجنة تحقيق رسمية مسألة تخص الجمهور الإسرائيلي والمستوى السياسي، ولا يوجد أي علاقة قانونية لرئيس الأركان الإسرائيلي بتشكيلها، وحتى لو لم يكن قانون أساس لذلك، لا صلاحية لرئيس الأركان تحديد أية جهة خارجية تحقق في فشل الجيش الإسرائيلي يوم السابع من أكتوبر.
كما هو معروف، وزير الحرب السابق يوآف جالنت كان نسخة من رئيس الأركان السابق، ودعم كل خطواته، ولم يكن متوقع أن يطلب من رئيس الأركان الالتزام، وتقديم كل ما يلزم من مواد لمراقب الدولة لضرورة إكمال التحقيق، وحتى وزير الحرب الجديد يسرائيل كاتس لم يضغط على رئيس الأركان السابق للتعاون مع مراقب الدولة في موضوع التحقيق الذي يجريه في الفشل في السابع من أكتوبر.
وختم الوزير السابق مقاله حول التباين في سياسية رئيس الأركان الحالي والسابق: جاء رئيس الأركان الإسرائيلي الجديد وغيّر سياسية الجيش تجاه مراقب الدولة ب 180 درجة، ومرّة أخرى اتخذت الخطوة بدون تدخل من المستوى السياسي المنتخب، ما يعني أن رئيس الأركان السابق رسم سياسة، ورئيس الأركان الحالي غيّر سياسة، وفي الحالتين، الحكومة والكبنيت ورئيس الحكومة ووزير الحرب لم يحاولوا أن يكونوا جزء من تحديد السياسة.
اعتقادي الشخصي أن الوزير الإسرائيلي السابق حاييم رمون قد بالغ في الحديث استقلالية رئيس الأركان الحالي أيال زامير في رسم السياسات العملياتية دون تدخل المستوى السياسي، وأول القرارات التي أشارت إلى أن رئيس الأركان الإسرائيلي أيال زامير على مقاس المستوى السياسي، استبداله الناطق الرسمي باسم الجيش الإسرائيلي دانيال هاجري مع توليه منصبه، والكل يعلم موقف المستوى السياسي الإسرائيلي من هجاري على خلفية اتهامه التدخل في الشأن السياسي، خاصة تعليقه على قانون إيلي فلدشتاين، ولا اعتقد أن التغيير في قضايا جوهرية مثل توزيع المساعدات على سكان قطاع غزة من قبل الجيش، والإفراج عن ملفات سرية لمراقب الدولة يمكن أن تتم بمعزل عن الحكومة والكبنيت ورئيس الحكومة ووزير الحرب.