أحمد بسيوني
مرّ أكثر من عامٌ على جريمة الإبادة الجماعيّة في قطاع غزّة، تعرّض فيها الفلسطينيّون لأبشع صورِ الموت، كان أصعبها، مشهد قصف وحرق خِيَم النّازحين، ودهس السكّان بالآليات المدرّعة، ليُعبِّد الإسرائيليّون شوارع غزّة بعظام سكّانها، وبالرّغم من ذلك، لم تُحرِّك هذه المشاهد أيًا من العالم لوقف المحرقة، لنشهد سقوطًا إنسانيًا في التفاعل العاطفيّ مع مآسي البشريّة، سقوطًا من المجتمع الدّوليّ عمومًا، والشعوب خصوصًا.
مرّ هذا العام وسط تبلّد نفسيّ اجتماعيّ، كأنّ العالم فقد قدرته على التفاعل مع هذه المأساة كقضيّة سياسيّة وإنسانيّة مُلحّة، وفيه نفهم أنّ قيمة الإنسان تحوّلت إلى مادّة، تُعامل فيها أرواح الغزيّين معاملة الأرقام في حساباتٍ سياسيّة واقتصاديّة، تُمثل الأجساد البشرية مجرد بيانات إحصائية في تقارير حقوق الإنسان، ولا تُعتبر كائنات إنسانية تستحق الحماية والرعاية.
هذا ما عبّر عنه عالم النّفس الألمانيّ هربرت ماركوزه، في نقده للمجتمعات الصناعيّة الحديثة، حيث إنّ النظام الرأسمالي يميلُ إلى تقليص قيمة الإنسان إلى بعدٍ ماديٍّ واحد، ممّا يخلق حالة من الانفصال العاطفيّ عن المعاناة. في حالة غزّة؛ يمكن رؤية هذه الظاهرة بوضوح، حيث باتت المأساة الإنسانيّة جزءًا من مشهدٍ عالميّ أكبر يتم فيه التعامل مع الحياة البشريّة كأداة للتفاوض السياسيّ، بدلًا من النّظر إليها كقيمةٍ إنسانيّة.
علاوةً على ما سبق، الربط بين القضية الفلسطينية والسياق النفسي للمشاهد، يُحيلنا إلى محاولة فهم هذه اللامبالاة، ليس فقط في مسألة علم النفس الاجتماعي أو علم النّفس السياسي، أو حتّى على محاولات تحويل البشر إلى مادّة، لكن أيضًا في سياق علم النّفس الديني، الذي كان له كل الاهتمام في المادة، لأنّ القضيّة الفلسطينيّة هي قضيّة العربِ والمسلمين، فالرواية الدينيّة تلعب دورًا حقيقيًا في المراكمة على الصّمت؛ بسبب النظرة إلى النصر كحدث مستقبلي موعود في آخر الزمان.
هو في ذات السّياق جزء من التبلّد النفسي الذي راكم على الصمت حول جريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي في قطاع غزّة، يمكن تفسيره من منظور علم النفس الديني وعلم النفس الاجتماعي. هذه الظاهرة تتجاوز البعد السياسي إلى جوانب نفسية عميقة، حيث تُستخدم النصوص الدينية كأدوات للتكيف النفسي والتعامل مع المشاعر الجماعية المرتبطة بالظلم والقهر، وهذا ما نتج عنه صمت مؤلم، جعل من الغزيّين ضحايا مقدّسين.
التبلّد النّفسي واللامبالاة الجماعيّة
ووفقًا لعلم النفس الاجتماعيّ، التبلّد النفسيّ أو psychic numbing»» هو حالة من عدم القدرة على الاستجابة العاطفية لمواقف مؤلمة أو صادمة بسبب التعرض المتكرر لتلك الأحداث.
تناول عالم النّفس الأمريكي بول سلوفيك هذه الظاهرة في دراسته “اللامبالاة تجاه الإبادة”، استند في دراسته على حالتيّ حرب الأولى تندرج تحت وصف جريمة “الإبادة الجماعيّة” في رواند وسط إفريقيا، والثانية بوصفها جريمة “تطهير عرقيّ” حصلت في البوسنة والهرسك. حيث أشار إلى أنّ الأفراد والمجتمعات يفقدون حساسيّة الاستجابة مع تكرار مشاهد العنف والموت والقتل.
أحد الأمثلة المشهورة لهذه الظاهرة هو في إحدى أبشع قضايا الإبادة الجماعية التي شهدتها أفريقيا، تحديدًا في دولة رواندا عام 1994، شنّ القادة المتطرفون من جماعة “الهوتو”، التي تمثل الأغلبية في رواندا، حملة إبادة ضد الأقلية من قبيلة “التوتسي”. وخلال فترة لم تتجاوز 100 يوم، قُتل حوالي 800,000 شخص، وتعرضت مئات الآلاف من النساء للاغتصاب. ونتيجة لهذه المجازر، قُتل ما يقارب 75% من “التوتسيين” في رواندا.
يعتقد العديد من علماء النفس أنّ سبب عدم تفاعل المجتمع الدوليّ مع هذه الجريمة، يعود إلى البلادة النفسية التي أصابت المجتمعات الدولية بعد تكرار أحداث جريمة التطهير العرقي في البوسنة والهرسك في 11 يوليو/تموز عام 1995، حيث سيطرت وحدات من صرب البوسنة على منطقة سربرنيتسا في البوسنة والهرسك، أثناء حرب البلقان التي اندلعت عام 1992 بعد تفكك يوغوسلافيا السابقة.
وفي أقل من أسبوعين، نفذت هذه الوحدات عملية تصفية ممنهجة لأكثر من 8,000 شخص من مسلمي البوسنة، وهجرت آلافًا آخرين من المدينة، حيث تراوح عدد المهجرين في ذلك الوقت بين 20,000 و35,000 شخص. يربط علماء النفس هاتين الحادثتين، بمسألة تكرار مشاهد القتل والقهر على شاشات التلفاز والوسائل الإعلامية التي أدّت في نهاية المطاف إلى شعور باللامبالاة بسبب تزايد هذه المشاهد وتكرارها، وهذا مشابه لما يحدث في قطاع غزّة.
ففي حالة غزّة، يمكننا رؤية هذه الظّاهرة بوضوح، حيث إنّ التبلّد النفسي هنا، لا يقتصر على الأفراد فحسب، بل أيضًا يشمل الشعوب، فصار ظاهرة جماعية، فالتعرّض المستمر للصور المروعة للقتل والدمار في غزة جعل المجتمع الدولي يُظهر قدرًا أقل من التعاطف والاستجابة. هذا الوضع يندرج تحت ما يعرف بـ “اللامبالاة الأخلاقية”، وهي حالة يفقد فيها الأفراد القدرة على التفاعل مع المعاناة البشرية بسبب “الإشباع العاطفي” الناجم عن تكرار المشاهد الصادمة.
تشير دراسات أخرى في علمِ النّفس إلى أنّ الأزمات الإنسانية التي تستمر لفترات طويلة تؤدي إلى ما يُعرف بـ “إرهاق الرحمة” «compassion fatigue»، وهي حالة يشعر فيها الأفراد والمجتمعات بأن قدرتهم على التعاطف مع الضحايا قد استُنفدت بسبب استمرار الصراع دون أفق للحل؛ بالتّالي، يصبح التعامل مع قتل الغزيّين وكأنه أمر طبيعي أو جزء من “الواقع المعتاد” الذي لا يستدعي اهتمامًا عاجلًا، ويمكن وصف هذه الحالة بأنّها “موت الضّمير الجماعيّ”.
الفضاء الخوارزميّ والحداثة: مواقع التواصل الاجتماعيّ شريكة في الإبادة
تلعب مواقع التواصل الاجتماعيّ دورًا محوريًا في تشكيل استجاباتنا العاطفيّة تجاه المحتويات المؤلمة، مثل صور الموت والقتل والإبادة والنزوح، التي تعكس بشكلٍ خاص الوضع في قطاع غزّة، حيث أتاح هذا الفضاء الخوارزميّ للمستخدمين التعرّض المتكرِّر لمشاهد الجثث والبكاء والألم، مما ساهم في تعزيز ظاهرة “التبلّد النفسيّ” ، وصار الأفراد أقلّ تأثرًا بمشاهد الموتِ بسبب الاعتيادِ عليها، وهذا لا يعني وقف النّشر أو منعه، أو التقليل منه أيضًا، لكن أن يكون الفرد مسؤولًا أمام هذه المشاهد.
إنّ الكمّ الهائل من المحتوى المتنوّع الموجود على هذه المنصّات، جعل من الصّعب التركيز على أحداثٍ معيّنةٍ بذاتها، مما أدّى إلى “التشويش العاطفيّ” ، حيث تجاهل الأفراد مشاعر من يموت ومشاعر من يشاهد هذا المحتوى المؤلم.
بالإضافة إلى ما سبق، غالبًا ما تُعرض صور الموت بشكلٍ مجرّد أو كصور “نقرات” «clickbait» ، مما يُفقِدها الأباعد الإنسانيّة، ويجعلها تبدو أقلّ تأثيرًا، كما أنّ بعض المستخدمين يتفاعلون مع هذه الصّور بطرقٍ سلبيّة، كالتعليقات التي تركّز على تفاصيل لا قيمة لها، أو التعليقات السّاخرة، أو حتّى مناقشة أمورٍ دينيّة في خِضم الموت، مما يعزِّزُ من عدم الاستجابة العاطفيّة العامّة، ويزيد من تعميق هذا التبلّد النفسي.
وبذلك، يؤدي تكرار مشاهدة محتوى الإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ في قطاع غزّة، إلى تطبيع “الموت”، حيث يصبح جزءًا عاديًا من تجربتهم اليومية، مما يقلل من استجابتهم العاطفية تجاه الأحداث المأساوية التي تحدث في فلسطين عمومًا، وقطاع غزّة خصوصًا.
التبلّد النّفسي كظاهرة دينيّة: بين النفسيّة الدينيّة والضّحيّة المُقدّسة
من نافلة القول، أنّ الإيمان والدّين يعلبان دورًا مهمًا في تعزيز الصّمود النّفسي للأفراد والجماعات في أوقات المعاناة، خاصّة فيما يتعلّق بالإبادة الجماعيّة والتطهير العرقيّ في قطاع غزّة، حيث تربط الشّعوب العربيّة ما يحدث في فلسطين، بسرديّة دينيّة تستند على آياتٍ من القرآن، تتعلّق بالتحرير والنّصر في آخر الزّمان، ما يمنح الشّعوب شعورًا بالأملِ والاطمئنان بأنّ العدالة ستتحقّق في النّهاية.
وبحسب نظريّة “التعلّق بالدّين” «Religious Coping Theory»، يعتمد الأفراد على المعتقدات الدينيّة كآليّة للتكيّف مع المواقف الصّعبة مثل الاحتلال أو الحرب. هذا الاعتقاد بأنّ النّصر حتميّ ومؤكّد، يمكن أن يخفف من الشعورِ بالإحباط واليأس، لأنّه يوفِّر نوعًا من الطّمأنينة الروحيّة بأنّ الظلم الحاليّ ليس دائمًا، كما يُردَّد دائمًا “الفرج آتٍ”، مما يزيد من حالة غياب الحلول السياسيّة/ العسكريّة الفوريّة.
يتداول العرب والمسلمون في الحرب على غزّة، آياتٍ من القرآن عبر منصات التواصل الاجتماعيّ، منها ما يُعنى بالصّبر والثّبات، {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}، باعتبار أنّ ما يحصل قي قطاع غزّة هو اختبارٌ من اللهِ للمؤمنين، أو مثلًا، {وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ}، التي يتداولها المتفاعلون مع غزّة، وتذكّرهم بعدم الاستسلام والحزن في خِضَم المحرقة، أو الآية التي تُعنى بالدّعاء على الظّالم/ القاتل، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.
من هذا المنطلق، تظهر العلاقة الوثيقة بين المعتقد الديني والنفسي: حيث تساعد العقيدة في صياغة تفسير نفسي يتقبله الأفراد حول معاناتهم، ويعزز شعورهم بالثقة بأن العدالة ستتحقق، حيث يمكن النظر إلى المحرقة في قطاع غزّة، من خلال منظور “الضحية المقدسة” التي تتعرض للظلم في إطار يتجاوز الصراع المادي إلى صراع روحي، مما يزيد من الصمت المجتمعي تجاه قطاع غزّة والاستسلام النّفسي يرافقه الانتظار، وهو بدوره ما عطّل من العمل السياسي والاجتماعيّ الفعال، وهذا ما يُوصَف في علم النّفس بأنّه “التسكين النفسيّ” «psychological numbing»، حيث يعتقد العرب والمسلمون أنّ الحل النّهائيّ بيدِ الله.
وبالتّالي يتقلّص الدّافع لديهم للعمل المباشر أو للبحث عن حلول حقيقيّة تضغط على الأنظمة العربيّة أو المجتمع الدوليّ لوقف الحرب. فكل ما سبق ذكره من الآيات القرآنية، والدعاء لله من أجل نصرة المظلومين في غزّة، يُستخدم أيضًا في سياق “علم النّفس الدّفاعيّ”، حيث يقوم الأفراد أو المجتمعات بقمع مشاعر العجز أو الإحباط من خلال تبني سرديات دينية تركز على المستقبل بدلًا من مواجهة الواقع الحالي. في هذا السياق، يُصبح الصمت نوعًا من آلية دفاعية لتجنب الإحساس بالألم أو الخسارة المباشرة.
فقد العالم إنسانيّته في هذه المحرقة، وتحوّل القتل إلى أمرٍ معتاد، والموت إلى واقعٍ لا يُثير الضّمير، يُعزي علماء النّفس هذا الأمر إلى “التبلّد العاطفيّ”، لكن في حالة غزّة، يبدو أنّه ليس مجرّد “تبلّد”، وإنّما مرضٌ جماعيّ تفشّى في العالم، يرون أنّ الأرواح البشريّة في هذا القطاع المحاصر الضيّق، ما هو إلّا أرقام تستخدم في معادلات جزء منها سياسيّة، وأخرى دينيّة، والأبشع، اقتصاديّة، مجرّد ضحايا بلا ملامح، بلا قصص، بلا أرواح.
المعادلة التي أشعرت الغزيّين بالهزيمة المُطلقة، هي التمسّك بالخطاب الديني بشكلٍ سلبيّ، فبدلًا من الانفجار في الشوارع والصراخ بوقف الإبادة، ينتظر العرب وعدًا إلهيًا فيه تسليمًا نفسيًا، كتبرير للصّمت أو قبول ما يحدث من موت، بأن الحل النهائي للقضية الفلسطينية هو أمر إلهي سيتم تحقيقه في زمن مستقبلي بعيد، هذا النّوع من التسليم، يُفسَّر على أنّه انسحابٌ من الفعل المباشر والانخراط في قضيّةٍ عربيّة أرادها العرب أن تكون إسلاميّة، إضافةً إلى التقليل من الشعور بالإلحاح في مواجهة الجرائم الكبرى في غزّة، وعزّز من اللامبالاة أو البلادة تجاه الأحداث اليومية.
كما أنه استُبدِل التضامن/ التعاطف والحلول بخوارزمياتٍ تُصنَع بذكاءٍ اصطناعي، تُشارك عبر منشورٍ أو صورة أو فيديو، بدلًا من عملٍ فعليّ يوقف الحرب، هُنا يُدرك الإنسان أن قيمته الحقيقيّة، ما هي إلّا بضع مشاهداتٍ ترفعُ من رصيدِ ناشرِها.
وفي ظل هذا الانفصال النفسي العميق عن معاناة غزة، تظهر ضرورة ملحة للتفكير في كيفية إعادة إحياء الوعي الإنساني الجماعي، وإيقاظ الضمير العالمي تجاه قضايا الظلم والإبادة.
إن ما يعانيه الفلسطينيون في قطاع غزة لا يمكن أن يبقى مجرد مشاهد مكررة تستثير البلادة العاطفية أو تُختزل إلى أرقام إحصائية و”تفاعلات” على وسائل التواصل الاجتماعي.
إن الصمت المتزايد والتبلد النفسي المستمر يدعوان إلى مراجعة جذرية لكيفية تعاملنا مع قضايا حقوق الإنسان، ويدعواننا للعودة إلى جوهر القيم الإنسانية التي تُعلي من شأن الحياة وتحترم كرامة الإنسان. ربما تكون البداية الحقيقية هي استعادة الحس الإنساني ورفض كل أشكال التطبيع مع القتل والعنف، والدعوة إلى مواقف حقيقية وفعالة توقف دائرة المعاناة.