loading

تكدّس الشيقل في الضفة الغربية.. أزمة نقدية تخنق البنوك والاقتصاد

محمد عبد الله

تتعمق الأزمة الاقتصادية في الضفة الغربية مع تصاعد مشكلة تكدّس الشيقل في خزائن المصارف الفلسطينية، في واحدة من أكثر الإشكاليات النقدية تعقيدًا خلال السنوات الأخيرة. 

أزمة لا تتعلق فقط بوفرة نقدية غير قابلة للتصريف، بل تمتد آثارها إلى شلل في تنفيذ العمليات التجارية، وارتفاع كلف العمل المصرفي، وتعطيل جزء مهم من الدورة الاقتصادية.

وفي ظل القيود الإسرائيلية المشددة على شحن العملة، وتوقف تحويل أموال المقاصة، تجد البنوك الفلسطينية نفسها أمام واقع ضاغط، تحاول سلطة النقد احتواء مخاطره والحفاظ على استقرار الجهاز المصرفي، فيما يحذر مختصون من تداعيات طويلة الأمد إذا استمرت الأزمة دون حلول جذرية.

سلطة النقد: ما هو تكدّس الشيقل ولماذا يشكل خطراً؟

توضح سلطة النقد الفلسطينية عبر موقعها الإلكتروني، أن المقصود بمشكلة تكدّس الشيقل في المصارف العاملة في فلسطين هو عدم قدرة هذه المصارف على شحن عملة الشيقل، سواء الأوراق النقدية أو العملات المعدنية، إلى البنوك الإسرائيلية، ما يؤدي إلى تكدّسها في خزائن المصارف الفلسينية.

وبحسب سلطة النقد، فإن هذا التكدّس يعيق بشكل مباشر تغذية حسابات البنوك الفلسطينية لدى البنوك الإسرائيلية، والمعروفة بحسابات البنوك المراسلة، وهذه الحسابات تُستخدم لتنفيذ المعاملات المالية المرتبطة بعمليات شراء وبيع السلع والخدمات بين فلسطين وإسرائيل. 

ومع تعطل هذه القناة، تتعقد عمليات الاستيراد والتصدير، وتتأثر حركة السوق والاقتصاد ككل.

وتُرجِع سلطة النقد أسباب تكدّس الشيقل لدى المصارف الفلسطينية إلى قيام الجانب الإسرائيلي بفرض قيود وسقوف على عمليات شحن العملة، وهي سقوف لا تلبي احتياجات المصارف الفعلية لتنفيذ وتمويل العمليات التجارية بين الطرفين.

وتشير إلى أن أحد أهم مصادر النقد في السوق الفلسطينية يتمثل في المشتريات النقدية لفلسطينيي الداخل، إضافة إلى استلام العمالة الفلسطينية داخل الخط الأخضر أجورها نقداً، ما يزيد من حجم السيولة المتدفقة إلى السوق الفلسطينية دون وجود قنوات كافية لتصريفها.

أيهم أبو غوش: أرقام غير مسبوقة وتكدّس وصل إلى 15 مليار شيقل

من جانبه، يشرح الصحفي المختص بالشأن الاقتصادي أيهم أبو غوش الخلفية المالية للأزمة، موضحًا أن إسرائيل تأخذ سنوياً ما يُعرف بـ”كوتة شحن” من الشيقل، موزعة على أربعة دفعات، حيث تأخذ 4.5 مليار شيقل كل ربع عام، بمعدل 18 مليار شيقل سنوياً.

ويشير أبو غوش في تعقيب لموقع “بالغراف” إلى أنه في السنوات السابقة كانت إسرائيل تقبل شحنات إضافية تصل إلى نحو 6 مليارات شيقل سنوياً فوق الكمية الأساسية، إلا أنها خلال العامين الأخيرين لم تقبل أي شحنات إضافية، واكتفت بالكوتة المعتمدة فقط.

ويلفت إلى أن اتفاق باريس الاقتصادي كان ينص بالأصل على 3 مليارات شيقل كل ربع عام، قبل أن يتم رفعها لاحقاً إلى 4.5 مليارات شيقل، وهو ما التزمت به إسرائيل دون زيادة.

ويؤكد أبو غوش على أن تكدّس الشيقل ليس مشكلة جديدة، إذ كان يصل في السابق إلى نحو 8 مليارات شيقل، إلا أن الأزمة تفاقمت بشكل كبير ليصل حجم الشيقل المتكدّس اليوم إلى نحو 15 مليار شيقل، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الجهاز المصرفي الفلسطيني.

ويضيف أن 50% من الشيقل المتداول في السوق الفلسطينية يأتي من أربعة مصادر رئيسية، هي: العقارات، والذهب، والدخان، والبترول، وهي قطاعات تعتمد بدرجة كبيرة على التعامل النقدي.

كما يبين بأن عدم تحويل أموال المقاصة ساهم بشكل مباشر في تفاقم الأزمة، إذ تُحوّل أموال المقاصة عادة إلكترونيًا وليس نقدًا، وكان جزء من النقد المتوفر يُستخدم سابقًا في صرف رواتب الموظفين، الأمر الذي خفف من حجم التكدّس في السابق.

ويوضح أبو غوش أن تكدّس الشيقل انعكس في بدايته بشكل مباشر على المصارف، حيث أدى إلى ارتفاع كلفة تخزين الأموال النقدية، إضافة إلى ارتفاع كلفة التأمين على هذه الأموال، في ظل المخاطر المرتبطة بتكدّس مبالغ ضخمة داخل الخزائن.

ويضيف بأن هذه الأموال المكدّسة تمثل فرصًا اقتصادية ضائعة، إذ تبقى مجمدة داخل البنوك بدلًا من ضخها في الأسواق وتحريك العجلة الاقتصادية، ما يفاقم حالة الركود والانكماش.

أما الأثر الثالث، فيتمثل في ارتفاع كلفة تغذية الحسابات البنكية للمصارف الفلسطينية لدى البنوك الإسرائيلية، حيث تضطر المصارف، بدلًا من إرسال الشيقل في عمليات الشراء، إلى استخدام الدولار.

ويؤدي ذلك، بحسب أبو غوش، إلى خسائر مزدوجة نتيجة عمليات التحويل من الشيقل إلى الدولار ثم العكس، ما يزيد من الأعباء المالية على الجهاز المصرفي.

سلطة النقد: جهود للحد من الأزمة والحفاظ على الاستقرار

وفي مواجهة هذه التحديات، تؤكد سلطة النقد الفلسطينية عبر موقعها الإلكتروني أنها بذلت جهودًا واسعة لمعالجة الأزمة والحد من تداعياتها. فقد عملت على التواصل المباشر مع البنك المركزي الإسرائيلي، إضافة إلى التواصل مع مؤسسات وجهات محلية ودولية، لشرح مخاطر عدم السماح للمصارف الفلسطينية بشحن النقد المتوفر لديها.

وتهدف هذه الجهود، بحسب سلطة النقد، إلى ضمان استمرار العلاقة المصرفية، وتمكين البنوك من تنفيذ العمليات التجارية، وتأمين توفير السلع والخدمات الأساسية للمواطن الفلسطيني.

كما قامت سلطة النقد بتوجيه المصارف العاملة في فلسطين إلى اتخاذ كافة الإجراءات الممكنة لزيادة قدرتها على استقبال الإيداعات النقدية، وتوفير السيولة اللازمة لتنفيذ العمليات التجارية، إلى جانب تعزيز البنية التحتية لوسائل الدفع الإلكتروني، في إطار استراتيجية تهدف إلى الحد من استخدام النقد.

وعلى صعيد استقرار الجهاز المصرفي، تؤكد سلطة النقد أنه رغم حجم التحديات والمخاطر الناتجة عن الأوضاع الراهنة، بما في ذلك أزمة تكدّس الشيقل، لا يزال القطاع المصرفي الفلسطيني يتمتع بمستويات مرتفعة من الملاءة المالية والسيولة، وفقاً للمعايير الدولية ذات العلاقة.

دور المواطن في التخفيف من الأزمة

وفي ختام ردودها، تؤكد سلطة النقد أن للمواطن دورًا مهمًا في الحد من تكدّس الشيقل، من خلال تشجيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني بدلًا من النقد، خاصة في دفع أثمان السلع والخدمات، ولا سيما في محطات الوقود.

كما دعت إلى إتمام الصفقات ذات القيم المرتفعة عبر الشيكات والحوالات البنكية، والابتعاد قدر الإمكان عن التعامل النقدي في مختلف المعاملات، لما لذلك من دور في تخفيف الضغط على الجهاز المصرفي والمساهمة في استقرار الدورة النقدية.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني