محمد عبد الله
كشف تحقيق صحفي صادر عن الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة “أمان” عن تجاوزات وإشكاليات قانونية في إدارة قطاع النقل على معبر الكرامة، أبرزها منح تراخيص استثنائية لشركة واحدة تعمل ضمن نظام “النقل المميز VIP”، ما أفضى إلى شبهات فساد ومحسوبية وربط القرار بالموافقات الإسرائيلية.
ويعد معبر الكرامة شريان الحياة الوحيد للفلسطينيين نحو الأردن والعالم، ويشهد يوميًا تنقل آلاف المسافرين.
وبحسب التحقيق، منذ عام 2018 بدأت شركة “المجد” بتشغيل خمس مركبات خاصة تحت مسمى VIP، بعد أن منحتها وزارة النقل والمواصلات ترخيصًا استثنائيًا، بالرغم من أن القانون الفلسطيني، وتحديدًا المادة 86 من قانون المرور لسنة 2000، يحظر تقاضي أجرة في المركبات الخاصة.
وأوضح التحقيق أن الترخيص الأولي تم دون أي منافسة أو إعلان، واعتُبر بمثابة تنازل قانوني جزئي، إذ حولت المركبات من سيارات خاصة إلى عمومية مع شروط صارمة، بما في ذلك منع البيع أو التنازل ودفع رسوم سنوية محددة.
ومع مرور السنوات، توسعت الشركة لتصبح الفاعل الوحيد في هذا القطاع، وصدرت لاحقًا أحكام وقرارات وزارية صُممت لتقنين الوضع القائم، بدلًا من تنظيم قطاع مفتوح ومتعدد المنافسين.
وأشار التحقيق إلى وثائق رسمية كشفت أن الترخيص جاء بعد موافقة إسرائيلية مسبقة، حيث حددت أن تكون الخدمة لشركة واحدة فقط، الأمر الذي أخرج أي منافس محتمل من السوق.
ووفق التحقيق، فإن هذا الواقع أثار استياء النقابات العمالية، إذ وصفه رئيس النقابة العامة لعمال النقل في فلسطين علاء مياسي بأنه “فساد باختصار”، مؤكدًا أن المستفيد من الترخيص هو من أعطاه ويستفيد منه مباشرة.
وفي عام 2024، حاولت الشركة توسيع نشاطها عبر الحصول على رخصة مكتب تكسي، إلا أن الموافقة أُلغيت لاحقًا، لتلجأ الشركة إلى استحداث نشاط جديد تحت مسمى “تأجير مركبات سياحية بسائق”، ما يُظهر استمرارية المناورة القانونية لضمان السيطرة على نقل المسافرين.
وبحسب التحقيق، أدى هذا النظام إلى زيادة عدد الرحلات اليومية بشكل كبير، مع تحقيق أرباح مالية معتبرة.
وأظهر التحقيق الصحفي أن خمس مركبات عمومية تابعة لشركة المجد كانت تنفذ يوميًا نحو 30 رحلة من وإلى معبر الكرامة، قبل إدخال نظام التأجير بسائق، الذي رفع عدد النقلات اليومية إلى نحو 120 رحلة وفق تقديرات النقابة، بينما أكد مدير عام الشركة مجدي نصار أن عدد النقلات الفعلي يصل إلى نحو 50 رحلة يوميًا.
وبحسب التحقيق، تصل أجرة النقل لكل مسافر من رام الله إلى المعابر عبر مسارات VIP نحو 126 دولارًا بعد الخصم، ما يعني أن الأرباح اليومية للشركة وفق تقديرات النقابة تصل إلى حوالي 15 ألف دولار، بينما يرى نصار أن العائد اليومي يبلغ نحو 6 آلاف دولار فقط، ما يعكس الفجوة بين التقديرات الرسمية والاعترافات الداخلية للشركة.
ورغم ذلك، أصدرت وزارة النقل قرارًا في أكتوبر 2025 بوقف العمل بنظام “التأجير بسائق” وأبقت الشركة بخمس مركبات عمومية فقط، وهو ما ألحق أضرارًا مالية كبيرة بشركة المجد، بحسب تصريحات مديرها العام مجدي نصار، الذي نفى أي علاقة له بالفساد أو تقديم رشاوى لأي مسؤول، مؤكدًا استعداده للمساءلة القانونية حال ثبوت أي دليل ضده.
وأشار التحقيق الصحفي إلى موقف الوزارة، حيث أوضح وكيل وزارة النقل والمواصلات محمد حمدان أن هناك خطة لإعادة تقييم قطاع النقل وتنظيمه بما يشمل جميع المعابر، وفتح باب المنافسة على الخدمات لضمان الشفافية ومكافحة الاحتكار.
فيما أكد المستشار القانوني في مؤسسة أمان بلال البرغوثي أن ما حدث يشير إلى مخالفات للقوانين والسياسات الحكومية، مع وجود شبهات واسطة ومحسوبية وربما رشوة، ويشكل مثالًا على تزاوج السلطة ورأس المال.
يطرح التحقيق تساؤلات حاسمة: هل ستتم معالجة هذه المخالفات بشكل نهائي؟ أم ستستمر السيطرة الاحتكارية لشركة واحدة، وسط غياب المساءلة والشفافية؟ معبر الكرامة يبقى بذلك تحت المجهر، بوابة يومية لحياة الفلسطينيين ومسألة شائكة بين الإصلاح والنافذين.




