جيفارا سمارة
في 22 نيسان/أبريل 2024، فنّدت اللجنة الدولية المستقلة، بقيادة وزيرة خارجية فرنسا السابقة كاترين كولونا، والتي كلّفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بتقييم آليات الحياد والامتثال لدى وكالة الأونروا، المزاعمَ والاتهاماتِ الإسرائيليةَ التي ادّعت أن 12 موظفًا في الوكالة شاركوا في هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر.
وخلص تقرير اللجنة إلى أن إسرائيل لم تقدّم أي دليل ملموس على ارتباط موظفي UNRWA بحركات إرهابية منذ عام 2011 عند تقديم قوائم الموظفين للفحص، كما أكد أن آليات الحياد في الوكالة متقدمة نسبيًا مقارنة بهياكل الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية المماثلة.
ويُشكّل هذا التقرير مُنطلقًا مُهمًا وأرضيةً واضحة لتفنيد المزاعم الإسرائيلية بحق منظمة أطباء بلا حدود، والتي زعمت ما تُسمّى ب “وزارة شؤون الشتات” أن التحقيقات خلصت إلى أن أفرادًا من منتسبي المنظمة على صلة بمنظمات إرهابية، دون تقديم أي دليل يدعم هذه الادعاءات.
وأكدت منظمة أطباء بلا حدود، في بيان لها، أنها “تأخذ هذه الادعاءات على محمل الجد، ولم ولن توظف أبدًا عن علم أشخاصًا يشاركون في أنشطة عسكرية، وأن الإدلاء بمثل هذه الادعاءات علنًا دون أدلة موثقة يعرّض العاملين في المجال الإنساني للخطر ويقوّض العمل الطبي المنقذ للحياة”.
علمًا بأن المؤسسات الدولية العاملة في فلسطين ومنها الأمم المتحدة تخضع لنظام الفحص الأمني (Vetting System) وهو مجموعة إجراءات تُستخدم للتحقق المسبق من الأفراد أو الجهات قبل توظيفهم، التعاقد معهم، أو تمكينهم من الوصول إلى موارد، مواقع، أو معلومات حساسة.
ويُستخدم على نطاق واسع في المنظمات الدولية، الأمم المتحدة، المنظمات غير الحكومية، والجهات المانحة، ويخضع لهذا الفحص الموظفون (الدائمون والمؤقتون)، المتعاقدون والاستشاريون، الشركاء المحليون، أعضاء مجالس الإدارة، بل وحتى المستفيدون النهائيون (بحسب متطلبات الممول).
ويعد نظام الفحص الأمني هذا مشدّد بسبب القيود الإسرائيلية، وشروط التمويل الدولي، وتصنيفات سياسية أحادية أحيانًا، بل ويُنتقد لأنه قد يؤدي إلى إقصاء تعسفي، ويُستخدم أحيانًا كأداة ضغط سياسي غير مباشر، ويفتقر للشفافية وحق الاعتراض الفعلي.
وقد اتّضحت ملامح الحرب على المنظمات الإغاثية للشعب الفلسطيني، والتي باتت تشكّل العمود الفقري الذي يمنع الانهيار الكامل في ظل عجز السلطة الفلسطينية وشللها، في أوائل أيلول/سبتمبر 2018، عندما أعلنت إدارة ترامب وقف التمويل بالكامل للأونروا بذريعة “تخفيض المساعدات”. وترافق ذلك مع نقل السفارة الأميركية إلى القدس المحتلة وإعلانها عاصمة “أبدية لإسرائيل”، والاعتراف بالجولان السوري أراضٍ إسرائيلية، أي قبل حرب الإبادة بسنوات، ما يعكس مخططًا سابقًا لأي ادعاءات حالية.
وفي 30 كانون الأول/ديسمبر 2025، تلقّت 37 منظمة غير حكومية دولية (وهي جزء من إخطارًا رسميًا بانتهاء تسجيلها في 31 كانون الأول/ديسمبر 2025 (وهو العدد الحالي، بعد أن سبقته منظمات أخرى ليصل العدد إلى ما لا يقل عن 45 منظمة)، ما يعني أنه بعد 60 يومًا سيُحظر عملها في الأرض الفلسطينية المحتلة. وذكرت السلطات الإسرائيلية أن السبب الرئيسي لإلغاء التراخيص هو “رفض هذه المنظمات تقديم معلومات كاملة وقابلة للتحقق بشأن موظفيها”، والخطط التشغيلية، ومصادر الدعم.
وعاودت إسرائيل التأكيد على أن الرفض يشمل نقاطًا أخرى، من أبرزها: إنكار وجود إسرائيل كدولة يهودية وديمقراطية (وهو أمر سياسي بعيد كل البعد عن جوهر العمل الإنساني الإغاثي)، وإنكار الهولوكوست، ودعم كفاح مسلح ضد إسرائيل من قبل دولة عدوة أو منظمة إرهابية. وهي مزاعم سياسية أثبتت التحقيقات الدولية بُطلانها.
سبق ذلك كله التضييق على عمل المنظمات الدولية بوقف تصاريح العمل الممنوحة للعاملين فيها خاصة الأجانب، الذين حاولوا الالتفاف على هذه العراقيل بالحصول على تأشيرات دخول سياحة، لتعاقبهم إسرائيل بمنع الدخول إلى كامل فلسطين المحتلة.
وفي بيان صادر عن 53 منظمة دولية يوم الجمعة 2 كانون الثاني، أكدت هذه المنظمات التزامها بالعمل عبر أنظمة تنسيق الأمم المتحدة والشراكات المحلية، وضمن أطر امتثال صارمة مفروضة من المانحين، بما في ذلك عمليات التدقيق، وضوابط مكافحة تمويل الإرهاب، ومتطلبات العناية الواجبة التي تلبّي المعايير الدولية.
وأوضحت أن السبب الرئيسي لعدم تقديم الأسماء هو أن إسرائيل تتعمد استهداف وقتل العاملين في المجال الإنساني، حيث قُتل أكثر من 500 عامل إنساني منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023. كما أكدت أنها لا تستطيع نقل بيانات شخصية حسّاسة إلى طرف في النزاع، لما يشكّله ذلك من انتهاك للمبادئ الإنسانية، وواجب الرعاية، والتزامات حماية البيانات. وأشارت إلى أن السرديات الزائفة تسهم في نزع الشرعية عن المنظمات الإنسانية، وتعريض العاملين للخطر، وتقويض إيصال المساعدات.
الأونروا
لا يندرج اسم الأونروا ضمن قائمة المنظمات الـ37، إلا أنها هدف أقدم لمحاولات الإنهاء. ففي عام 2024، أقرّ الكنيست قانونًا بحظر نشاط الأونروا في إسرائيل، بزعم مشاركة بعض موظفيها في أحداث “طوفان الأقصى”. وتبع ذلك قرار بإخلاء مقرها في القدس، وإقرار قانون بقطع الماء والكهرباء عن منشآتها، إلى جانب استمرار استهدافها في غزة والضفة ووضع العراقيل أمام عملها.
وتشير مصادر غير رسمية إلى أن الأونروا سرّحت بالفعل عددًا من العاملين الإداريين، وأنهت بعض العقود، وحوّلت أعدادًا أخرى إلى مؤسسات تابعة للأمم المتحدة.
وفي محاولة لرسم سيناريو “ماذا لو” نجحت المساعي الأميركية–الإسرائيلية في إيقاف أو تقليص عمل الوكالة، فإن أرقام المتضررين تتحدث عن نفسها؛ إذ يبلغ عدد اللاجئين في غزة والضفة أكثر من 2.5 مليون لاجئ.
وبحسب الموقع الرسمي لدائرة شؤون اللاجئين في منظمة التحرير الفلسطينية، تقدّم الأونروا خدمات تعليم مباشر لحوالي 290 ألف طفل، ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا لنحو 730 ألف شخص، واستشارات صحية (في غزة فقط) بما يقارب 6.4 ملايين زيارة/خدمة، إضافة إلى طرود غذائية لأكثر من 1.16 مليون شخص في غزة، فضلًا عن خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة التي يستفيد منها ملايين الأشخاص في مختلف المناطق.
الأرقام تفضح زيف الادعاءات
تزعم إسرائيل أن الإجراءات الجديدة لن تؤثر في تدفّق المساعدات الإنسانية إلى غزة. كما صرّحت وحدة (كوغات)، وهي الهيئة العسكرية الإسرائيلية المسؤولة عن معابر غزة وتنسيق عمليات إيصال المساعدات، بأن المنظمات غير الحكومية الدولية التي تواجه تعليق تراخيصها “لم تُدخل مساعدات إلى غزة طوال فترة وقف إطلاق النار الحالي”، الذي بدأ قبل 11 أسبوعًا، وأن “مساهمتها مجتمعة، حتى في السابق، لم تتجاوز 1% من إجمالي حجم المساعدات”.
غير أن 53 منظمة غير حكومية دولية دحضت سخافة وكذب هذه المزاعم الإسرائيلية، مؤكدة أن المنظمات الـ37 المهددة بالإغلاق تدعم وتدير في قطاع الصحة نحو 60% من المستشفيات الميدانية في غزة. وفي مجال الأمن الغذائي، قدّمت هذه المنظمات أكثر من نصف إجمالي المساعدات الغذائية خلال عام 2024، بما في ذلك غالبية نقاط توزيع الوجبات المطبوخة، كما نفّذت نحو ثلاثة أرباع جميع أنشطة المأوى والمواد غير الغذائية. ويُوجد حاليًا نحو 600 ألف مادة مأوى ضمن سلاسل التوريد التابعة لهذه المنظمات.
وتلفت المنظمات الـ53 إلى أن المنظمات المهددة تقدّم 42% من إجمالي خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة (WASH)، بما في ذلك الوقاية من تفشّي الإسهال المائي الحاد والاستجابة له. كما أنها تدعم جميع مراكز التثبيت الخمسة التي تعالج الأطفال المصابين بسوء التغذية الحادّ الوخيم، ما يمثّل 100% من القدرة العلاجية في غزة.
كذلك تدير أو تدعم هذه المنظمات نحو 30% من أنشطة التعليم في حالات الطوارئ، التي لا تصل أصلًا إلا إلى نسبة محدودة من السكان في سنّ الدراسة. إضافة إلى ذلك، توفّر هذه المنظمات أكثر من نصف التمويل المخصّص لإزالة مخاطر المتفجرات، وسيؤدي إقصاؤها إلى تخفيضات في القدرة تصل إلى 100%.
كارثة انسانية
تشكّل الخطوة الإسرائيلية الهادفة إلى قتل ما تبقّى من غزة عبر حرمانها من المساعدات الغذائية والطبية والإنسانية، وتجويع الضفة الغربية وتركيعها، تصعيدًا بالغ الخطورة، في ظل معطيات تشير إلى أن نسبة البطالة في غزة تتراوح بين 85% و90%، وأن النسبة المتبقية (10–15%) هم في معظمهم عاملون لدى المؤسسات المهددة بالإغلاق. كما تشير البيانات إلى أن نسبة الفقر في غزة تبلغ 100% تحت خط الفقر بحسب تقارير الأونكتاد.
أما في الضفة الغربية حيث تستمر المداهمات وعنف المستوطنين في دفع السكان إلى النزوح، أكدت المنظمات أن غيابها سيقلّص بشكل حاد نطاق واستمرارية المساعدات المنقذة للحياة في لحظة حرجة، بلغت معها نسبة البطالة نحو 46%، في حين يشير بعض الخبراء إلى أن البطالة المقنّعة أو الموسمية تصل إلى 68%. ويكتسب هذا الواقع خطورته من أن المؤسسات الدولية تشكّل العمود الفقري للخدمات الأساسية في مناطق تغيب عنها السلطة الفلسطينية بشكل كامل، مثل القدس المحتلة، وفي مناطق يصعب عليها التحرك فيها، كالتجمعات البدوية، ومناطق (ج)، وحتى المخيمات.
أبعاد سياسية واقتصادية خطيرة جدًا
ويرى المحلل والخبير الاقتصادي طارق الحاج أن الأمر يأتي ضمن سياق ومخطط أكثر كارثية، يهدف إلى حرمان الفلسطينيين من أي شكل من أشكال السيادة، أو حتى من الحياة نفسها؛ فالأرض تُقضَم شيئًا فشيئًا في الضفة الغربية، حتى أصبحت المناطق المصنفة «ج» ممنوعًا على الفلسطينيين استغلالها، وربما حتى مجرد الوصول إليها، فيما تتعرض مناطق «ب» لهجمات المستوطنين والجيش، وتبقى سجلات الأراضي بيد الإسرائيليين، مع منع الحصول على «الكواشين» فيها، عدا عن الاقتحامات اليومية لمناطق «أ».
ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن الوضع في غزة أشد مأساوية، حيث إن «الخط الأصفر» سيتحول إلى ما يشبه جدار برلين؛ «غزة بسيطرة إسرائيلية وأمريكية غنية وحديثة، وأخرى فقيرة ومعدمة من كافة أشكال الحياة»، وكل ذلك لخلق بيئة طاردة وتضييق أكبر يدفع الفلسطيني للتنازل عن حقوقه الوطنية ضمن مخطط شيطاني وُضع قبل عشرات السنين لكامل الوطن الفلسطيني، في وقت يتلاشى فيه الدعم الدولي؛ فمنذ عام 2018 لم يصل من المساعدات المالية ما يمكن اعتباره ذا قيمة.
ويقول الحاج إن إسرائيل شملت من ضمن هذه المؤسسات الـ37 مؤسساتٍ تابعةً للأمم المتحدة، مثل «UNDP» مثلًا، فيما تحاصر وتُقوِّض، بالتعاون مع أمريكا، وكالة «الأونروا» شيئًا فشيئًا، على أمل إنهائها بالكامل، وهذا يعني في المقام الأول إنهاء قضية حق العودة وتشتيت اللاجئين، ليس في الضفة وغزة فقط، وإنما أيضًا في سوريا التي دُمِّرت مخيمات اللاجئين الفلسطينيين فيها، ولبنان حيث يعاني اللاجئون ظروفًا كارثية ويُدبَّر لهم ليل نهار، وكذلك في الأردن.
ويلفت إلى أن التركيز في الإبادة التي حصلت في قطاع غزة كان أكثر ما يكون في المخيمات، والحرب على مخيمات الضفة مفتوحة، وهذا ما حدث في مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين، بل وستشمل كل مخيمات الضفة بذَرائع مختلفة، فيما إن عمل هذه المؤسسات التي حُظر عملها يكون عادة في المخيمات، ومناطق «ج»، ومع التجمعات الرعوية أو البدوية، وفي القدس المحتلة، حيث يصعب على السلطة الفلسطينية العمل، أو يكاد يكون مستحيلًا.
والخطير، بحسب الحاج، أن الأرقام في غزة كارثية؛ إذ تبلغ البطالة 85–90%، وأن البقية يعملون مع المؤسسات الدولية التي سيلتحقون الآن بركب البطالة، فيما بلغت نسب البطالة في الضفة 48%، أما أرقام البطالة المقنّعة أو الموسمية فقد لامست 68%. ومع غياب هذه المؤسسات، سيعني ذلك أن 4 ملايين فلسطيني على الأقل سيعانون الجوع والفقر وغياب جميع الخدمات الصحية والتعليمية والصحة النفسية، بل وحتى خدمات الإغاثة والمياه والنظافة، كحال المخيمات التي سيُجبر من لم يتركها طوعًا على إخلائها قسرًا.
ويحذر الحاج من أن ما يجري الآن هو «بالونات اختبار» لرصد المواقف المحلية الفلسطينية، والإقليمية العربية والإسلامية، وحتى الدولية، ليتبعها ما هو أسوأ وأشد خطورة، لافتًا إلى أن أرقامًا غير رسمية وتوقعات تشير إلى أن عدد الأسر التي هاجرت بفعل الظروف القاسية يقارب 50 ألف أسرة في الضفة الغربية، نتيجة الغلاء المعيشي المتواتر والمستمر في الكهرباء والغذاء والطاقة والمياه، في حين تدر شركات، مثل شركات الاتصالات والبنوك، أرباحًا خيالية لبلد صغير مثلنا، مع الإشارة إلى أن الهجرة لدى العدو مرتفعة أيضًا.
ويرسم الحاج سيناريو متفائلًا بحذر للمشهد القادم، بشروط معقدة تكاد تكون مستحيلة؛ أولها أن ينفذ ترامب ما وعد به من انسحاب من غزة، مع شروط إعادة إعمار تشكل بحبوحة للاقتصاد، وهو الشرط الأساس لهذا السيناريو، وثانيها لحجم الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية في الضفة، مع تنفيذ حقيقي للوحدة الوطنية الفلسطينية، وإعادة ضبط المال العام والإدارة العامة للمؤسسات العامة وفق قواعد الشفافية والنزاهة، وصولًا إلى إصلاحات دستورية تضمن عدم التفرد بالوظائف والمناصب العليا، بما يخلق بيئة فاسدة ذات آثار كارثية.
فيما يجزم المحلل والخبير الاقتصادي نصر عبد الكريم بأن هذه الخطوة تمثل حرمانًا من مقومات الصمود، وإغلاقًا لما تبقى من نوافذ الحياة للشعب الفلسطيني في احتياجاته الأساسية، ليس فقط فيما تقدمه هذه المؤسسات من خدمات، وإنما أيضًا بحرمان السوق من السيولة التي يحصل عليها العاملون في هذه المؤسسات.
بدوره، يقول الأمين العام للمبادرة الوطنية الفلسطينية مصطفى البرغوثي إن القرار خطير للغاية، إلا أنه ليس سوى حلقة في سلسلة إجراءات ضد كل من يقدمون الدعم الإنساني لشعبنا في صموده؛ فالمؤسسات الإنسانية تُهاجَم وتُمنَع الآن، بعد أن هوجمت الوكالة الدولية «الأونروا»، وبعد الهجوم على المؤسسات الوطنية الفلسطينية، والهدف الأول هو تحطيم الشريان الرئيسي والوحيد الذي يُبقي شعبنا على قيد الحياة في غزة.
ويضيف البرغوثي بأن الهدف الثاني هو تغيير الواقع، فهذه أراضٍ محتلة وليست إسرائيلية، وهذا القرار يعني اعتبارها جزءًا من إسرائيل وليست محتلة. كما أن الهدف الثاني يتمثل في إخراج هذه المؤسسات من القدس تحديدًا، لأنها تعكس حقًا فلسطينيًا هناك، إضافة إلى تغييب هذه المؤسسات عن نقل الإبادة والجرائم في قطاع غزة، بعد أن مُنعت الصحافة الأجنبية من دخوله.
ويؤكد وكيل وزارة الخارجية، السفير عمر عوض الله، أن إسرائيل لا سيادة لها على الأراضي الفلسطينية المحتلة، لأنها دولة فلسطين، وهذه المؤسسات تحصل على تراخيصها من دولة فلسطين، ونحن نرحب بها هنا ونؤكد على أهمية وضرورة عمل هذه المؤسسات في الأراضي الفلسطينية، خاصة في ظل حرب المجاعة، والدور المهم لهذه المؤسسات الإنسانية والإغاثية في إغاثة شعبنا.
ويلفت إلى أن السلطة الفلسطينية تتواصل مع المجتمع الدولي والأطراف الدولية لرفض هذه الخطوة، وحث إسرائيل على التراجع عنها، لما لهذه المؤسسات الإنسانية والدولية من دور مهم في إغاثة شعبنا، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة من قبل إسرائيل تمثل مخالفة واضحة لفتوى محكمة العدل الدولية حول التزامات إسرائيل تجاه المنظمات الدولية والإنسانية وأطراف العمل الثالثة و«الأونروا»، حيث تقوم إسرائيل ذاتها، عبر مؤسسات تدّعي أنها دولية، على سبيل المثال، بالهجوم على شخصيات مهمة مثل فرانشيسكا ألبانيزي، المقررة الأممية لحقوق الإنسان في فلسطين.
الإدانات
وفي بيان مشترك، قال وزراء خارجية المملكة المتحدة وفرنسا وكندا والدنمارك وفنلندا وآيسلندا واليابان والنرويج والسويد وسويسرا إن المنظمات غير الحكومية الدولية تُعد جزءًا لا يتجزأ من الاستجابة الإنسانية في غزة، وإن أي محاولة لعرقلة عملها «غير مقبولة، وبدونها سيكون من المستحيل تلبية جميع الاحتياجات العاجلة بالحجم المطلوب».
وقالت حاجة لحبيب، منسقة الشؤون الإنسانية في الاتحاد الأوروبي، إن «خطط إسرائيل لمنع المنظمات غير الحكومية الدولية في غزة تعني منع وصول المساعدات المنقذة للحياة، ولا تترك مجالًا للشك؛ يجب أن تصل المساعدات إلى المحتاجين».
وحذرت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) من أن هذه القيود (تعليق عملها) «تأتي في أعقاب تشريعات مناهضة للأونروا، وتشكل جزءًا من نمط مقلق من تجاهل القانون الدولي الإنساني وفرض عوائق متزايدة أمام عمليات الإغاثة، إنها سابقة خطيرة».
وقالت المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، إن «تعليق إسرائيل لوصول العديد من وكالات الإغاثة إلى غزة أمر شائن، بما في ذلك حظر إسرائيل لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)».
ووصف فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، تعليق عمل المنظمات غير الحكومية الدولية بأنه «شائن» و«تعسفي»، و«يزيد من سوء الوضع الذي لا يُطاق بالنسبة لسكان غزة».
وأكد مركز الميزان لحقوق الإنسان أن هذا التسلسل في استهداف المنظمات المحلية والدولية لا يمكن فصله عن بعضه، بل يشكل دليلًا جليًا على وجود خطة مُعدّة مسبقًا تهدف إلى تفكيك كل البنى الداعمة لوجود الشعب الفلسطيني وصموده في سياق الإبادة الجماعية المستمرة، ويعكس سعيًا منظمًا لإفراغ الأرض الفلسطينية من أي حماية إنسانية أو حقوقية، وعزل السكان المدنيين، وطمس قضيتهم عبر استهداف كل من يعمل على حمايتهم أو تقديم الخدمات لهم، وتعميق معاناتهم وحرمانهم من حقهم في المساعدة الإنسانية.
ويشدد المركز على أن حماية العمل الإنساني ليست مسألة إجرائية أو تقنية، بل واجب قانوني وأخلاقي لا يجوز التلاعب به أو إخضاعه للاعتبارات السياسية.




