هيئة التحرير
أظهر المؤشّر العربي 2024–2025 أن القضية الفلسطينية ما تزال حية في وجدان الشعوب العربية، وأن محاولات تطبيع الاحتلال أو عزل الشعب الفلسطيني عن محيطه الشعبي لم تنجح على الأقل حتى الآن، وأن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل مأساة إنسانية مفتوحة تتجسد بأقصى صورها في قطاع غزة، حيث الإبادة والنزوح والجوع والعطش وانعدام الدواء، وفي الضفة الغربية حيث الجرائم والاختناق الاقتصادي وانسداد الأفق السياسي.
ويعد المؤشّر العربي الذي يشرف عليه المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات (في الدوحة، قطر) منذ 2011، استطلاعًا سنويًا واسعًا للرأي العام في الدول العربية، يقيس اتجاهات المواطنين في القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، والمؤشّر شمل أكثر من 40 ألف مستجيب في 15 بلدًا عربيًا خلال الفترة الممتدة من تشرين الأول/ أكتوبر 2024 حتى آب/ أغسطس 2025، خصّ فلسطين، وخصوصًا غزة، بجزء وازن من أسئلته، في ظل الحرب الإسرائيلية المستمرة وما خلّفته من آثار كارثية على المجتمع الفلسطيني.
حيث أشار التقرير إلى أن المواطن العربي يؤمن بالديمقراطية لكنه لا يعيشها، يطمح للاستقرار ويكافح للبقاء اقتصاديًا، يرفض الظلم والاحتلال لكنه يفتقد أدوات التأثير، ويعيش فجوة متزايدة بين إرادة الشعوب وأداء الأنظمة، وأنه مؤمن بأن العالم يقف عند مفترق طرق تاريخي: بين ترسيخ أنماط الحكم القائمة، أو الاستجابة المتأخرة لتطلعات مجتمعات لم تتخلَّ بعد عن الأمل.
الفساد الإداري والمالي
وتكشف نتائج المؤشّر العربي 2024–2025 عن صورة شديدة القتامة للوضع الفلسطيني، سياسيًا واقتصاديًا وإنسانيًا، في سياق إقليمي يتسم أصلًا بالهشاشة وعدم الاستقرار، لكن فلسطين – ولا سيما قطاع غزة – تتصدر المشهد بوصفها الحالة الأكثر تدهورًا والأشد مأساوية في العالم العربي، فقد قيم 37% من مستجيبي المشرق العربي، الأوضاع السياسية في بلدانهم على أنها جيدة (جيد جدًا – جيد)، مقابل غالبية ترى أنها سيئة أو غير مستقرة.
وأشار التقرير إلى أن الفلسطينيين، كغيرهم من شعوب المشرق، يرون أن الفساد المالي والإداري منتشر على نطاق واسع، وهي رؤية عبّر عنها 84% من مستجيبي المنطقة العربية عمومًا، مع تسجيل نسب أعلى في المشرق، وأن تطبيق القانون غير متكافئ؛ إذ يرى جزء كبير من المستجيبين أن الدولة تطبّق القانون مع محاباة فئات معيّنة، أو لا تطبّقه بالتساوي أصلًا، وأن الثقة بالمؤسسات الرسمية ضعيفة، باستثناء مؤسسات الأمن، بينما تحظى المجالس التشريعية بأدنى مستويات الثقة، وهي مؤشرات لا تنفصل عن واقع الاحتلال، والانقسام السياسي، وغياب السيادة، وما يفرضه ذلك من اختلالات بنيوية في النظام السياسي الفلسطيني.
الكفاف والعوز سِمتان عامتان
اقتصاديًا، تُظهر بيانات المؤشّر أن فلسطين تقع ضمن البلدان العربية ذات الأوضاع الاقتصادية غير المرضية، حيث إن 41% من المستجيبين العرب عمومًا يعيشون ضمن أسر كفاف (الدخل يغطي الاحتياجات الأساسية فقط دون قدرة على الادخار)، فيما 28% يعيشون في حالة عوز، لا تغطي دخولهم الاحتياجات الأساسية، وباستثناء دول الخليج، فإن غالبية شعوب المنطقة العربية – ومنهم الفلسطينيون – ينتمون إلى فئتي الكفاف والعوز، مع اعتماد متزايد على المعونات، المساعدات، والاقتراض، وأنه في الحالة الفلسطينية، تتضاعف الأزمة بفعل القيود الإسرائيلية على الحركة والعمل، تدمير البنية الاقتصادية في غزة، وتراجع فرص العمل والدخل في الضفة الغربية.
الديمقراطية والمشاركة السياسية.. تأييد نظري وعزوف عملي
على الرغم من الأوضاع القاسية، ينسجم الفلسطينيون مع الاتجاه العربي العام في تأييد الديمقراطية بنسبة 68% من الرأي العام العربي يؤيدون النظام الديمقراطي، و67% يرون أن النظام الديمقراطي التعددي ملائم للتطبيق في بلدانهم، لكن هذا التأييد لا ينعكس مشاركة فعلية، إذ إن فقط 6% من المواطنين العرب منتسبون إلى أحزاب سياسية، 11% أعضاء في جمعيات طوعية، نحو نصف المواطنين لا يرغبون في المشاركة في الانتخابات.
غزة..الكارثة بالأرقام
وفي الاستطلاع الذي نُفّذ في نيسان/ أبريل 2025 داخل قطاع غزة، أظهر أن 93% من المستجيبين أفادوا بأنهم نزحوا من بيوتهم مرة واحدة على الأقل خلال الحرب، 48% في منازل قائمة أو متضررة، 24% في خيام، 13% في مدارس أو مبانٍ عامة،6% في مبانٍ مهجورة أو غير مكتملة، 6% في كراجات أو مخازن،2% في الشوارع والساحات العامة، 1% في مواقع العمل.
وبينت البيانات انعدامًا شبه كامل لمقومات الحياة حيث إن 64-89% أكدوا عدم وجود كهرباء أو إنترنت أو أدوية، 90% احتاجوا أدوية أو مستلزمات طبية ولم يتمكنوا من الحصول عليها، 85% عانوا الجوع عدة مرات خلال الحرب، 81% لم يجدوا مياهًا صالحة للشرب في عدة مناسبات، 46–57% من المستجيبين أفادوا بأنهم كانوا شهودًا على حالات اضطر فيها أشخاص إلى الرجاء والتوسل للحصول على طعام أو ماء.
وشدد المؤشر على أن هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن أزمة إنسانية، بل عن تفكك كامل للمنظومة المعيشية في قطاع غزة.
فلسطين في الوعي العربي هي قضية مركزية لم تسقط
رغم محاولات التهميش والتطبيع، تظهر نتائج المؤشّر أن80% من الرأي العام العربي يعتبرون القضية الفلسطينية قضية العرب جميعًا، 87% يرفضون الاعتراف بإسرائيل، لأسباب تتعلق بطبيعتها الاستعمارية والعنصرية والتوسعية، وليس لأسباب دينية أو ثقافية.
كما يرى 84% من العرب المشاركون أن سياسات إسرائيل تهدّد أمن المنطقة العربية، 77% يرون بأن السياسات الأميركية تشكّل تهديدًا لاستقرار المنطقة، وفي سياق الحرب على غزة عبر 87% من العرب عن شعور بضغط نفسي مباشر بسبب الحرب، 70% يتابعون أخبارها باستمرار.
وعبر المستطلعون عن تقدير واسع لموقف جنوب أفريقيا، ولا سيما رفعها دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية، حيث رأى 83% من العرب أن هذه الخطوة رفعت معنوياتهم، وأيّد 70% تطوير العلاقات العربية مع جنوب أفريقيا.
صورة بانورامية للعالم العربي
يعكس المؤشّر العربي 2024–2025 واقعًا عربيًا متناقضًا، تتجاور فيه تطلعات الشعوب للديمقراطية والكرامة مع أزمات سياسية واقتصادية وإنسانية عميقة، وتفاوت حاد بين الأقاليم.
على المستوى العام، يرى 57% من المواطنين العرب أن بلدانهم تسير في الاتجاه الصحيح، مقابل 37% يعتقدون أنها تسير في الاتجاه الخاطئ، وغالبًا لأسباب اقتصادية وسياسية وسوء إدارة. ويبرز الخليج العربي بوصفه الإقليم الأكثر رضا عن الأوضاع السياسية والاقتصادية، في حين تسجّل بلدان المشرق ووادي النيل أدنى مستويات الرضا والاستقرار.
اقتصاديًا، تكشف النتائج أن الأغلبية الساحقة من العرب تعيش تحت ضغط معيشي دائم؛ إذ تقع معظم الأسر ضمن فئتي الكفاف أو العوز، مع اعتماد واسع على المعونات والاقتراض، باستثناء محدود في دول الخليج. ويؤكد المواطنون في مختلف الدول أن الأوضاع الاقتصادية تمثل التحدي الأكبر أمام الاستقرار الاجتماعي.
سياسيًا، تسود ثقة جزئية بالمؤسسات الأمنية مقابل ضعف الثقة بالمؤسسات التشريعية والتنفيذية والقضائية، مع شبه إجماع (84%) على أن الفساد المالي والإداري منتشر ولم يشهد تراجعًا ملموسًا منذ عام 2011. كما يرى جزء كبير من المواطنين أن القانون لا يُطبّق بالتساوي وأن الدولة تحابي فئات بعينها.
رغم ذلك، لا يزال التأييد الشعبي للديمقراطية مرتفعًا؛ إذ يؤيدها نحو ثلثي المواطنين العرب ويعتبرونها النظام الأفضل، لكن هذا التأييد يصطدم بواقع عزوف سياسي واسع، وضعف المشاركة الحزبية والانتخابية، وشعور محدود بالقدرة على التأثير أو محاسبة الحكومات.
إنسانيًا، يبرز التقرير مناطق حرب وانهيار شامل، خصوصًا في غزة والسودان وسورية ولبنان، حيث النزوح الواسع، وتراجع الخدمات الأساسية، وانعدام الأمن الغذائي والصحي. وتمثل غزة الحالة الأشد قسوة من حيث حجم النزوح والجوع وانهيار البنية الحياتية.
إقليميًا، يُظهر المؤشّر أن القضية الفلسطينية ما زالت قضية مركزية للعرب، مع رفض شبه إجماعي للتطبيع والاعتراف بإسرائيل، وإجماع واسع على أن إسرائيل والولايات المتحدة تمثلان أكبر تهديد لأمن المنطقة. كما تعكس النتائج تصاعدًا ملحوظًا في المشاعر السلبية تجاه السياسات الأميركية خلال العقد الأخير.
رقميًا، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي المصدر الأهم للأخبار والتفاعل السياسي، لكن مع تراجع الثقة بالمحتوى المتداول، وشعور متزايد بالمراقبة، وتنامي القلق من التلاعب بالرأي العام.




