محمد عبد الله
دخل قرار بقانون رقم (4) لسنة 2026 بشأن خفض استخدام النقد حيّز التنفيذ بعد نشره في العدد (235) من الجريدة الرسمية “الوقائع الفلسطينية”، واضعًا سقفًا واضحًا للتعاملات النقدية عند 30 ألف شيكل أو ما يعادلها بالعملات المتداولة قانونًا.
ويهدف القرار إلى تقليص الاعتماد على “الكاش” وتعزيز أدوات الدفع غير النقدي، بما يرفع قابلية التتبع ويحدّ من المخاطر المرتبطة بتداول النقد خارج القنوات المصرفية.
وينص القرار على حظر الدفع النقدي في أي معاملة تتجاوز 30 ألف شيكل، على أن يتم السداد عبر وسائل دفع غير نقدية كالحوالات المصرفية أو أدوات الدفع الإلكتروني.
ويُعد هذا السقف حجر الزاوية في التشريع الجديد، إذ ينقل الصفقات الكبيرة إلى المسار المصرفي/الإلكتروني القابل للتتبع، ويعزز الامتثال الضريبي ويقلل من تكدّس السيولة النقدية في السوق.
كما منح القرار سلطة النقد الفلسطينية صلاحية تعديل السقف بقرار يصدر عنها بعد التنسيق مع وزارة المالية، بما يتيح مرونة في التعاطي مع المتغيرات الاقتصادية.
وخوّل سلطة النقد كذلك، بالتنسيق مع وزارة المالية ووزارة الاقتصاد الوطني، إصدار تعليمات برفع مؤقت للسقوف في حالات الأزمات والطوارئ أو لفئات محددة، وتنظيم سقوف السحب والإيداع وتبديل العملة، ووضع حدود للمعاملات التي يكون موضوعها نقدًا، وتنظيم تداول وتظهير الشيكات ومواصفاتها، وتحديد معاملات يجب أن تتم حصرًا عبر وسائل الدفع غير النقدي.
اقتصاديًا، يُتوقع أن يعيد القرار تشكيل سلوك المدفوعات، لا سيما في قطاعات السيارات والعقارات والتجارة بالجملة والخدمات ذات الفواتير المرتفعة، حيث سيغدو التحويل المصرفي أو الدفع الإلكتروني المسار الإلزامي للصفقات التي تتجاوز السقف المحدد.
ويُرجّح أن يسهم ذلك في توسيع القاعدة الضريبية وتحسين كفاءة الرقابة المالية، لكنه يطرح تحديات أمام الأنشطة الأقل ارتباطًا بالنظام المصرفي، ما يفسر تضمين القرار مهلة لتصويب الأوضاع واستثناءات اجتماعية محددة.
الخبير الاقتصادي شادي حمد يرى بأن المتضررين المحتملين يشملون الاقتصاد الموازي، وبعض التجار والمستثمرين من زاوية الانكشاف الضريبي، إضافة إلى فئات لا تتعامل مع البنوك أو مُنعت من فتح حسابات مصرفية. كما يشير إلى مخاوف تتعلق بالخصوصية واحتمال ارتفاع الأسعار مستقبلًا نتيجة زيادة الأعباء الضريبية، فضلاً عن التخوف من تجميد حسابات بما يقيّد الوصول إلى الأموال.
في المقابل، يُتوقع حمد أن تستفيد الجهات الضريبية من توفر بيانات أدق حول الحركات التجارية، كما قد ترتفع كثافة العمليات والعمولات لدى البنوك، وتتسع أدوات الرقابة المالية محليًا ودوليًا. وبين كفتي المنافع والمخاوف، يبقى نجاح القرار مرهونًا بمرونة التطبيق، وتوسيع الشمول المالي، وبناء ثقة الجمهور ببدائل الدفع غير النقدي.
وفي مقارنة إقليمية، يلفت حمد إلى أن نطاق التطبيق في فلسطين أوسع من بعض التجارب العربية. ففي قطر يقتصر تقييد الدفع النقدي على قطاعات محددة مثل العقارات والسيارات والذهب، وبسقف يقارب 42 ألف شيكل، مع تركيز معلن على مكافحة غسل الأموال.
أما في المغرب، فيرتبط التقييد أساسًا بالمعاملات التجارية ذات الأثر الضريبي، في سياق تعزيز الامتثال الضريبي، دون أن يشمل جميع أشكال التبادل النقدي بين الأفراد.
ويضيف أن الفروقات تمتد إلى طبيعة العقوبات؛ ففي قطر تُفرض غرامات وإجراءات رقابية بحسب القطاع والمخالفة، وفي المغرب تُقدّر الغرامة بنحو 6% من قيمة الصفقة المخالفة مع أثر ضريبي مترتب عليها.
أما في فلسطين فتتراوح الغرامة بين 5% و15% من قيمة المبلغ المدفوع نقدًا بما يتجاوز السقف، ويمكن أن تُفرض على طرفي المعاملة، مع مضاعفتها في حال التكرار، مع استثناء الإعانات والتبرعات ونفقات التنمية الاجتماعية.
وبينما ترى الجهات الرسمية أن القرار خطوة لتنظيم السوق وإدارة سيولة الشيكل، يؤكد حمد أن نجاحه سيعتمد على مرونة التطبيق، وتوسيع الشمول المالي، وضمان عدم إقصاء فئات من النشاط الاقتصادي، بما يحقق التوازن بين الضبط المالي وحيوية السوق.




