مجدي الشريف
حين يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن رؤيته لتحويل قطاع غزة إلى ما يشبه “ريفييرا الشرق الأوسط”، وبعد أن نجحت مساعيه في إخماد نار الحرب في قطاع غزة وعلى الأقل بشكلها السابق، فإنه يطرح تصوراً يقوم على إعادة الإعمار الشامل والاستثمار الكثيف وإعادة تشكيل الساحل الغزي كوجهة سياحية وتجارية مفتوحة، وهذه الفكرة كما تُسوق الإدارة الأميركية الحالية تنطلق من منطق اقتصادي بحت وهو تحسين شروط الحياة وضخ الأموال وخلق فرص عمل وبناء طبقة مصالح جديدة قد تساهم وفق هذا التصور في إنتاج استقرار طويل الأمد، وهذا بالطبع يسير في خط متوازٍ مع عملية إعادة إعمار شاملة للقطاع الذي دمرته حرب العامين.
والحقيقة أن هذه المقاربة ترى في الازدهار بديلاً عن الحرب وفي التنمية أداة لاحتواء الصراع، لكن على الأرض تبدو الصورة أكثر قتامة وتعقيداً، فالمسار الذي تتبعه إسرائيل منذ السابع من أكتوبر يوحي باتجاه مغاير تماماً، لا يقوم على تحويل غزة إلى مساحة جذب وإنما إلى بيئة شديدة القسوة ومنهكة اقتصادياً ومهددة عمرانياً، في ظل استمرار عمليات الهدم الواسعة والنسف اليومية ومنع دخول مواد الإعمار وتقييد دخول المواد الغذائية، إضافة إلى الضغط الإنساني المتراكم لسكان الخيام ومن يعيشون تحت أسقف متهالكة، وبالتالي يجد الغزي نفسه أمام معادلة تصنع واقعاً طارداً للسكان لا حاضناً لهم، وهنا لا يُطرح سؤال التنمية ولكن سؤال القدرة على البقاء.
وفق هذا السياق، تبرز مقاربة غير معلنة لكنها حاضرة في النقاشات الإسرائيلية، وهي إبقاء غزة في حالة هشاشة دائمة كوسيلة ردع، وأيضاً خلق ظروف تدفع نحو الهجرة الطوعية أو النزوح المستمر، فحين تتآكل البنية التحتية وتغيب فرص العمل ويُصبح الأفق السياسي مسدوداً، تتحول الحياة اليومية نفسها إلى عبء ثقيل، والبيئة الطاردة لا تحتاج إلى إعلان رسمي؛ ولكن يكفي أن تتراكم عناصرها ليصبح خيار الرحيل أكثر جاذبية من خيار البقاء، ومن هنا فإن الحديث عن “هندسة التجويع” أو إدارة الضغط الاقتصادي لا يُفهم فقط كأداة عقاب بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي.
كما أن الوقائع التي ينقلها أبناء قطاع غزة العائدين من الخارج بعد أن أسفرت الضغوط الأمريكية عن سماح إسرائيل بفتح معبر رفح لدخول عشرات معدودة من الفلسطينيين يومياً تؤكد ذلك، فنقطة التفتيش الإسرائيلية خارج معبر رفح باتجاه الشمال باتت مركزاً للتحقيق مع العائدين لفهم ما يدفعهم على مثل هذه الخطوة، أي العودة، كما أن التهديدات التي يطلقها الضباط والجنود للفلسطينيين العائدين تحمل ذات التوجه، حيث الوعيد بالهجرة القصرية وبأن مصير سكان القطاع سيكون خارجه، ويضاف إلى ذلك تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش وغيره مراراً ومؤخراً عن احتلال قطاع غزة وإقامة استيطان يهودي فيها، وهي تصريحات لا تعد عابرة أو هرتقات في الهواء، فقد كرّس الأخير مجموعة من الوقائع التي كانت مستحيلة حتى وقت قريب في الضفة الغربية، كما أن هذه الفكرة لها من يؤمن بها ويعمل لأجلها داخل الحكومة الإسرائيلية.
إن هذا التناقض الحاد بين خطاب “الريفييرا” وواقع الإنهـاك يطرح سؤالاً مركزياً، حول إمكانية أن تتعايش رؤيتان متناقضتان إلى هذا الحد داخل التحالف الأميركي الإسرائيلي؟ فمن الصعب تصور أن واشنطن قادرة على فرض مشروع استثماري ضخم من دون موافقة إسرائيلية صريحة، كما يصعب في المقابل أن تمضي إسرائيل في سياسات إفراغ قاسية من دون حساب ردود الفعل الدولية خصوصاً من حليفها الأكبر، لذلك قد لا يكون المشهد صداماً حقيقياً بين رؤيتين بقدر ما هو إدارة مشتركة لمعادلة دقيقة، فالخطاب الأميركي عن إعادة الإعمار وفتح الأفق الاقتصادي يمكن أن يشكل السقف السياسي والدبلوماسي المقبول دولياً ومع الدول الضامنة، بينما تتولى إسرائيل ضبط الإيقاع الميداني وفق أولوياتها الأمنية، بحيث لا تنهار غزة تماماً ولا تتعافى بالكامل.
وفق هذا الإطار لا يبدو الأمر تناقضاً صفرياً ولا انسجاماً كاملاً بل تبايناً في اللغة والأدوات ضمن تقاطع في الحدود النهائية المسموح بها، وهكذا تُدار غزة كملف مفتوح يُحافظ فيه على مستوى منخفض من الاستقرار، يكفي لتفادي الفوضى الكبرى ولا يكفي لإنتاج تحول جذري يعيد تعريف مستقبل القطاع.
غير أن المسألة أعمق من مجرد اختلاف في الأدوات واللغة ولكنها اختلاف في تعريف الهدف النهائي، حيث أن الرؤية الأميركية على الأقل في خطابها تفترض أن غزة يمكن أن تكون جزءاً من منظومة إقليمية منفتحة وأن الاستثمار قادر على تغيير المعادلات، أما الرؤية الإسرائيلية المتشددة فترى أن الأولوية ليست في جعل غزة قابلة للحياة الكاملة وإنما في ضمان ألا تتحول إلى مصدر تهديد، حتى لو كان الثمن بيئة معيشية خانقة.
أي الأفكار ستنجح؟ إذا كان معيار النجاح هو القدرة على فرض الوقائع، فإن من يملك السيطرة الميدانية يمتلك أفضلية واضحة، ولكن إذا كان المعيار هو الاستدامة، فإن تحويل غزة إلى مساحة غير قابلة للحياة يحمل في طياته مخاطر انفجارات دورية لا يمكن احتواؤها إلى ما لا نهاية، كما أن تسويق “ريفييرا” في ظل غياب تسوية سياسية حقيقية قد يتحول إلى مجرد شعار دعائي بلا أساس صلب.
في النهاية، غزة ليست مشروعاً عقارياً يمكن إعادة تصميمه على الورق ولا مجرد ملف أمني يمكن تجميده خلف الأسوار ولكنها مساحة بشرية مكتظة ومحاصرة بين رؤيتين متعارضتين، الأولى تعد بالبحر المفتوح والاستثمار وأخرى تفرض واقعاً يدفع نحو الرحيل الصامت، وهذا طبعاً إذا افترضنا جدلاً أن فكرة الإدارة المشتركة للمعادلة غير قائمة، وما بين الطموح الأميركي والتشدد الإسرائيلي يتحدد المستقبل وفق سؤال حاسم يتمحور إن كان يُراد لغزة أن تكون مكاناً يعيش فيه الناس بكرامة أم أنها ستكون مساحة يُعاد تشكيلها ديمغرافياً تحت ضغط القوة؟ وحتى الآن تبدو الإجابة وكأنها تُكتب على الأرض أكثر مما تُعلن في الخطابات.




