محمد عبد الله
تتسارع تطورات المواجهة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى، وسط مؤشرات على انتقال الصراع إلى مرحلة أكثر خطورة قد تعيد رسم معادلات المنطقة بأكملها.
فمع اتساع رقعة الاستهدافات العسكرية، وارتفاع مستوى القيادات المستهدفة، وتزايد انخراط أطراف إقليمية في المواجهة، تتعدد السيناريوهات المطروحة بشأن مآلات الحرب: هل تتجه الأمور نحو تسوية سريعة تفرضها كلفة المواجهة، أم نحو تصعيد يقود إلى تغيير جذري داخل إيران، أو حتى إلى فوضى إقليمية مفتوحة؟
يرى المختص في الشأن الإسرائيلي عادل شديد أن طبيعة الضربة الافتتاحية للحرب، وحجم الاستهدافات التي طالت مواقع وقيادات إيرانية رفيعة، تشير إلى أن الهدف يتجاوز توجيه ضربة عسكرية محدودة، ليصل إلى محاولة إحداث تغيير جذري داخل النظام الإيراني.
ويشير إلى أن اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، بما يمثله من رمزية سياسية ودينية في إيران والعالم الإسلامي، يحمل دلالة واضحة على أن الاستهداف لم يقتصر على البنية العسكرية، بل طال رأس النظام ذاته، في رسالة مباشرة بشأن طبيعة الأهداف الموضوعة للحرب.
كما أن استهداف قيادات عسكرية وأمنية ومئات المواقع الحيوية يعزز، بحسب التقدير، فرضية أن المسار العسكري يسعى إلى إضعاف النظام إلى حد إسقاطه، وليس فقط إلى تعديل سلوكه أو انتزاع تنازلات منه.
في المقابل، يبدو أن طهران تتعامل مع المواجهة باعتبارها حربًا وجودية، لا مجرد جولة تصعيد عابرة. فإسقاط النظام – إن تحقق – يعني إنهاء المشروع السياسي والعسكري الذي تقوده إيران في الإقليم منذ عقود.
وبحسب شديد، فإن الرسالة وصلت إلى القيادة الإيرانية بوضوح، ولذلك فإن خيار الاستسلام أو القبول بشروط قاسية يبدو مستبعدًا. وبدلًا من ذلك، قد تتجه إيران إلى توسيع رقعة المواجهة بحيث لا تبقى محصورة داخل حدودها الجغرافية، بل تمتد إلى ساحات متعددة في المنطقة.
وقد برزت ملامح هذا التوسع مع انخراط حزب الله في المواجهة، في خطوة تعكس إدراك قوى “المحور” بأن ما يجري يستهدف إنهاء هذا التحالف الإقليمي برمته. فسقوط إيران، وفق هذه القراءة، سيعني تلقائيًا سقوط حزب الله من المعادلة السياسية والعسكرية في المنطقة.
وفي ظل حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن احتمال استمرار الحرب لأسابيع، تبرز تساؤلات حول مدى واقعية هذا التقدير.
يشير شديد إلى أن إسقاط نظام بحجم النظام الإيراني ليس مسألة زمنية قصيرة، إذ يمتلك هذا النظام بنية مؤسساتية راسخة، وقاعدة اجتماعية وسياسية ممتدة، وأدوات أمنية وعسكرية متشعبة.
ويضع ثلاثة سيناريوهات نظرية لإسقاطه:
استسلام مباشر، وهو احتمال ضعيف.
انقلاب أو انشقاقات داخلية واسعة، وهي مؤشرات لا تبدو متوفرة حالياً.
تدخل بري أميركي وغربي مباشر، وهو خيار عالي الكلفة والتعقيد، ويبدو غير مرجح في المرحلة الراهنة.
وعليه، فإن الرهان على انهيار سريع للنظام خلال فترة قصيرة قد لا يستند إلى معطيات واقعية، بل يدخل في إطار الضغط السياسي والنفسي.
أمام هذا المشهد، تتراوح السيناريوهات بين مسارين رئيسيين، بحسب عادل شديد:
المسار الأول: إنهاء الحرب سريعًا إذا ما تحولت إلى عبء مكلف على جميع الأطراف، بما يفتح الباب أمام تسوية توقف القتال دون تحقيق هدف إسقاط النظام.
المسار الثاني: الذهاب نحو نهاية مفتوحة قد تؤدي إلى تدمير واسع للدولة الإيرانية وحدوث فوضى داخل إيران والمنطقة.
ويرى شديد أن هذا الخيار قد يكون منسجمًا مع رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، القائمة – وفق تقديره – على تفكيك مراكز القوة في المنطقة وتحويل الدول الكبرى إلى كيانات أضعف أو أنظمة لا مركزية، في حين قد تتحفظ الولايات المتحدة على سيناريو الفوضى الشاملة لما يحمله من تداعيات غير قابلة للضبط.
منذ بدء الهجوم العسكري الواسع، سقط مئات القتلى في إيران، بينهم قيادات سياسية وأمنية بارزة، فيما ردّت طهران بإطلاق صواريخ ومسيّرات باتجاه إسرائيل، واستهدفت قواعد ومصالح أميركية في دول عربية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وأضرار في منشآت مدنية.
وتتهم واشنطن وتل أبيب إيران بامتلاك برنامجين نووي وصاروخي يشكلان تهديداً لإسرائيل ولدول حليفة للولايات المتحدة، بينما تؤكد طهران أن برنامجها النووي سلمي ولا تسعى إلى إنتاج سلاح نووي.
وبين التصعيد المتبادل والرهانات المتعارضة، تبدو المنطقة أمام مرحلة مفصلية، حيث لم يعد السؤال ما إذا كانت الحرب ستتوسع، بل إلى أي مدى يمكن احتواؤها قبل أن تتحول إلى مواجهة إقليمية شاملة تتجاوز حدود إيران وإسرائيل إلى ساحات أوسع وأكثر تعقيدًا.




