أسماء المسالمة
في أرضٍ يَصدحُ فيها صوت الأذان إلى جانب جرس الكنيسة، لا يفرق الاحتلال بين من يُصلي في المسجد ومن يُصلي في الكنيسة، يعيش الفلسطينيون ألمًا واحدًا وكرامة واحدة تُسلب في كل لحظة وشبر من أرض فلسطين.
“طول ما فينا نفس ما رح نتخلى عن هذه الأرض”، جملة اتفق عليها كل من فريد حمامدة وأليس قيسية، مؤكدين على حقهم في أرضهم واستعدادهم للموت لأجلها.
فريد الرجل الأربعيني والمواطن البسيط الذي يسكن منطقة “فاتح سدره” إحدى المناطق التابعة لمسافر يطا جنوب محافظة الخليل، وأليس الشابة الثلاثينية الشجاعة التي تعيش في بيت جالا، وتملك هي وعائلتها أرضًاً في منطقة المخرور غرب محافظة بيت لحم، يتعرض كلاهما لانتهاكات واعتداءات واحدة تتمثل بمحاولات من مستوطني الاحتلال الإسرائيلي بالاستيلاء على أرضهم وممتلكاتهم.
تاريخٌ من الجذور والصمود
“هذه الأرض كانت خراب واحنا عمرناها” بملامحه الصامدة وصوته الذي يُشعرك بالثبات والقوة يروي فريد تاريخه في منطقة فاتح سدره ويؤكد تاريخ أجداده بهذه الأرض وحقه في العيش بها بأمانٍ واستقرار.
تعد منطقة فاتح سدره إحدى مناطق مسافر يطا المهددة بالمصادرة من قبل سلطات الاحتلال ومستوطنيه، وتبلغ مساحتها حوالي ثلاثة آلاف دونم، وتقع بين مناطق (حوارة، عرب زويدين، أم الخير) وتحاصرهم مستعمرة “كرمئيل” وبيوت الدجاج التابعة للمستوطنة، وشارع التفافي خاص بها ومنذ حوالي العامين جاء المستوطن “شمعون” ليُضيّق الخناق أكثر على فريد حمامدة وعائلته في منطقة فاتح سدره.
يحدثنا فريد عن كيف قام أجداده بتعمير أرض فاتح سدره بحراثتها وزراعتها بالقمح والشعير والزيتون قبل أكثر من 30 عامًا، وأين كان جده وجدته يتناولون طعام السحور في رمضان، وكيف كان جده ينصح والده بعدم التخلي عن هذه الأرض، وأن “الأرض هي العِرض”، وكيف كان ووالده يرعون أغنامهم، وكيف أكملوا الاعتناء بها وزراعتها كل عام، فيقسم فريد بعدها بغلاوة هذه الأرض على قلبه، وأنه مستعد ليرويها بدمائه في سبيل البقاء فيها وحمايتها وعدم التنازل عنها.
من جهة أخرى تقف أليس قيسية على مقربة من أرضها في المخرور، وبعيون يملؤها الحنين والعزيمة تبدأ بتذكر طفولتها التي عاشتها على الأرض التي حاول المستوطنون وبحماية سلطات الاحتلال الإسرائيلي الاستيلاء عليها.
تصف شعورها اتجاهها فتقول: “الأرض هي بيتي وذكرياتي وحياتي وطفولتي، وكل شيء بالأرض بيربطني فيها، من طبيعتها لترابها لزيتونتها وذكرياتي مع أهلي وأصدقائي وجيراني فيها”.
أرض عائلية قيسية عاش فيها الجد والأب، وأليس منذ سنين طويلة، أسسوا فيها مطعم عُرف واشتهر باسم “مطعم المخرور” وبعده بسنوات قاموا ببناء مزرعة للعائلة إلى جانب المطعم، لكن الاحتلال لم يعجبه ما قامت به العائلة لتثبيت جذورها بالأرض وبحجة البناء غير المرخص وغير القانوني هدموا المطعم أربع مرات وبالمرة الرابعة هُدمت المزرعة معه.
بدأت عمليات الهدم منذ عام 2012، واستمرت لعام 2019، لكن أليس وعائلتها لم يستسلموا ونصبوا خيمة بالأرض، وعاشوا فيها مدة خمس سنوات وخلال هذه السنوات هدم الاحتلال الخيمة لمنع صمود العائلة في أرضها، وفي المرة الأخيرة اقتحم المستوطنون بحماية شرطة الاحتلال الأرض، ومنعوا إقامة الخيمة داخل الأرض بحجة أن الأرض منطقة عسكرية مغلقة.
لكن ذلك كله زاد إصرار أليس على حماية أرضها وإرجاعها، فأقامت بمشاركة نشطاء وصحافيين ورجال دين مسيحيين ومسلمين خيمة اعتصام لمدة 40 يومًا ومظاهرات سلمية، حتى انتزعت حق إخراج المستوطنين من أرضها.
اعتداء واعتقال متكرر
ببيت مكون من طابقين، ويعيش فيه أربعة عشر شخصًا يعيش فريد حمامدة وضعًا مأساويًا، فكل لحظة تمضي على فريد وعائلته تكون مليئة بالخوف وعدم الأمان؛ بسبب محاولات اقتحام المستوطنين للبيت والاعتداء على من فيه، يصف فريد شعوره بذلك: “تخيلي واحد يبقى في داره مش آمن، لا مأمن على بيته ولا على غنمه ولا أولاده ولا حتى على حاله، توقعي كل شيء من المستوطنين في أي لحظة يهجمون على الدار، وعلى اعتقالات وضرب”.
يجلس فريد فوق سطح منزله مختبئًا بزاوية، حتى يستطيع التقاط شبكة إنترنت والحديث معنا، يقابله شمعون المستوطن مترقبًا تحركات فريد وعائلته، هنا يستذكر فريد يوم السبت الماضي، حين هجم شمعون برفقة مجموعة من المستوطنين الصغار البيت، وبدأوا برمي الحجارة على أهل البيت وإلقاء عبارات الشتيمة والكلام البذيء.
وأكد على أن جيش الاحتلال قبل أيام اقتحم عليهم البيت، وعلى جيرانه في عرب زويدين وام الخير، ووجهَ إنذارات لهم بعدم التعرض لشمعون وحاشيته من المستوطنين، وعدم رد الإساءة إليه كما يسيء هو لفريد وغيره من الفلسطينيين المقيمين بمناطق المسافر، وعليهم تحمل إساءة شمعون وضربه لهم!.
يصف فريد الحال الذي وصل له وعائلته إلى درجة خوفهم الخروج من بيتهم ورعي أغنامهم، حتى عندما يذهبون لشراء حاجياتهم يبقون قلقين متوترين خشية هجوم المستوطنين على البيت في أثناء غيابهم عنه لفترة وجيزة.
تعرض فريد حمامدة للاعتقال مرتين، واحتجز لأكثر من 14 يومًا مع دفع غرامات مالية تقدر ب10 آلاف شيكل.
كذلك لم تسلم أليس قيسية من الاعتقال أيضًا، فتبين أنها اعتقلت مرتين إحداها برفقة والدتها، ولكن لعدم اكتفاء الأدلة تم تبرأتها وإخراجها مع دفع غرامة مالية، كما تعرضت أليس لاعتداءات مماثلة من قبل المستوطنين بحماية شرطة الاحتلال الإسرائيلي، وفي كل اعتداء كانت أليس بكل قوة وصمود تقف بوجوه المستوطنين، تحاول إخراجهم من أرضها.
وأوضحت أنها ما زالت تتعرض لتهديدات كثيرة من قبل المستوطنين كما تعرضت في إحدى المرات لمحاولة خطف، لكنها نجت منها، ورغم ذلك كله تقول أليس: “بعد الاعتداءات صرت أقوى، وزادت عزيمتي لحماية الأرض، والحمد الله بعز الحرب قدرنا نثبت أنه نحن أقوياء وهم ضعاف وقدرنا نحمي أنفسنا وأرضنا”.
“كلنا متوحدون على الإنسانية”
في أحد الأيام حضر مجموعة من المتضامنين الأجانب إلى بيت فريد بمحاولة منهم لشد عزيمته وتثبيت صموده في أرضه، يومها يتذكر فريد كيف قام هؤلاء الأجانب واتحدوا سويًا، وجمعوا مبلغًا من المال وقاموا بإعطائه لفريد لدفع ثمن تنك المياه الذي جاءه، ويقسم فريد أن مجرد قدوم هؤلاء الأجانب إليه ودعمهم له هو هدية كبيرة له ودفعة قوية لتثبيت صموده في أرضه.
كما استذكر فريد موقفًا في إحدى حالات اعتقاله، خلال نقله إلى مركز التحقيق حاول أحدهم التربيت على كتفه والتعرف على اسمه بالإشارة إليه بالسؤال باللغة الإنجليزية، لكن فريد حينها اعتقد أن أحد جنود الاحتلال يسخرون منه كونه كان معصب العينين واليدين، لكن المفاجأة حين وصل للمركز، ونزل من الجيب العسكري ليتفاجأ باعتقال نشطاء أجانب برفقته ويقسم هنا: “والله في صبية أجنبية كانت تصيح عليّ لما شافت حالتي والدم نازل من راسي وإيدي”، ويصف لقاءه التالي بهذه الصبية في يومٍ آخر حينها أخبرته أنها لم تنسَ مظهره خلال الاعتقال، وكل ليلة يخطر على بالها قبل أن تنام.
يؤكد فريد على أن ما يحرك هؤلاء الأجانب هو إنسانيتهم، كما أن الاحتلال لا يفرق بين مسلم ومسيحي وعربي وأجنبي، وأننا جميعاً هدفاً مشروعاً لهم: “وكلنا متوحدون على الإنسانية”.
“قدرنا نثبت كمسيحيين ومسلمين ويهود قادرين نكون مع بعض، ونعيش مع بعض بسلام” بهذه الجملة أكدت أليس على أن الفلسطيني بمختلف أطيافه قادر على العيش بسلام بغض النظر عن الدين فالأمر المحرك للفلسطيني هي المبادئ والإنسانية والجميع هنا يرفض سياسة الاحتلال الإسرائيلي كما يرفض انتهاكاته.
كما تؤكد أليس على أن المحتل حاول أن يخرج المسيحي خارج الصراع حتى يكون عندهم حجة أكبر للاعتداء على الفلسطينيين، لكن ما حدث مع أليس وعائلتها أثبت أن الاحتلال لا يفرق بين مسيحي أو مسلم أو حتى يهودي: “حتى اليهودي اللي كان معنا هون تعرض للاعتداء والاعتقال والسياسة هذه على الكل وما بتميز بين دين ولون أو عرق”.
استيطان ممتد وتصاعد لهجمات المستوطنين
بعد السابع من أكتوبر عام 2023 تزايدت اعتداءات جيش الاحتلال ومستعمريه على الفلسطينيين وتحديدًا المتواجدين في مناطق التجمعات البدوية منها: مسافر يطا، وبحسب هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن الاحتلال والمستعمرين نفذوا بعد السابع من أكتوبر، ما مجموعه 38359 اعتداء، ونفذ المستعمرون ما مجموعه 7154 اعتداء، تركزت في محافظات نابلس بـ 1688 اعتداء، ومحافظة الخليل بـ 1504 اعتداءات، وتسببت هذه الاعتداءات باستشهاد 33 مواطنًا فلسطينيًا على يد مستعمرين.
وطالت هذه الاعتداءات أراضي وممتلكات وحيوات الفلسطينيين، مستغلة ظروف الحرب والإبادة الذي تشنه على قطاع غزة، وفي كل أماكن الوجود الفلسطيني من أجل فرض وقائع جديدة على الأرض وتفتيت الجغرافية الفلسطينية.
اليوم، ما زال فريد حمامدة صامدًا في أرضه في فاتح سدره رغم تهديدات المستوطنين وتهميش المؤسسات الرسمية، فيما تواصل أليس قيسية معركتها القانونية لاستصدار قرار نهائي يمنع المستوطنين من دخول أرضها في المخرور.
على هذه الأرض التي خرجت منها الرسالات السماوية لنشر السلام، لا يزال الإنسان الفلسطيني يبحث عن سلامٍ لا يحتله أحد.




