loading

هكذا تُحشر الأزمات العالمية في جرة الغاز الفلسطينية

جيفارا سمارة

لم تبدأ أزمة الغاز الفلسطينية مع أزمة الغاز القطري والمؤكد أنها لن تنتهيِ معها، فالأزمة هنا بنيوية تعمقت مع إغلاق حقول شرق المتوسط، ثم تضاعفت مع الصدمة القطرية وارتفاع المؤشرات الأوروبية، فالزلزال العالمي كشف ضعف السوق الفلسطينية ووسّعه، وأعاد التأكيد أن نقطة الارتكاز الحقيقية ليست مستوى فنيًا في عقود الغاز، بل قدرة الاقتصاد المحلي على ضمان استمرارية التوريد وحماية المستهلك من تقلبات لا يملك من قرارها شيئًا.

ومع تصاعد التوترات الأمنية في شرق المتوسط، جرى تعليق الإنتاج احترازيًا في حقلي Leviathan وKarish، وهما من الركائز الأساسية لإمدادات الغاز في المنطقة.

 الطاقة الإنتاجية التقديرية لهذين الحقلين تتجاوز معًا 18 مليار متر مكعب سنويًا، وإسرائيل تعتمد على الغاز الطبيعي في توليد أكثر من 70% من كهربائها. كذلك استوردت مصر قرابة 10 مليارات متر مكعب من الغاز الإسرائيلي في عام 2025 لإعادة التسييل أو للاستهلاك المحلي. أي اضطراب في هذين الحقلين لا يبقى محليًا، بل يعيد توزيع الضغط على كامل منظومة شرق المتوسط.

بمجرد توقف الإمدادات أو تعطلها جزئيًا، تتأثر شبكة الكهرباء الإسرائيلية من حيث الكلفة والمخاطر السعرية، وتفقد مصر جزءًا من وارداتها، وتدخل السوق الفورية للغاز المسال لتعويض النقص. هذه الحركة وحدها تزيد الطلب العالمي قبل أن تقع الصدمة الكبرى. لذلك عندما أُعلن في 2 مارس 2026 عن توقف إنتاج الغاز الطبيعي المسال في قطر إثر استهداف منشآت صناعية، لم يكن السوق العالمي مستقرًا أصلًا. 

قطر تمثل نحو 12% من صادرات الغاز المسال عالميًا، وسحب ما يقارب 1.5 مليون طن أسبوعيًا من السوق – أي ما يعادل نحو 2.2 مليار متر مكعب – شكّل صدمة عرض حادة. يمر عبر مضيق هرمز ما بين 20% و25% من تجارة الغاز المسال، ومع ارتفاع المخاطر الجيوسياسية قفز مؤشر TTF الأوروبي بأكثر من 50% خلال التداولات، واستقر لاحقًا فوق 55 يورو لكل ميغاواط/ساعة، في وقت كانت فيه مخزونات أوروبا عند حدود 43% فقط بعد شتاء بارد، أي أقل من متوسطها الموسمي المعتاد.

لكن هذه الفجوة لم تعنِ شيئًا للسوق الفلسطينية التي لا تملك “جزيرة وفرة” تحتمي بها، بل ترتبط عضويًا بسعر الطاقة في إسرائيل. الضفة الغربية تعتمد شبه كليًا على الكهرباء المشتراة من الجانب الإسرائيلي، وأي ارتفاع في تكلفة الغاز المستخدم في التوليد ينتقل تدريجيًا إلى تعرفة الكهرباء، ثم إلى تكاليف الإنتاج الصناعي، ثم إلى أسعار السلع والخدمات. في اقتصاد يعاني أصلًا من انكماش، وضعف سيولة، واعتماد مرتفع على الواردات، يصبح ارتفاع الطاقة مضاعفًا للتضخم لا مجرد زيادة عابرة في فاتورة.

إلى جانب الغاز المستخدم في التوليد، تعيش الضفة الغربية أزمة متكررة في توريد غاز الطهي (LPG)، وهو قطاع يعتمد عمليًا على المورد الإسرائيلي. الكميات المتاحة ترتبط بتسويات مالية وتدفق سيولة، وأي توتر سياسي أو ضغط أمني يتحول سريعًا إلى تقنين في الكميات أو تأخير في التوريد. 

مع تحول الغاز عالميًا إلى أداة جيوسياسية بعد أزمة قطر، أصبحت الأولوية لتأمين الاحتياجات الداخلية للدول المنتجة أولًا، ما يجعل سوقًا صغيرة ومعتمدة بالكامل مثل السوق الفلسطينية في نهاية سلسلة الإمداد. هكذا يتحول الشح إلى انقطاع متكرر، ويتحول ارتفاع السعر العالمي إلى عبء مباشر على الأسر والمخابز وورش الصناعات الغذائية الصغيرة.

عندما ترتفع المؤشرات الأوروبية بنسبة تتجاوز 50%، لا يعني ذلك أن السعر المحلي يرتفع بنفس النسبة فورًا، لكن كلفة الاستيراد للدول المعتمدة على السوق الفورية ترتفع، وكلفة النقل والشحن ترتفع، وكلفة الطاقة في سلاسل الإنتاج ترتفع. 

في سوق منخفض الدخل ومتراجع القدرة الشرائية، لا تحتاج الزيادة إلى أن تكون “قياسية” حتى تكون مؤلمة؛ يكفي أن تصيب نظامًا اقتصاديًا يفتقر إلى هوامش الامتصاص. لذلك لم يكن “زلزال 2026” حدثًا طارئًا على اقتصاد مستقر، بل صدمة إضافية لاقتصاد يعاني اختلالًا هيكليًا في الطاقة.

وسط هذا المشهد تبرز المفارقة المرتبطة بحقل Gaza Marine قبالة الساحل الفلسطيني، والمقدَّر احتياطيه بنحو تريليون قدم مكعب. هذا الحجم لا يجعل فلسطين لاعبًا عالميًا، ولا يعوض 12% من صادرات الغاز المسال القطرية، لكنه كان قادرًا على تغطية احتياجات محطة كهرباء غزة لسنوات، وتقليص فاتورة الاستيراد، ومنح هامش سيادة طاقية محدود. غيابه يعني أن فلسطين تدخل كل دورة اضطراب عالمي بوصفها متلقّيًا خالصًا للتقلبات، لا فاعلًا يملك أدوات تخفيف المخاطر.

ما كشفته أحداث 2026 هو أن الغاز لم يعد مجرد سلعة تخضع لقانون العرض والطلب، بل أصبح أداة ضغط جيوسياسي، وأن خطوط الأنابيب ومحطات التسييل يمكن أن تتحول إلى نقاط اشتباك، وأن الأسواق الفورية تسرّع انتقال الصدمات عبر القارات.

 أوروبا واجهت ارتفاعًا حادًا لأنها تعتمد بدرجة كبيرة على الغاز المسال ومخزونها كان منخفضًا؛ الولايات المتحدة بقيت أكثر استقرارًا لأنها منتج صافٍ؛ الصين واصلت زيادة الطلب مدفوعة بالتحول الصناعي والتكنولوجي؛ أما فلسطين فواجهت واقعًا مختلفًا: اعتماد شبه كامل على مورد خارجي، غياب قدرة تحوط مالي، وافتقار إلى مخزون استراتيجي مستقل.

معضلة مضيق هرمز و “علاوة المخاطر”: يمثل المضيق شريان حياة يمر عبره نحو 20% إلى 25% من تجارة الغاز المسال العالمية. أدى التهديد الإيراني المباشر وسحب التغطية التأمينية ضد مخاطر الحرب من قبل شركات كبرى مثل “غارد” و”سكالد” إلى توقف حركة السفن وتكدس الناقلات، مما دفع شركات مثل “ميرسك” لتعليق المرور عبر المضيق وقناة السويس، واشتعال المنافسة بين آسيا وأوروبا على الشحنات المتاحة.

توقف حقول شرق المتوسط أدى الإغلاق الاحترازي لحقلي “ليفياثان” و”كاريش” في إسرائيل إلى قطع الإمدادات عن مصر والأردن. هذا التوقف أجبر مصر (التي استوردت 10 مليارات متر مكعب من الغاز الإسرائيلي في 2025) على التوجه نحو سوق الغاز المسال العالمي المزدحم أصلاً لتعويض النقص، مما ضاعف الضغط على العرض العالمي.

دخلت أوروبا هذه الأزمة ومخزوناتها انخفضت إلى 43% في مطلع 2026 بعد شتاء بارد، وهي مستويات أقل بنحو 10% من المتوسط الموسمي، مما جعلها في وضع حساس للغاية.

الصين والمستقبل: تقود الصين الطلب العالمي الجديد، حيث يُتوقع أن تستحوذ على ثلثي الطلب الإضافي نتيجة التحول التكنولوجي وبناء مراكز البيانات، مما يضع ضغطاً مستقبلياً إضافياً على السوق.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني