loading

الطفل خالد بني عودة 11 عاماً يروي تفاصيل استشهاد عائلته

محمد أبو علان/ خاص بالغراف

كتب الصحفيان الإسرائيليان في صحيفة هآرتس جدعون ليفي وألكس لبيك عن الجريمة التي ارتكبتها قوات المستعربين التابعة لحرس الحدود الإسرائيلي في طمون ليلة الأحد من الأسبوع الماضي:” بهدوء، طفل يبلغ من العمر 11 عاماً يروي اللحظات الأخيرة من حياة عائلته”، الرحلة الممتعة في المركبة، والتنزه في المدينة الكبيرة، والكلمات الآخيرة التي قيلت في المركبة، خالد بني عودة 11 عاماً ، والذي فقد الأسبوع الماضي والده ووالدته وشقيقاه الصغيران يروي كيف حصل ذلك، لحظة بلحظة، “إن بكينا، هل يعودون لنا؟” قال خالد.

وتابع الصحفيان الإسرائيليان في هآرتس: نقف على زاوية الشارع، من هنا مرت مركبة الكيا واتجهت نحو اليسار باتجاه منزل العائلة، خلف الجدار بالقرب من مطعم نابلس الصغير كانت تتواجد القوات الخاصة من حرس الحدود الإسرائيلي، والتي خرجت وأطلقت نيران كثيفة على المركبة، الساعة كانت الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، شبابيك المركبة كانت مفتوحة، وكان يمكن رؤية من يتواجد داخل المركبة، الوالدين في المقاعد الأمامية، وأحد الأطفال من ذوي الإعاقة البصرية، يجلس في حضن والدته، وثلاثة أطفال في المقعد الخلفي.

كان بالإمكان الصراخ عليهم بالتوقف وهم سيسمعون، ولكن قوات وحدة النخبة الخاصة من قوات حرس الحدود الإسرائيلي، والذين أعدموا قبل ثلاثة شهور فلسطينيان بعد أن رفعا أيديهما فكروا بطريقة مختلفة، من أجل توقيف مركبة فلسطينية في الضفة الغربية يمكن إطلاق النار عليها بكثافة وبدون تحذير، وقتل أكبر عدد ممكن من ركابها الأبرياء، ووفق تحقيق باحث بتسيلم عارف دراغمة، القوات الإسرائيلية الخاصة أطلقت ما بيت 50—70 رصاصة على مركبة مليئة بالركاب.

بعد أقل من يومين على قتل العائلة، ما تبقى في الموقع شظايا الزجاج الصغيرة للمركبة التي كانت فيها العائلة، والتي صادرتها الشرطة الإسرائيلية، مما سيخلق صعوبات أمام الشرطة العسكرية التحقيق في الحدث، أمامنا في الشارع يقف خالد بني عودة 11 عاماً ويصف بحركات يديه وجسده مذبحة أبناء عائلته أمام عيناه، هنا وقفت المركبة، وهناك كانت القوات الإسرائيلية، وفتحوا نيران جهنم على المركبة، وهنا أيضاً ضربوني قال خالد، بعد أن خرج حياً من مركبة الموت، وهنا أوقفوه ووجهه على الحائط، وقالوا له أنت كذاب.

خالد يتحدث بشكل آلي وكأنه وصف الحالة مرات عديدة، يتحدث بكلمات سريعة تصف جهنم، لغته لغة الكبار، لا يظهر على وجهه تعبير عن المشاعر، وبدون دموع، وبدون ألم، بدون رعب وبدون غضب، نظرات لشخص في حالة صدمة لم يستوعب بعد ما يصفه.

وعن وصف الأجواء في محيط العائلة كتبت هآرتس: الوضع  كان مماثلاً من قبل، حين جلسنا معاً لساعة طويلة على الكراسي البلاستيكية أمام منزله، بينما توافدت مئات النساء من مختلف أنحاء الضفة الغربية، واحدة تلو الأخرى، إلى منزل العائلة لمواساة ما تبقى من أفرادها، وخاصة الجدة نجاح، التي ستصبح الآن أماً بديلة، أما الرجال فتجمعوا في مكان آخر، في ديوان البلدة، وقف خالد أمام منزله، وكأنه ينتظر قدوم أحدهم.

وتابع الصحفيان الإسرائيليان رواية تفاصيل اللقاء مع خالد: عندما جلس خالد للقاء كانت ساقاه يعتزان بعصبية وبدون توقف، قال خلال اللقاء أنه وإخوته استيقظوا صباح السبت الماضي ولعبوا على هواتفهم، هو وشقيقاه الأصغر، مصطفى (ثماني سنوات) ومحمد (خمس سنوات). أعدت والدتهم وعد (35 عامًا) الفطور لعثمان (سبع سنوات)، وهو كفيف منذ ولادته، وهو الوحيد في العائلة الذي لم يصم خلال شهر رمضان، ومع حلول الظهيرة، استيقظ والدهم ، بعد أن عاد في اليوم السابق من عمل دام ثلاثة أشهر متواصلة في موقع بناء في بني براك، كانت فرحة عودة الأب إلى المنزل عظيمة، كان علي (37 عامًا) يخطط للبقاء في المنزل مع زوجته وأطفاله حتى بعد عيد الفطر، الذي سيبدأ في نهاية الأسبوع، ومن ثم سيعود إلى عمله في إسرائيل.

الوالد علي توجه إلى خربة عاطوف التي يمتلك فيها قطعة أرض يفلحها، عاد في الساعة الخامسة، وجلست العائلة للعب بالليجو، والأم تحضر وجبة إقطار رمضان، بعد إفطار رمضان، ذهب الأب والأبناء إلى المسجد لصلاة العشاءـ بعدها قرر الجميع الذهاب لرحلة ترفيهية إلى مدينة نابلس التي تبعد 15 كم من بلدتهم طمون، تحدث خالد عن جولتهم الترفيهية في نابلس وكم كانت العائلة سعيدة، والرحلة ممتعة،  وتجولوا بالمجمعات التجارية، وطلب لنفسه بدله من نوع أديداس، بعد جولتهم السعيدة قرروا تأجيل شراء ملابس العيد لليوم التالي، الوقت بات متأخرًا، بعد منتصف الليل، وبعد جولة في المدينة، في الساعة الواحدة بعد منتصف الليل عادوا لبلدتهم طمون.

خالد كان متخوفاً من أن ينام والده خلال السياقة، الوالد أكد إنه ليس متعباً، الساعة الواحدة والنصف تقريباً وصلوا للمفترق الموصل لبلدتهم طمون، الوالد قاد المركبة ببطء، والكل كان مستيقظ، وأجواء عائلية سعيدة، محمد أشار لوالده على المدرسة التي يتعلم بها ومروا من جانبها، كانت هذه الكلمات الأخيرة تقريباً للعائلة معاً، الشوارع كانت فارغة ومملة، لم يكن لديهم فكره أو اعتقاد أن قوات خاصة إسرائيلية اقتحمت القرية متخفية بمركبات عربية، وفي إجابة على سؤال تكرر قال خالد:” لم نرى أي جندي أو أي شرطي”.

وتابع خالد: فجأة فتحت علينا نار جهنم، إطلاق النار على المركبة حسب رواية خالد كان من اتجاهين، من أمام المركبة حيث ظهر عناصر الشرطة  فجأة على بعد 10 أمتار، ومن الخلف من على ظهر أحد المباني، تمكن خالد من رؤية أشعة الليزر الحمراء التي سلطت عليهم قبل إطلاق النار، ولم يطلب أحد منهم التوقف، ولم يكن إطلاق نار في الهواء قبل وابل الرصاص عليهم، خالد تعجل لخفض رأسه ووضع يديه على رأسه، وقال أن أمه وأخيه الذي هو من الأشخاص ذوي الإعاقة قتلوا أولاً، وسمع والده يردد أشهد أن لا إله الا الله، نص يعرفه حتى الأطفال عن ظهر قلب، يقوله المسلم عند موته، اعتقد خالد أن كل من حوله قتلوا، فخرج من المركبة.

“فجأة لم أعرف من أين خرج عشرات الجنود”، قال خالد، ولم يفرق بين الجنود وبين قوات حرس الحدود، أحد الجنود أمسك بشعره وألقاه على الأرض، وسمع خالد الجندي يقول لبقية الجنود والشرطة في المكان:” قتلنا كلاب”، الجنود الإسرائيليين أوقفوا خالد على الحائط، وصرخوا عليه بكلمات أسكت، فجأة حصل ما لم يتوقعه خالد، مصطفى خرج من المركبة حياً مع إصابات خفيفة بسبب شظايا بعد أن كان خالد على قناعة أن مصطفى قتل، حينها أراد خالد الركض تجاه أخيه الذي نجا، لكن عناصر الشرطة الإسرائيلية ضربوه بشدة.

جنود القوة الإسرائيلية أخذوا خالد للجيب العسكري وهناك أيضاً اعتدوا عليه بالضرب، قوات حرس الحدود أرادوا معرفة من كان معه بالمركبة وجثثهم لازالت فيها، قال لهم بأن والديه وإخوته في المركبة، القوات الإسرائيلية كانوا يصفوه بالكذاب في رده على كل سؤال، حتى عن اسمه، القوات الإسرائيلية قالوا له إنه يمان بني عودة عمره 15 عاماً، وهو شقيق ريان الذي كان مطلوباً حتى قتل، “يجب أن تعترف أنك يمان”ــ لكن خالد أصر على إجابته، وكان في ذهن خالد مسألة مهمة يريد إيصالها للجندي الإسرائيلي، حيث قال له: “هل ستحب من يقتل أباك وأمك وأخاك؟ لماذا تناديني حبيبي؟ أنت تضربني وتقتل عائلتي وتناديني حبيبي؟ لقد قتلت عائلتي أمام عيني، وضربتني بالمسدس، ولن أسكت.”.

وعن بيان الشرطة الإسرائيلية والجيش الإسرائيلي بعد قتل عائلة بني عودة كتبت هآرتس: مركبة العائلة سارت بسرعة تجاه القوة الإسرائيلية، شعروا بخطر على حياتهم فأطلقوا النار، مجدي بني عودة قريب العائلة قال: “أب وأم مع أطفالهم الأربعة، نحو من سيسرع،؟”، وحسب خالد، المركبة السرية المستخدمة من قبل الجنود لم تكن واقفة في الشارع، والجنود وعناصر الشرطة لم يكونوا ظاهرين.

الشرطة العسكرية الإسرائيلية تقول إنها فتحت تحقيقاً في الحدث، لكنها حتى الآن لم تستدعي عناصر وحدة المستعربين المشاركين في قتل عائلة بني عودة للتحقيق، في أحداث سابقة مماثلة عناصر حرس الحدود كانوا يخضعون للتحقيق مباشرة من أجل منع تنسيق مواقف بينهم، ومن أجل عدم تشويش ساحة الحدث.

بعد التحقيق مع خالد، رافقه الجنود إلى مركبة الاسعاف التابعة للهلال الأحمر الفلسطيني، وطلبوا منه أن لا يبلغ عناصر الهلال الأحمر إنهم ضربوه، وهنا انضم مصطفى للقاء مع الصحفي الإسرائيلي، لكنه لم ينطق بكلمة، وجهه شاحب، عيناه جافتان من الدموع، وجرح الشظية في وجهه الدليل الوحيد على ما مر به.

وختمت صحيفة هآرتس: خالد وشقيقه مصطفى اخذوا للمستشفى التركي في طوباس، هناك تكدست جثث أمهم وأبيهم وأخوتهم، خالد لم يبكي طوال كل ما جرى معه، لكنه بكى عندما شاهد جثامين عائلته في المستشفى، وبكى مصطفى أيضاً، وفي حالة نضوج غير مستوعبة سأل خالد:” هل سيعودون لنا إن بكينا؟”، في اليوم التالي، في تمام الساعة العاشرة صباحًا، أقيمت الجنازة، ودُفن أفراد العائلة الأربعة جنبًا إلى جنب في مقبرة العائلة الكبيرة في طمون.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني