حلوة عاروري
يواجه التعليم الالكتروني في فلسطين صعوبات جمة وتحديات متعددة، فبين اعتراض الأهالي على التعليم الالكتروني الذي يرون فيه عبئًا إضافيًا على كاهلهم وعدم جودته وجدواه لأطفالهم، وبين المعلمين المضطرين إلى مواكبة هذا التعليم في ظل كافة الظروف المحيطة بهم وضعف الخدمات.
التعليم الالكتروني كمهرب من المشاكل
الأم لميس ريان وفي حديث ل” بالغراف” أكدت أنه على وزارة التربية أن تأخذ بعين الاعتبار متوسط عدد أفراد الأسرة ومساحة البيت، فعندما يكون على الأطفال أكثر من ثلاث حصص في ذات الوقت لا تستطيع معظم العائلات توفير أجهزة ومساحة خاصة لكل طالب، حتى يستطيع التركيز.
وتطرقت ريان إلى وقت الحصة الذي لا يتجاوز النصف ساعة، ولا يستيطع الطالب فيها إنجاز أي شيء أو الحصول على أي فائدة تُذكَر. إضافة إلى مشكلة ضعف شبكة الإنترنت.
وأردفت بأن الأم باتت غير قادرة على فعل أي شيء طيلة وجود حصص الأطفال، كما أن هذا التعليم بات كمهرب من إيجاد حلول لمشاكل التعليم، مبينة أن التعليم ومستوياته وتحصيل الطلبة قل بسبب هذه الظروف. مؤكدة أنها صحيح تُلزم أطفالها بحضور الحصص، ولكنها تشدد في الوقت ذاته على أنها تقوم بإعادة كافة الدروس لأطفالها.
إثقال كاهل الأهل
من جانبها تقول الأم حنين عودة أن عدم توفر أجهزة لكل طفل اضطرها لشراء جهاز محمول لفتح برنامج التيمز عليه، إضافة لعدم مقدرة الأم على مواكبة ومتابعة حصص التعليم الالكتروني لكل طفل، خاصة إذا كانوا في المراحل الإبتدائية، والتي يكونون فيها بحاجة لوالدتهم لمرافقتهم.
ونوهت على أهمية توفر الهدوء للطفل للحيلولة دون تشتت تركيزه، خاصة وأنه في بيته الذي لم يعتد على الانضباط فيه كمان كان في الصف المدرسي.
وتطرقت إلى مزيد من الصعوبات منها انقطاع الكهرباء أو الانترنت وضعف شبكته، إضافة إلى عدم فهم بعض الأمور والتي تكون بحاجة الي حل وشرح بشكل ملموس وواقعي، ليتم استيعابها وتوصيل المعلومة للطالب كما الرياضيات والعربي والعلوم وأهمها الانجليزي وتوابعه.
وترى عودة بأن بعض الطلاب لا يحضر الحصص منذ بداية التعليم الالكتروني لعدة أسباب، منها كثرة الواجبات المنزلية مما يثقل كاهل الأهل والطالب في مواكبة التعليم والدروس الأكاديمية، كما أن بعض المعلمين يطلبون أنشطة من كافة الطلبة مثل “تقرير مصور، أو محتوى إلكتروني كبرنامج البور بوينت، وعرضه ع موقع المدرسة وهذا غير متوفر لدى كافة الطلبة سواء من ناحية إتقان استخدام هذا البرنامج أو توفر جهاز حاسوب عند الطالب.
وأوضحت أن الطلبة في حالة كسل وخمول وهذا بدوره يعد عاملًا أساسيًا في ضياع الفصل الدراسي الحالي، والخوف من عودة الطلاب للامتحانات الفصلية بشكل مباشرة دون إعطاء للمادة الدراسية حقها.
الطالب لا يُعطى حقه في التعليم كما يجب
من جانبها ترى المعلمة سناء رجا أن هناك الكثير من الصعوبات التي تواجهها كمعلمة وأم في ذات الوقت، فتقول أن عدم وجود الراتب أدى إلى تراكم أقساط الإنترنت عليهم، وهو ما يؤدي لقطعه من قبل الشركة وقيامهم بتأجيل الدفع.
وأضافت أن التعليم الرقمي لا يُعطي الطالب حقه في التعليم كما يجب، لأن بعض الطلبة لا يستطيعون الاستفادة في التعليم الوجاهي فكيف بالرقمي، مؤكدة أنه وخلال شهر رمضان كان الطلبة يدخلون الحصص فقط لتسجيل الحضور والغياب ليس إلاّ، ويكونون نيامًا، مشيرة إلى أنه وبالأساس فعدد الحضور قليل.
رجا تؤكد أنها تقوم بإعادة المواد في الصفوف الدراسية الوجاهية، لأنها لا تستطيع اختبار الطلبة في مادة لم يحضروها في الصفوف الرقمية.
أما عن معاناتها كأم فبينت أن لديها خمسة أبناء ونظرًا لحالتهم المادية فهم لا يستطيعون جلب 6 أجهزة كومبيوتر أو هواتف، ولذلك لا يستطيع أطفالها الدخول لحصصهم حتى ابنها في الثانوية العامة، موضحة أنه حتى ولو تواجدت الأجهزة فلن يُغطّي النت هذا العدد من الأجهزة.
كما أن لديها طفل في صفه الأول ويجب أن تكون بجانبه ولكنها لا تستطيع بسبب حصصها ولذلك فهو لا يستطيع حضور حصصه.
وأضافت أن الصفوف والتعليم الرقمي غير مجدٍ سواء للطلبة أو حتى للمعلمين.
نقص الخبرة
بدورها تقول المعلمة نوال منصور أنها تعاني من التعليم الالكتروني، بسبب نقص الخبرة وعدم القدرة على التعامل مع المنصات، مضيفة أنه “قد يقول قائل أن المعلمين التحقوا بدورة تخص التعليم الالكتروني، وكيفية التعامل مع هذه المنصات، لكن هذه الدورة لم تكن كافية فقد جاءت بسرعة، ولبضع ساعات فقط، وتُرك المعلمون يخوضون تجربة التعليم عن بعد دون أن يكونوا متمكنين بشكل كامل”
وأضافت أن انعدام التواصل المباشر بينها وبين الطلاب، يقلل من تركيزهم خلال الشرح، فلا تصل المعلومة إليهم بالشكل المطلوب. مؤكدة أن المعلم بحاجة إلى وقت وجهد مضاعفيْن في إعداد الدروس، وإعداد المواد التعليمية من ( عروض تقديمية ،فيديوهات ، شرح وتحليل على Word…الخ ).
وأوضحت أن لديها طالبان، طالب في المرحلة الإعدادية وطالبة جامعية وكلاهما مضطر للالتحاق بالتعليم الالكتروني، بما أنهم في مرحلة يعتمدون فيها على أنفسهم فلا يوجد مشكلة، لكن أحيانًا تكون المشكلة في المكان، فوجود أكثر من شخص في المكان نفسه وفي الوقت نفسه يعد عائقًا.
تحديات مرتبطة بالواقع السياسي والاقتصادي
الخبير التربوي والمدير العام لمركز إبداع المعلمين رفعت صباح بين في حديث ل”بالغراف” أن التعليم الالكتروني في فلسطين يواجه العديد من التحديات والإشكاليات المرتبطة بالواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي نعيشه، حيث لا زالت البنية التحتية في فلسطين المتعلقة بالتعليم الرقمي ضعيفة.
وأضاف أن الكثير من الطلبة يعانون من ضعف شبكة الإنترنت خلال الحصص الدراسية خاصة بالمناطق الريفية والمخيمات، إضافة إلى وجود مناطق في الضفة تعاني من انقطاع الكهرباء مثل جنين، كما أن الكثير من العائلات وفي ظل الظروف الحالية لا يستطيعون دفع رسوم الدفع المسبق، والكثير من أجهزة الحواسيب قديمة وتحتاج إلى تحديث في برامجها، ولا تتوفر عند الكثير من الناس، وهو ما يخلق فجوة رقمية بين الطلبة لأنه ليس كلهم لديهم نفس المستوى في امتلاك الحق بالوصول للتكنولوجيا.
وتابع صباح بأن هناك حالات من الضعف في مهارات التعامل مع التكنولوجيا وهي تفرض نفسها خاصة بما يتعلق بالمعلمين، حيث الفجوة بين الطلبة والمعلمين في التعامل مع التعليم الرقمي كبيرة وهي تشكل مشكلة معينة.
وأضاف أن الكثير من الطلبة يواجهون هذه المشاكل لأن مهاراتهم محدودة في هذا المجال وتكون سطحية، فكيف وإن كانت في صفوف افتراضية، حيث هناك تقنيات حديثة في التدريس ولذلك يجب أن يكون هناك إدارة قوية وحديثة تتلائم مع التعليم الرقمي خاصة في الصفوف الافتراضية، إضافة إلى أن الأساليب التي يجب أن يستخدمها المعلم تختلف عن الأساليب التقليدية، وهذه تحتاج إلى تطوير ولا زالت في مرحلة الضعف.
وأكد صباح أن الأهم من ذلك هو عمليات التقييم، لأنه لا يجوز أن تُقيم الطلاب في الصفوف الافتراضية بنفس طريقة تقييمهم في الصفوف الوجاهية، وفي ظل الظروف السياسية الراهنة والاقتصادية والاجتماعية، التي تضفي ضغوطًا نفسية هائلة على الطلبة حيث نعاني من حالة توتر غير واعية.
وبين أن الحرب وما تخلفه من توتر نتيجة متابعة الأحداث وسماع الأصوات تؤثر على الطلبة، إضافة إلى قيود الاحتلال بمنع الحركة وصعوبتها حتى توصيل المواد بات بها مشكلة، وهذا الوضع برمته يجعلهم يتعاملون مع التعليم الرقمي في وقت الأزمات وعند انتهاء الأزمات ننسى التعليم الرقمي ونعود للتعليم الوجاهي.
فجوة وانقطاع لدى الطلبة
ونوه صباح إلى أن هذا يسبب فجوة وانقطاع لدى الطلبة، وكأن ما تم تناوله في التعليم الوجاهي يختلف عن التعليم الافتراضي، كما أن الطلبة يتعاملون مع التعليم الافتراضي وكأنهم في عطلة، ولذلك فالنظر للتعليم الرقمي وكأنه جاء لحل الأزمات المختلفة يخلق نوعًا من الضعف في عملية التعلم، وضعف ارتباط الطالب بشكل تربوي في عملية التعليم الرقمي، حيث عندما يعود الطلبة للتعليم الوجاهي يصبح هناك انقطاع وهذا ناتج عن أن التعليم الرقمي ليس جزءًا من ثقافة بنيوية تربوية موجودة في المنظومة التعليمية.
ويرى أنه ولذلك يجب أن يصبح التعليم الرقمي جزءًا من فلسفة تربوية، حيث حتى وإن لم يكن هناك أزمة يجب الاستمرار بالتعليم الرقمي، وأن يكون جزءًا من حالة المنظومة التعليمية ويجب عدم تهميشه، وهذا من ضمن الفلسفة التربوية حول كيفية استخدام الرقمنة والتكنولوجيا دائمًا في التعليم.
تزايد الفاقد التعليمي
وأكد صباح أن التعليم الرقمي يوجد به تعليم ذاتي للطالب، خاصة في ظل التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي حيث يستطيع الجميع التعلم ذاتيًا، ولذلك يجب على المدرسين تعزيز ذلك من خلال طلب الفروض التي تعزز المهارات لديهم في استخدام هذه الوسائل.
ولفت إلى وجود تزايد في الفاقد التعليمي لدى الطلبة، خاصة مع عدم وجود التدقيق ونشر الشائعات، ولذلك يجب على المدارس تدريس الطلبة على التدقيق والأمانة، لأن الأمانة والدقة هي جزء من المعرفة.
وبين صباح أن الخلل في التعليم الرقمي والوجاهي الذي يخلق فجوة بين الطلبة، يساهم في التأثير على الطلبة في تطوير مهاراتهم ومعارفهم، خاصة المعارف اللغوية التي من المفترض أن اعتماد الطالب على التعليم الذاتي تطور رصيده المعرفي واللغوي ولكن ما يحصل عكس ذلك.
وأفاد بأن هناك تقارير تتحدث عن أن أكثر من 40% من الطلبة حتى الصف الرابع لا يجيدون القراءة والكتابة، وهذه مشكلة يجب حلها لأنها إن تراكمت للصفوف المتقدمة سيصبح هناك طلاب أميّين، ولذلك يجب أن يكون هناك إعادة تموضع للإطار الفكري الفلسفي التربوي لأنه يجب التعامل مع التعليم الرقمي بجدية أكبر وبنفس استراتيجي وليس فقط موسمي.
ضرورة عمل مبادرات مجتمعية
وشدد صباح على أهمية المبادرات المجتمعية في هذا الوضع في القرى والبلدات لأن التعليم مسؤولية الجميع، فعلى وزارة التربية والمؤسسات المجتمعية والمحلية التحرك لمساعدة الطلاب وتوفير كافة المستلزمات للطلبة، وأن يكون للمؤسسات قدرة على الوصول للطلبة المحتاجين للتعليم المساند واستخدام المنصات الالكترونية للوصول للطلبة.
وأوضح أن هذا يمكن تحصيله في حالة التنسيق والتشبييك بين المؤسسات والوزارة، مؤكدًا أن دور الوزارة قوي ويجب أن يكون لديها دور قيادي في تفعيل المؤسسات المحلية، واستثمار الكادر البشري في القرى لمساعدة الطلبة.
صباح أشار إلى أنه حصل هناك تطور في التعليم الالكتروني، ولكن تكمن النقطة في الرؤية، وأنه يجب الاعتماد على التقييم سواء في التعليم الوجاهي أو الافتراضي، فهناك الكثير من المؤسسات التي لا تعترف بشهادة التعليم الجامعي الافتراضي، مؤكدًا أن أي تطور ينبع من إيمان البلد، والتعليم الافتراضي مسار يمكن أن يؤدي إلى إنتاج معرفي وتطوير الطلبة وتحسين جودة التعليم.
ونوه إلى ضرورة إجراء دراسات لتقييم جودة التعليم الوجاهي والافتراضي، ودراسات حول نسبة وصول الطلبة للانترنت وامتلاكهم للهواتف وتعويض النقص إن وجد.
ضرورة وجود رؤية وطنية ومجتمعية
واختتم صباح حديثه بأن مسؤولية التعليم هي مسؤولية الجميع، ومن المفترض وجود رؤية مجتمعية لمعالجة كل القضايا الخاصة بالتعليم، لأن الوزارة لوحدها لا تستطيع وكذلك المؤسسات، فيجب أن يكون هناك رؤية وطنية مجتمعية لكيفية التدخل والمعالجة، وكيف يمكن جعل التعليم أساسًا للحفاظ على الهوية لأن التعليم لا يعني فقط القراءة والكتابة بل هو منقذ للحياة.




