loading

سوسيولوجيا البقاء: لماذا يتقدم “التحرر الوطني” على “الهوية الجندرية” في زمن الإبادة؟

سليم اللوزي

في مقاله/ا* “اليسار الكويري الضائع بين الجنسانيّة ومحور المقاومة”، يطرح/ تطرح إنان.م.بلاي إشكالية أخلاقية حول اصطفاف الهويات الفرعية مع قوى “محور المقاومة”، معتبراً/ معتبرةً ذلك “محواً للذات”. إلا أن القراءة السوسيولوجية العميقة لهذا المشهد تكشف عن مغالطة بنيوية في فهم طبيعة “المخاطر الوجودية” وتدرجها داخل المجتمعات التي تواجه استعماراً استيطانياً أو تهديداً بالزوال.

التراتبية الوجودية: منطق “فرانتز فانون” في التحرر

يرى عالم الاجتماع والنفس الشهير فرانتز فانون في كتابه “معذبو الأرض” أن الاستعمار ليس مجرد احتلال سياسي، بل هو عملية “نزع إنسانية” شاملة. بالنسبة لفانون، فإن المعركة الأولى والأساسية هي التحرر الوطني؛ لأنها “الوعاء” الذي يسمح بظهور الإنسان ككائن فاعل.

بناءً على فانون، فإن نقد الكويري الذي يصطف مع المقاومة يتجاهل أن “العدو الاستعماري” لا يستهدف الهوية الجندرية للفرد، بل يستهدف انتماءه للتراب. عندما تقصف الطائرات حياً سكنياً، لا تميز بين “كويري” و”غير كويري”. هنا، يصبح الاصطفاف مع من يملك السلاح (حزب الله أو غيره) ليس “استعماراً للوعي”، بل هو فعل غريزي سوسيولوجي للبقاء الجماعي.

نقد “الاستعمار الحقوقي”: أطروحة “جوزيف مسعد”

استناداً إلى المفكر جوزيف مسعد في أطروحاته حول “الرغبة الكويرية”، نجد أن فرض القوالب الحقوقية الغربية (مثل الهوية الكويرية المنفصلة عن السياق الوطني) هو نوع من “الإمبريالية الثقافية”. المقال الذي بين أيدينا يسقط في فخ “تذرير المجتمع” (Atomization)، أي تحويل الفرد إلى جزيئات معزولة (هوية جندرية، هوية دينية، هوية سياسية) تتقاتل فيما بينها، بينما يلتهم المستعمر الجسد الكلي للمجتمع.

إن قلب المعادلة هنا يكمن في فهم أن الحقوق الفردية هي “ثمرة” للدولة المستقلة والسيادة، وليست “شرطاً” لدعم المقاومة. لا توجد “حقوق ميم” في مخيمات اللجوء أو تحت ركام المدن الممسوحة.

شواهد من التاريخ: واقعية التحالفات المتناقضة

تاريخياً، لم تكن التحالفات السياسية يوماً قائمة على “تطابق القيم”، بل على “تقاطع المصالح الوجودية”:

الحرب العالمية الثانية: تحالفت القوى الليبرالية (أمريكا وبريطانيا) مع “ستالين” (الديكتاتور الشيوعي) لهزيمة النازية. لم يكن هذا “محواً لذات” الليبراليين، بل كان إدراكاً بأن النازية خطر وجودي ينهي الجميع، بينما الخلاف مع ستالين هو صراع أيديولوجي يمكن إدارته لاحقاً.

الثورة الجزائرية: انخرطت النساء والشيوعيون والمتدينون في جبهة التحرير الوطني (FLN). ورغم التناقضات الصارخة في رؤيتهم لـ “جزائر ما بعد الاستقلال”، إلا أن الوعي السوسيولوجي الجمعي أدرك أن بقاء الهوية الوطنية هو الضمان الوحيد لخوض أي صراع اجتماعي مستقبلي.

“ماذا سيفعل بي بعد النصر؟” .. سؤال الرفاهية المؤجلة

سؤال المقال: “ماذا سيفعل بي بعد أن ينتصر؟” هو سؤال مشروع سوسيولوجياً في زمن السلم، لكنه في زمن الحرب يُعد “انتحاراً سياسياً”.

إن المفكر السوسيولوجي زيغمونت باومان في تحليله لـ “الحداثة السائلة” يوضح أن الهويات تصبح سيالة وهشة عندما تفقد المؤسسات الحامية لها (الدولة والوطن). لذا، فإن الكويري الذي يرفض دعم المقاومة “لأنها تقمعه” هو في الحقيقة يسرّع عملية إبادته على يد المستعمر الذي لن يمنحه حتى حق أن يكون “مضطهداً” في بلده.

نحو تضامن “واقعي” لا “طوباوي”

إن القوة في الرد تكمن في رفض “الابتزاز الأخلاقي”. نحن لا نصطف مع محور المقاومة لأننا نتبنى أيديولوجيته الاجتماعية، بل لأننا ندرك “تراتبية التهديد”.

الاستعمار هو “الموت النهائي”، بينما القمع الداخلي هو “مرض وطني” يمكن علاجه بالنضال الاجتماعي المستمر. التضامن الحقيقي هو الذي يقول: “سأحمي الأرض مع من يحمل السلاح اليوم، لأحفظ حقي في أن أعيش وأنتقد وأطالب بحقوقي فوق هذه الأرض غداً”.

” تم استعمال صيغة المذكر والمؤنث من قبل كاتب المقال، لعدم قدرته بعد البحث على تحديد الهوية الجندرية للكاتب/ة”

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني