loading

إلى أين تتجه الحرب؟ سيناريوهات مفتوحة على استنزاف طويل أو انفجار إقليمي

محمد عبد الله

في ظل تصاعد غير مسبوق للتوترات العسكرية والسياسية في المنطقة، تتجه الأنظار إلى طبيعة المواجهة الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، وسط مخاوف جدية من انزلاقها إلى حرب إقليمية شاملة. 

وبينما تتواصل الضربات العسكرية وتتصاعد التهديدات، تبدو ملامح المرحلة أكثر تعقيداً من مجرد مواجهة تقليدية، مع دخول عوامل سياسية واقتصادية واستراتيجية عميقة في قلب الصراع.

ومنذ 28 فبراير الماضي، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل عدوانهما على إيران وسط مخاوف إقليمية من خروج الحرب عن السيطرة وغزو بري لإيران وسط حشود أمريكية متواصلة لقواتها في الشرق الأوسط. 

وذكرت صحيفة “⁠وول ستريت جورنال”، نقلًا عن مسؤولين في وزارة ‌الدفاع الأمريكية، أن ‌”البنتاغون” ‌يدرس إرسال ما يصل إلى 10 ‌آلاف جندي ‌إضافي ⁠من القوات البرية إلى ⁠الشرق الأوسط. 

وخلفت الحرب على إيران مئات القتلى أبرزهم المرشد الأعلى علي خامنئي ومسؤولون أمنيون، ودمارًا واسعًا، وترد طهران بإطلاق صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل. 

كما تشن إيران هجمات على ما تقول إنها “قواعد ومصالح أمريكية” بدول عربية، لكن بعضها أسقط قتلى وجرحى وأضر بأعيان مدنية، وهو ما أدانته الدول المستهدفة، مطالبة بوقف الاعتداءات.

وفي هذا التقرير، يقدّم الباحثان المختصان في الشأن الإسرائيلي، شادي الشرفا وياسر مناع، قراءتين معمقتين لطبيعة الحرب، وأهداف الأطراف، ومساراتها المحتملة، إضافة إلى السيناريوهات التي قد تحدد مستقبل المنطقة.

طبيعة الحرب: إدارة صراع لا مواجهة تقليدية

يرى الباحث والمختص في الشأن الإسرائيلي شادي الشرفا أن فهم ما يجري يبدأ من تحديد طبيعة المرحلة، مشددًا على أن هذه الحرب “ليست حربًا تقليدية، وإنما هي إدارة صراع إمبريالي”.

ويشرح الشرفا في حوار خاص مع “بالغراف” أن ما يحدث لا يمكن اختزاله في مواجهة عسكرية مباشرة، بل هو “إعادة ضبط للهيمنة في المنطقة”، تشمل ملفات حيوية مثل الطاقة والممرات الاستراتيجية ومعادلات الردع.

وبحسب هذا الطرح، فإن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها “كسر أو تقليص محور المقاومة، أي إيران وحلفائها”، إلى جانب “فرض قواعد اشتباك جديدة تضمن تفوقًا طويل الأمد”.

 ويضيف الشرفا بُعدًا ثالثًا يتمثل في “حرب على المعرفة”، تهدف إلى منع إيران من امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، بحيث تبقى هذه المعرفة حكراً على إسرائيل.

في المقابل، يؤكد الشرفا على أن محور المقاومة لا يسعى إلى تحقيق نصر عسكري شامل، بل يركز على “منع تثبيت هيمنة مطلقة، وإبقاء الصراع مفتوحًا”.

المفاوضات: أداة داخل الحرب لا بديلًا عنها

في سياق متصل، يلفت الشرفا إلى أن المفاوضات الجارية لا يمكن اعتبارها بديلًا عن الحرب، بل هي “أداة داخل الحرب نفسها”. ويوضح أن كل طرف يسعى إلى تحسين شروطه التفاوضية من خلال الميدان، في حين تُستخدم المفاوضات “لالتقاط مكاسب أو تثبيت خطوط حمراء”.

ويشير إلى أن التناقض الظاهر في تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “ليس خللًا، بل تكتيك متبع في الحروب التي لا تُحسم سريعًا”، في إشارة إلى إدارة الصراع عبر مسارات متوازية من التصعيد والتهدئة.

نقاط القوة والضعف: توازن معقد

يقدم الشرفا قراءة تفصيلية لنقاط القوة والضعف لدى طرفي الصراع.

فبالنسبة للمعسكر الأمريكي الإسرائيلي، ومعه بعض الدول العربية إلى حد ما، تتمثل نقاط القوة في “التفوق التكنولوجي والجوي، والقدرة على الضرب بعيد المدى، إضافة إلى دعم غربي اقتصادي مفتوح”.

لكن في المقابل، يواجه هذا المعسكر نقاط ضعف مهمة، أبرزها “الحساسية العالية للخسائر البشرية والاقتصادية، والاعتماد الكبير على أنظمة دفاع مكلفة”، إلى جانب “هشاشة الجبهة الداخلية وعدم القدرة على تحمل حرب طويلة ومتعددة الجبهات”.

أما محور المقاومة، فتبرز قوته في “القدرة على الاستنزاف عبر الصواريخ والمسيرات”، إضافة إلى “الانتشار الجغرافي الواسع من إيران إلى لبنان وغزة واليمن والعراق”، ما يجعل حسمه عسكريًا أمرًا بالغ الصعوبة. كما يشير الشرفا إلى أن “تكلفة المواجهة لدى هذا المحور منخفضة مقارنة مع خصومه”.

إلى أين تتجه الأمور؟ حرب استنزاف أم انفجار شامل؟

بناءً على هذه المعطيات، يرجح الشرفا أن تتجه الحرب نحو “استنزاف طويل وتثبيت توازن ردع جديد”، معتبرًا أن الولايات المتحدة “جُرّت إلى هذه الحرب” بفعل عدة عوامل، منها اللوبي الصهيوني، ولوبي صناعة السلاح، إضافة إلى ما وصفه بـ”لوبي المسيحية الصهيونية”، الذي يشكل نسبة مؤثرة من الناخبين الأمريكيين.

ويؤكد أن أيًا من الطرفين غير قادر على تحقيق نصر حاسم، موضحًا أن إسرائيل “لم تستطع إنهاء التهديد في غزة أو لبنان”، في حين أن محور المقاومة “لن يُهزم أو يُقصى”، ما يعني كسر مشروع الهيمنة دون تحقيق انتصار نهائي.

ويحذر الشرفا من “السيناريو الأخطر”، وهو التوسع الإقليمي الشامل، خاصة في حال استهداف منشآت حساسة أو وقوع خسائر بشرية كبيرة، أو حدوث تدخل بري. ويشير إلى أن دخول أطراف إضافية، مثل اليمن، وإمكانية إغلاق مضيق باب المندب، قد يؤدي إلى “أزمة عالمية سياسية واقتصادية”.

في المقابل، يعتبر أن “السيناريو الأضعف هو التوصل إلى تسوية سريعة”، بسبب إصرار الولايات المتحدة على تحقيق نتائج استراتيجية، ورفض محور المقاومة الخروج “بشكل مكسور”.

كما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية “أغفلت عوامل مهمة”، منها البعد القومي الفارسي والبعد الشيعي، لافتًا إلى أن هناك استعدادًا في بعض المجتمعات المرتبطة بإيران “لدخول كربلاء جديدة”، وهو ما لم يكن في الحسبان.

قراءة أخرى: مسار مزدوج وفوضى في التقدير

من جانبه، يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع أنه “من الصعب الجزم بمسار الحرب”، إلا أن الولايات المتحدة، وتحديدًا إدارة ترامب، تعتمد “مسارًا مزدوجًا يجمع بين العمل العسكري والسياسي”، بهدف تقليل التكلفة المالية والسيطرة على أسعار الطاقة، والحفاظ على سقف معين للحرب.

لكن مناع يشير إلى أن الحرب “قامت على فرضيات خاطئة”، ما جعل مساراتها الحالية “غير مدروسة وغير مخطط لها”، وهو ما يشكل أزمة لكل من إسرائيل والولايات المتحدة.

المفاوضات والتحركات الإقليمية

يتحدث مناع عن جهود بعض الدول، مثل باكستان وتركيا، لخلق أجواء تفاوضية، انطلاقًا من مصلحتها في “عدم انهيار النظام الإيراني”، ومحاولة إنهاء الحرب عبر اتفاق سياسي.

ومع ذلك، يؤكد أن الولايات المتحدة وإسرائيل “لن تسمحا لإيران بتحقيق نشوة نصر”، ما يفتح الباب أمام احتمال تنفيذ ضربات نوعية خلال المرحلة المقبلة.

وتستضيف العاصمة الباكستانية إسلام أباد مباحثات رباعية معمقة بشأن سبل خفض التصعيد في منطقة الشرق الأوسط، بمشاركة وزير خارجيتها محمد إسحاق دار، إلى جانب نظرائه التركي هاكان فيدان والسعودي فيصل بن فرحان، والمصري بدر عبد العاطي.

أوراق القوة الإيرانية

يشدد مناع على أن إيران لا تزال تمتلك أدوات قوة مؤثرة، من بينها “مضيق هرمز وباب المندب، والصواريخ الباليستية، والمسيرات”، وهي عناصر لا تزال فاعلة في موازين القوى حتى الآن.

ويرى أن ما بعد الحرب سيكون الأهم، حيث قد تشهد المنطقة “تحولات في التحالفات وإعادة اصطفاف”، مع احتمال تقارب بعض الدول مع إيران في حال صمود النظام، معتبراً أن “محدد النصر بالنسبة لإيران هو بقاء النظام”.

حربان لإسرائيل: ساخنة وباردة

يوضح مناع أن إسرائيل تخوض مع إيران نوعين من الحروب:

حرب ساخنة تستهدف منشآت الطاقة والمصافي والمراكز البحثية.

حرب باردة تشمل الهجمات السيبرانية واغتيال العلماء.

ويؤكد أن إيران لا تسعى فقط إلى وقف إطلاق النار، بل إلى “إنهاء التهديد بشكل دائم”، معتبرة أن أي تهدئة مؤقتة تعني التحضير لجولة جديدة من الصراع.

خلاصة: حرب بلا نهاية قريبة

تجمع القراءتان على أن المنطقة أمام صراع مفتوح، تتداخل فيه الحسابات العسكرية مع السياسية والاقتصادية، دون أفق واضح لحسم قريب.

وبين سيناريو الاستنزاف الطويل، واحتمال الانفجار الإقليمي، تبقى كل الاحتمالات قائمة، في ظل تمسك كل طرف بأهدافه الاستراتيجية، وعجزه في الوقت ذاته عن فرض حسم نهائي.

وفي ضوء ذلك، تبدو الحرب الحالية أقرب إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، لا إلى إنهاء الصراع، ما يعني أن تداعياتها قد تمتد لسنوات قادمة، وتعيد رسم خريطة التحالفات والنفوذ في الشرق الأوسط.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني