سليم اللوزي
في اللحظات التي تشتد فيها الأزمات، يبرز خطاب إعلامي في لبنان يوزع “معنى الهزيمة” كعلب الإعاشة، محاولاً ترويض الوعي الجمعي ليتصالح مع الانكسار. هذا الخطاب ليس مجرد تحليل سياسي، بل هو سقوط في فخاخ فلسفية إذ يحاول تحويل “التعب الإنساني” إلى “شرعية سياسية” للعدو.
يُعد فريدريك نيتشه خير من فكك خطاب الانهزاميين عبر مفهوم “أخلاق العبيد” (Slave Morality). يرى نيتشه أن الضعيف، حين يعجز عن المواجهة وإثبات “إرادة القوة”، يلجأ إلى إعادة تعريف القيم. ففي خطاب الإعلام الممول اليوم، يُسمى الخنوع “حكمة”، والتنازل “واقعية”، والهروب من المسؤولية الوطنية “حفاظاً على الحياة”. نيتشه يؤكد أن “العبد” سيكولوجياً هو من يحتاج دائماً إلى “عدو” ليلومه على فشله، لكنه في الوقت ذاته يقدس “الأمان” فوق “الحرية”. هؤلاء الصحفيون الذين يروجون للهزيمة يمارسون “أخلاق العبيد” بامتياز؛ فهم لا يريدون بناء وطن سيد، بل يبحثون عن “سيد رحيم” يمنحهم الأمان مقابل استلاب إرادتهم.
يقدم جورج هيغل في “فينومينولوجيا الروح” تحليلًا دقيقًا لما يفعله الإعلام الانهزامي اليوم عبر “جدلية العبد والسيد”. إذ يرى هيغل أن الوعي الذاتي لا يتحقق إلا بالمخاطرة. والانهزامي (العبد في منطق هيغل) هو الشخص الذي استبد به الخوف من الموت (أو الدمار العسكري) لدرجة أنه قبل “الاعتراف” بسيادة الآخر مقابل “البقاء الفيزيائي”. الإعلام الذي يطالب بالرضوخ للأطماع الإسرائيلية يطلب من اللبنانيين الدخول في دور “العبد الهيغلي”؛ أي الوعي الذي لا يعيش لنفسه، بل يعيش لخدمة أهداف “السيد” (المحتل) مقابل السماح له بالعيش. إنهم يتناسون أن “السيد” لا يحترم “العبد” الذي استسلم خوفاً، بل يستخدمه كأداة لتحقيق أطماعه التوسعية (في الأرض والمياه والسيادة).
غالباً ما يستشهد الانهزاميون بضرورة “السلام”، لكنهم يسيئون فهم إيمانويل كانط. في أطروحته “مشروع للسلام الدائم”، اشترط كانط أن السلام الحقيقي لا يقوم إلا بين دول “جمهورية” تحترم السيادة المتبادلة. وحذر كانط من أن “معاهدة السلام” التي تُبرم مع الاحتفاظ بمطامع سرية أو استغلال ضعف الطرف الآخر، ليست سلاماً بل هي مجرد “هدنة” بانتظار الانقضاض النهائي. بالنسبة لكانط، السلام ليس مجرد غياب للرصاص، بل هو حالة أخلاقية وقانونية. الرضوخ للأطماع والاعتراف بكيان قائم على التوسع والتهجير لا يحقق “سلاماً”، بل يحقق ما أسماه كانط تهكماً بـ “سلام المقابر”؛ حيث ينتهي الصراع بموت الضحية وضياع حقها للأبد.
أمام هذا العمق الفلسفي، يظهر “تهافت السفلة” من الإعلاميين الذين يديرون منصات ممولة بوضوح أكبر. هؤلاء لا يوزعون “واقعية”، بل يوزعون “عدمية سياسية”. إنهم يستخدمون آلية “العجز المتعلم” (Learned Helplessness) لإقناعنا بأن قدرنا هو الرضوخ. إن “إعاشة الهزيمة” التي يوزعونها في مقالاتهم تهدف إلى تحويل الإنسان اللبناني من “فاعل تاريخي” (كما أراده هيغل) إلى “كائن مستهلك للأمان” (كما وصفه نيتشه في “الإنسان الأخير”).
إن التعب من المعارك حق إنساني، لكن تحويل التعب إلى “تنازل سيادي” هو جريمة تاريخية. المقاومة والرفض هما التعبير الأسمى عن “الوعي السيد” الذي يرفض أن يقايض حريته بلقمة مغمسة بالذل. الصحفيون الذين يطالبوننا اليوم بالاعتراف بمطامع العدو، إنما يطلبون منا الانتحار الفلسفي والوجودي قبل العسكري. السلام الحقيقي هو ثمرة القوة والسيادة، أما “سلام الانهزاميين” فهو مجرد مراسم تشييع لوطن كان يوماً عصياً على الانكسار.




