محمد عبد الله
في خطوة وُصفت بأنها من أخطر التحولات التشريعية في سياق العدوان الإسرائيلي المتواصل على الفلسطينيين، أقرّ الكنيست الإسرائيلي، مساء الاثنين، قانونًا يقضي بفرض عقوبة الإعدام على الأسرى الفلسطينيين، بعد سنوات من الجدل والمحاولات المتكررة لتمريره.
وقد فجّر إقرار القانون موجة واسعة من الإدانات الفلسطينية والدولية، وأثار تحذيرات من تداعياته على مصير المعتقلين الفلسطينيين، وعلى مجمل الأوضاع السياسية والأمنية في المنطقة.
إقرار القانون وأطرافه الداعمة
صوّت الكنيست لصالح القانون بأغلبية 62 عضوًا مقابل معارضة 48 وامتناع عضو واحد عن التصويت، وذلك بالقراءتين الثانية والثالثة، ليصبح نافذًا بشكل رسمي.
وجاءت المبادرة بهذا التشريع من حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف بقيادة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، إلى جانب عضو الكنيست نيسيم فاتوري من حزب “الليكود”.
ويأتي هذا الإقرار في سياق سياسي داخلي إسرائيلي يتسم بتصاعد الخطاب اليميني، وازدياد الدعوات لاتخاذ إجراءات أكثر تشددًا بحق الفلسطينيين، خصوصًا في ظل استمرار المواجهات والتوترات الأمنية.
ملامح القانون وبنوده الأساسية
ينص القانون على فرض عقوبة الإعدام على الفلسطينيين المدانين بارتكاب “أعمال إرهابية”- وفق وما ورد في نص القانون، وأدت إلى القتل العمد، مع تضييق كبير على إمكانية استبدال الحكم بالسجن المؤبد، الذي يُحصر في حالات استثنائية نادرة للغاية.
ويُطبق القانون بشكل أساسي على الفلسطينيين غير الإسرائيليين، خصوصًا سكان الضفة الغربية، ما يثير اتهامات مباشرة له بالتمييز العنصري.
كما يمنح المحاكم العسكرية صلاحيات واسعة لإصدار أحكام بالإعدام دون اشتراط إجماع القضاة، أو حتى طلب من النيابة العامة، وهو ما يمثل خروجًا عن المعايير القضائية المعتادة.
ومن أبرز البنود المثيرة للجدل، سحب صلاحيات القائد العسكري في منح العفو أو تخفيف العقوبة، إلى جانب تحديد آلية تنفيذ الحكم شنقًا خلال مدة لا تتجاوز 90 يومًا من صدوره النهائي، مع إمكانية تأجيل محدودة لا تتجاوز 180 يومًا بطلب من رئيس الوزراء.
كما يتضمن القانون تعديلات على قوانين السجون، بما يشمل فرض العزل الانفرادي على المحكومين بالإعدام، وفرض قيود صارمة على زيارتهم، إضافة إلى الحفاظ على سرية إجراءات التنفيذ.
وفي المقابل، يمنح القانون عائلات القتلى الإسرائيليين حق الاطلاع على موعد تنفيذ الحكم.
انتقادات حقوقية وتحذيرات من التمييز
أثار القانون موجة انتقادات حادة من جهات حقوقية محلية ودولية، اعتبرته تشريعًا “عنصريًا” يستهدف فئة بعينها على أساس قومي.
ولفتت صحيفة “هآرتس” إلى أن صياغة القانون، التي تربط الإعدام بنيّة “إنكار وجود دولة إسرائيل”، تجعل تطبيقه شبه مستحيل من الناحية القانونية، لكنها في الوقت ذاته تكرّس التمييز بين الفلسطينيين واليهود.
كما حذرت جهات حقوقية من أن القانون يخلق نظامين قانونيين منفصلين، أحدهما يُطبق على الفلسطينيين في المحاكم العسكرية، والآخر على الإسرائيليين، وهو ما يشكل انتهاكًا لمبدأ المساواة أمام القانون.
موقف مؤسسات الأسرى الفلسطينية
اعتبرت مؤسسات الأسرى الفلسطينية أن القانون يشكل “المرحلة الأخطر” في تاريخ الحركة الأسيرة، مؤكدة أنه يأتي ضمن سياق أوسع من السياسات التي تستهدف الفلسطينيين، بما في ذلك الاعتقال الإداري والتعذيب داخل السجون.
وأشارت هذه المؤسسات إلى أن القانون يمثل “غطاءً تشريعيًا” لعمليات القتل التي تقول إنها كانت تُمارس سابقًا خارج إطار القانون، معتبرة أنه جزء من منظومة أوسع تهدف إلى تصفية الأسرى جسديًا ونفسيًا.
كما دعت إلى تحركات دولية عاجلة، تشمل تفعيل مبدأ الولاية القضائية العالمية، وملاحقة المسؤولين الإسرائيليين أمام المحاكم الدولية، والعمل على عزل الكنيست دوليًا.
تحركات قانونية للطعن في القانون
في أول رد قانوني، تقدمت جمعية “حقوق المواطن” في إسرائيل بالتماس إلى المحكمة العليا، مطالبة بإلغاء القانون ووقف تنفيذه فورًا، واعتبرته “غير دستوري” وينتهك الحق الأساسي في الحياة.
وأوضحت الجمعية أن القانون يتيح فرض عقوبة الإعدام بأغلبية بسيطة في المحاكم العسكرية، دون ضمانات كافية للعدالة، كما يحرم المتهمين من فرص حقيقية لإثبات براءتهم أو طلب العفو.
من جهته، أعلن “مركز عدالة” الحقوقي عزمه التوجه إلى المحكمة العليا أيضًا، مؤكدًا أن القانون يقوم على تمييز إثني واضح، وينتهك القانون الدولي، خاصة فيما يتعلق بتطبيق التشريعات الإسرائيلية على الأراضي المحتلة.
ردود الفعل الفلسطينية والدعوة للتصعيد الشعبي
على الصعيد الشعبي، أثار القانون حالة غضب واسعة في الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث شهدت عدة مدن، من بينها رام الله وطوباس ونابلس والخليل وجنين وغزة، وقفات احتجاجية شارك فيها مئات الفلسطينيين.
ورُفعت خلال هذه الفعاليات شعارات منددة بالقانون، ومطالبة بمحاسبة إسرائيل، وسط تحذيرات من أن تطبيقه سيعرض حياة آلاف الأسرى للخطر.
وفي هذا السياق، دعت حركة “فتح” إلى إضراب شامل في الضفة الغربية، في محاولة للضغط من أجل إسقاط القانون، معتبرة أنه يستهدف الشعب الفلسطيني بأكمله، وليس فقط الأسرى.
كما وجّه مجلس الوزراء الفلسطيني في جلسته الأسبوعية، مختلف جهات الاختصاص وخاصة وزارة الخارجية والمغتربين، نحو أوسع تحرك دولي وعاجل للضغط باتجاه إلغاء قرار “الكنيست” إعدام الأسرى، لما ينطوي عليه من إضفاء غطاء تشريعي على القتل، وتكريس لنهج الإعدام الميداني.
مواقف دولية وتحفظات داخل إسرائيل
دوليًا، عبّر مفوض وكالة “الأونروا”، فيليب لازاريني، عن صدمته من إقرار القانون، واصفًا إياه بأنه “مهين وتمييزي للغاية”، ومؤكدًا أن الدول الديمقراطية تميل إلى إلغاء عقوبة الإعدام لا إلى إعادة تطبيقها.
كما ندد بيان مشترك صادر -قُبيل إقرار القانون في الكنيست- عن ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا بتوجه إسرائيل لاعتماد القانون، معتبراً إياه تقويضاً لالتزام إسرائيل بالمبادئ الديمقراطية.
وأفادت القناة 12 الإسرائيلية بتهديد الاتحاد الأوروبي بفرض عقوبات على إسرائيل حال البدء في تطبيق القانون، تشمل إلغاء اتفاقية الشراكة أو تعليق أجزاء منها كالتجارة والتعاون التكنولوجي والحوار السياسي، ونقلت وسائل إعلام عبرية عن مسؤولين أوروبيين وصْفهم للخطوة بأنها توجه نحو “هاوية أخلاقية” تكرس نظامين للعدالة بين اليهود والفلسطينيين.
من جانبها، اعتبرت منظمة العفو الدولية إقرار القانون “استعراضاً علنياً للوحشية والتمييز”، محذرة من أنه يمثل بداية لسلسلة قوانين تنذر بتسهيل استخدام عقوبة الإعدام ضد الفلسطينيين.
كما واجه القانون معارضة داخل إسرائيل نفسها، حيث أعلن نحو 1200 شخصية، بينهم حائزون على جائزة نوبل ومسؤولون سابقون، رفضهم له، واعتبروه “وصمة أخلاقية” قد تضر بصورة إسرائيل دوليًا.
في المقابل، ورغم الانتقادات الواسعة للقانون، أعلنت الولايات المتحدة احترامها لما وصفته بـ”حق إسرائيل السيادي” في تحديد قوانينها وعقوباتها الخاصة، واعتبر متحدث باسم الخارجية الأمريكية أن واشنطن تثق في تنفيذ هذه الإجراءات “في ظل محاكمة عادلة”.
تداعيات محتملة وتصعيد مرتقب
يحذر مراقبون من أن القانون قد يشكل نقطة تحول خطيرة في مسار الصراع، إذ يمكن أن يؤدي إلى تصعيد ميداني، وزيادة التوتر في الأراضي الفلسطينية، خاصة في ظل وجود أكثر من 9500 أسير فلسطيني في السجون الإسرائيلية، بينهم نساء وأطفال.
كما يُخشى أن يؤدي تطبيق القانون إلى تعقيد أي جهود سياسية مستقبلية، سواء على صعيد التهدئة أو تبادل الأسرى، إضافة إلى احتمال فتح ملفات قانونية دولية جديدة ضد إسرائيل.
ويمثل إقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين تحوّلًا عميقًا في البنية القانونية والسياسية الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين، ويعكس تصاعدًا في السياسات العقابية ذات الطابع الجماعي والتمييزي.
وبينما تتواصل التحركات القانونية للطعن فيه، وتتزايد الدعوات الدولية لوقفه، يبقى مصير هذا القانون مرتبطًا بتوازنات معقدة بين القضاء الإسرائيلي، والضغوط الدولية، والتطورات الميدانية.
وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن تداعيات هذا التشريع لن تقتصر على الساحة القانونية، بل ستطال مجمل المشهد السياسي والإنساني في المنطقة.




