جيفارا سمارة
استخلصت إيران العبرة من الإبادة الغزية.. إذ لا وقف لإطلاق النار بلا اتفاق صلب يضمن الحقوق، في عالم يحكمه الاقتصاد، حيث بات مضيق هرمز أهم للعالم من القيم الإنسانية.. وسلاح إيراني أقوى من النووي، عالم ما بعد “أكتوبر”، أضحى غابة تحكمه شريعة من غلب، ويعاد فيه رسم المشهد العالمي.. واشنطن المهيمن دوليًا، وإسرائيل المسيطر إقليميًا، بعد تكبيد محور المقاومة خسائر هائلة، وإخضاع أميركا اللاتينية، تمهيدًا لاصطياد الدب والتنين.
إيطالية تواجه العالم… وهدير الحرب طغى على صرخات الرضيع
في الـ21 من الشهر الجاري، ثاني أيام العيد، كان هدير الحرب يطغى على صرخات رضيع (22 شهرًا من العمر) من مخيم المغازي بمحافظة الوسطى، يُكوى بأعقاب السجائر، وبنيران الولاعة، وتُثقب ساقه بآلة حادة تدخل من جهة وتخرج من الجهة المقابلة، والتهمة أن والده الجريح دخل الخط الأصفر المحظور.
أسامة أبو نصار، والد الرضيع جواد، دخل الخط الأصفر، فكان حظه من الدخول الاعتقال بعد الجرح وتعذيب ولده، هناك حيث تحولت المنطقة إلى مصيدة للغزيين، ومرتع للعصابات الإجرامية الخائنة، حيث لا مباني قائمة خلف الخط الذي يُراد منه إعادة رسم حدود القطاع بالقوة.
حادثة مرت في العالم دون أن تُلاحظ، ما خلا تصريحات المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي، جاء فيها: “التعذيب صار سياسة دولة في إسرائيل، بعد أن أطلق العالم يدها، لتحول حياة الفلسطينيين إلى سلسلة متواصلة من المعاناة الجسدية والنفسية وبيئة تعذيب ضحيتها الكل، وتدمير لمقومات الحياة، ويسلب الكرامة، ولا يخلّف سوى أشباح خاوية تعيش سلسلة إجرامية، هي اختبار للمسؤولية القانونية والأخلاقية الجماعية للعالم، ولن تقف عند حدود فلسطين بل ستمتد من لبنان إلى إيران، والخليج، وفنزويلا إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، إذا لم تُكبح”.
ألبانيزي التي تهددها إسرائيل وحلفاؤها بإنهاء حياتها المهنية على الأقل، تقتدي ربما ببطلة ميثولوجيا بلادها “لوكريتيا” التي تصدت لظلم ابن الملك، الذي اعتدى عليها ولم يكن لديها سند، فقررت أن تكشف الجريمة أمام الناس ثم أنهت حياتها رفضًا للظلم، والتضحية من أجل القيم الإنسانية.
تصريحات التقطناها في “بالغراف” لنبني عليها خريطة ديناميات نفسية-اجتماعية في ظل التهديد الوجودي لكامل الوجود الفلسطيني في مختلف جغرافية فلسطين التاريخية، بالاستعانة بخبراء في علم الاجتماع والسياسة.
ليس الأسوأ ما يأتي.. بل الاستسلام
يقول عالم الاجتماع والباحث الأكاديمي في جامعة بيرزيت المختص بالقضايا الاجتماعية والسياسية الفلسطينية والتحليل النقدي للواقع الاجتماعي الدكتور خالد عوض الله: إن وجودنا في أرضنا منذ النكبة وحتى ما قبلها ليس مِنةً من الاحتلال، بل نتيجة صمود شعبنا ورفضًا للاستسلام، وما يجري سياسة دولة في إطار قانوني لهذا الكيان، عبر نمط بُني منذ إنشائه، ونحن نعيش خطة مرسومة تجري أحداثها بنسق مخطط، هدفه النهائي إلغاء الوجود الفلسطيني”.
وكانت منظمة “بتسيلم” الإسرائيلية قد نشرت العام الماضي تقريرًا بعنوان “إبادتنا”، جاء فيه: إن حرب الإبادة على الفلسطينيين في غزة والضفة لم تكن نتيجة هلع وجودي فقط، وإنما اختيارًا واعيًا لتخيّل مستقبل خالٍ من الفلسطينيين، وهو أمر دُبر له منذ ما قبل النكبة عبر تصور التفوق العرقي بداية، ونزع سمة الإنسانية عن الشعب الفلسطيني، خاصة في قطاع غزة”.
وأشار التقرير إلى أن التشوه المفهومي الإدراكي الأخلاقي العميق الذي تجذر في المجتمع الإسرائيلي، أدى إلى تجريد منهجي للفلسطينيين من إنسانيتهم، وجعل من إبادة الفلسطينيين وتعذيبهم والاغتصاب أمرًا شرعيًا، بل وضرورة أمنية وأخلاقية”.
الإبادة مستمرة .. مع الانشغال بالإقليم
سيد الخداع دونالد ترامب (رئيس مجلس السلام)، الذي تعهد بفرض الاتفاق أخلف كل وعوده المتعلقة بالجانب الإسرائيلي، فالمحادثات في خطته معلّقة منذ بدء عدوانه على إيران، وهو يراها -بحسب رويترز- فرصة لتسريع نزع السلاح عبر تقليص النفوذ الإيراني الداعم لحركة «حماس» ماليًا، وهو ما أكده رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي السابق تساحي هنجبي، بقوله: “إن مصير غزّة سيُحسم في طهران؛ فإن نجت الأخيرة ستنجو حركة حماس، وإن سقطت ستسقط”، وهو ما سبق أن عبّر عنه أيضًا السيناتور الأميركي ليندسي غراهام، قائلًا: إن هزيمة إيران ستؤكد الهيمنة الأميركية الإسرائيلية على المنطقة، وترسم ملامحها.
تصريحات أميركية-إسرائيلية تعكس خططًا، استشهد معها 677 فلسطينيًا وأصيب 1813 آخرون منذ 10 أكتوبر 2025 في القطاع، في حين أن السلاح الأقذر هو القتل جوعًا، حيث أفادت صحيفة “هآرتس” أن عدد شاحنات المساعدات التي تدخل غزة تراجع بنحو 80% منذ الحرب على إيران، في حين أعلنت وزارة الصحة في غزة أن أنظمة الكهرباء في المستشفيات، المعتمدة على المولدات، تواجه خطر الانهيار بسبب نقص قطع الغيار والزيوت. كما حذّرت منظمة الصحة العالمية من النقص المتزايد في الأدوية والمستلزمات.
وعن ذلك يقول عالم الاجتماع عوض الله: ما يحدث في قطاع غزة المنسي في ظل نكباته وجوعه والقتل اليومي، لهو النموذج الذي تريد إسرائيل جعله حالة يومية من الحصار والتجويع المستدام بهدف الوصول إلى المرحلة النهائية، وأن الوقوع في تصوير الغزي على أنه خارق هو أشبه بحيلة نفسية تستخدم لكي تريح باقي البشرية والإقليم وحتى الشعب الفلسطيني نفسه من عبء تحمل المسؤولية تجاه بشر يموتون قتلًا وجوعًا ونقصًا في الأدوية كل يوم، وهو امتداد لحصار العام 2007 بهدف الإبادة.
وبالعودة إلى تقرير بتسيلم، فإنه ينوه إلى أن إسرائيل كرّست على مرّ السنين فصلًا قانونيًا وماديًا عبر قيود صارمة استخدمت غزة كمختبر لتجريب ممارسات متطرفة، ثم راح عنفها يشتد ويتطرف أكثر فأكثر، حتى تحولت غزة فعليًا إلى سجن شاسع يعيش سكانه كارثة إنسانية بدأتها إسرائيل منذ العام 2008، بحساب الحد الأدنى لكمية السعرات الحرارية لكل غزي، جرائم مرت دون أي مساءلة.
ويشير التقرير إلى أن الإبادة لم تبدأ منذ الـ7 من أكتوبر، بل عبر ممارسات مختلفة نُفذت بالتوازي على مر الزمن، بينما يكون القتل الفعلي الجماعي شكلها الأخير، وأن هجوم حماس لم يكن سوى ذريعة.
هزيمة إيران كارثة استراتيجية للقضية الفلسطينية
ويقول عوض الله: علينا أن نتوقع الأسوأ إذا ما تم القضاء على الدولة الإيرانية بشكلها الحالي لأنها تشكل آخر معاقل المقاومة للمشروع الصهيوني، حيث الهدف إنهاء غزة وجوديًا وكذلك الضفة الغربية عبر توزيع أدوار بين الميليشيات الإجرامية للمستوطنين والجيش، أسفر خلال عام واحد فقط عن تهجير 36 ألفاً”.
وكشفت الأمم المتحدة عن تهجير أكثر من 36 ألف فلسطيني خلال عام واحد جراء تسريع إسرائيل عمليات التوسع الاستيطاني وضم أجزاء واسعة من الضفة الغربية المحتلة، مع تصاعد عنف الجيش والمستوطنين المنسق بينهما كإستراتيجية، مع لعب السلطات الإسرائيلية الدور المركزي في توجيه هذا السلوك والمشاركة فيه أو تمكينه.
وبينت الأمم المتحدة أن التهجير في الضفة الغربية يتزامن مع التهجير الشامل للفلسطينيين في غزة، على يد الجيش الإسرائيلي، في إطار سياسة إسرائيلية منسقة للنقل القسري الجماعي في جميع أنحاء الأرض المحتلة، بهدف التهجير الدائم، ما يثير مخاوف من التطهير العرقي.
وانتقدت منظمة العفو الدولية (أمنستي) بشدة قرار المدعي العام العسكري الإسرائيلي إسقاط التهم عن جنود اغتصبوا أسرى في معتقل “سدي تيمان” العسكري، واصفة القرار بأنه “فصل آخر لا يُغتفر” في سجل إفلات قوات الاحتلال من المحاسبة، ويندرج ضمن تاريخ طويل مشابه للنظام القضائي، وأن ترحيب نتنياهو بهذه الخطوة يكشف عن تواطؤ النظام الإسرائيلي، في وقت تتراكم فيه الأدلة على انتشار التعذيب وسوء المعاملة، بما في ذلك العنف الجنسي، خاصة منذ “الإبادة الجماعية”.
شراكة وظيفية واستراتيجية بين الجيش والمستوطنين في إبادة الضفة
وفي حين تجاوزت أعداد الشهداء في القطاع منذ بداية الإبادة وحتى الآن الـ72 ألف شهيد، إضافة إلى المفقودين، واقتراب عداد الجرحى من الـ200 ألف إذا احتُسبت كل الإصابات غير المسجلة، وسط كارثة الدمار الشامل في كافة مقومات الحياة، فإن أوضاع الضفة وإن كانت أقل كارثية إلا أنها تشكل أرقامًا مرعبة أيضًا.
فمنذ 7 أكتوبر وحتى الآن تجاوز عدد الشهداء في الضفة الـ1100 شهيد، في حين تشير أرقام الأمم المتحدة إلى أن عدد الجرحى تجاوز الـ12100 جريح منذ أكتوبر 2023 وحتى الآن، وأن عدد المنشآت التي هُدمت في الضفة بلغ منذ أكتوبر وحتى الآن أكثر من 4194 منشأة، هدم انعكس على حياة 625,271 فلسطينياً في ذات الوقت.
وعن ذلك يقول مدير عام التوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان أمير داوود: جرائم الاحتلال تزايدت بشكل غير مسبوق منذ أكتوبر خاصة مع انشغال العالم بعدوانه على إيران، تحديدًا جرائم المستوطنين عبر تزايد رقعة اعتداءاتهم بشكل كبير وواضح، حيث يمكن اختصار ما فعله الاحتلال في الأعوام التي تلت الحرب بعبارة جذرية هي تحويل العلاقة مع الأراضي الفلسطينية من أراضٍ محتلة إلى أرض تخضع إلى السيادة الإسرائيلية”.
ويضيف داوود: جاء ذلك عبر قرارات جوهرية تجاوزت الخطوط الحمر مثل القرارات المرتبطة بتغيير عمل الإدارة المدنية وتعيين مستوطنين في هذه المناصب بدلًا من ضباط يديرون أعمال الإدارة المدنية، وتعيين مستوطن يدير شؤون الاستيطان ولجان التخطيط وعمليات تسجيل الأراضي.
وأشار إلى أن كل ما طرح من اتفاقيات ائتلافية لحكومة المستوطنين هذه طُبق، وهو ما يعكس نية إبادة كانت موجودة مسبقاً حتى قبل أكتوبر، ولكن الاحتلال استغل ما بعد السابع من أكتوبر وانقض على كل شيء باعتبار أن هذه لحظة لن تتكرر وسابق الزمن في فرض الوقائع عبر تفتيت الجغرافيا الفلسطينية.
وينوه داوود إلى أنه وخلال العامين الماضيين استولى الاحتلال على أكثر من 60,000 دونم، وهذا رقم قياسي، منها 27 ألف دونم تحت ما يسمى بأراضي الدولة، وهذا يعادل ما صادره الاحتلال في أكثر من 30 عامًا سابقة، والأخطر هو تخصيص مساحات شاسعة من هذه الأراضي تفوق 16 ألف دونم لصالح المستوطنات الرعوية، وبالتالي لم تعد أراضي دولة بل تحولت إلى مشاريع استيطانية.
ويقول مدير عام التوثيق: “لم يقف الأمر عند ذلك، بل شرعوا في جملة تشريعات وقوانين مثل تعديل قانون فك الارتباط الذي صودق عليه حتى قبل أكتوبر، وتمكين المستوطنين من امتلاك العقارات والأراضي في الضفة، وتوسيع صلاحية سلطة الآثار الإسرائيلية ومشاريع أخرى كثيرة لابتلاع الجغرافيا الفلسطينية”.
ويتابع داوود: “الخطير أيضًا هو مشروع تهجير التجمعات البدوية فنحن نتحدث عن أكثر من 80 تجمعًا بدويًا تم تهجيرها خاصة في السفوح الشرقية، وهي مناطق شاسعة تمثل الامتداد الجغرافي للضفة الغربية شرقًا، سُرقت عبر تهجير أهلها، ما يعكس استخدام المستوطنين كذراع طولى في تنفيذ السياسات الحكومية للاحتلال بسرقة الأراضي، وهو تبادل وظيفي واستراتيجي في تنفيذ الإبادة ضد الفلسطينيين”.
وبالعودة مجددًا إلى تقرير بتسيلم فإنها تشدد على أن المناخ الجماهيري العام والسياسي في إسرائيل الذي دفع نحو إخراج الإبادة الجماعية إلى حيز التنفيذ قائم أيضًا في الضفة، وبهذا المعنى فإن خطر تنفيذ إبادة جماعية فيها هو خطر قائم وواقعي.
أميركا تريد تسليم عنق المنطقة لإسرائيل حتى تتفرغ للكبار
ويقول المحلل السياسي هاني المصري: إيران جارة للعرب ومصيرها سيترك تأثيرًا كبيرًا في قضايا المنطقة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، لأن النظام الإيراني يشكل أحد العوائق أمام استكمال فرض الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة تحت المظلة الأميركية. فالولايات المتحدة تسعى إلى إسناد دور مركزي لإسرائيل في إدارة شؤون المنطقة، بما يسمح لها بالتفرغ لمواجهة النفوذ الصيني.
ويضيف: إن انتصار واشنطن سيحول القضية الفلسطينية إلى قضية إنسانية تتعلق بالسكان لا بحقوق شعب، وسيمنح دفعة قوية لمشاريع التطبيع مع ما تبقى من الدول العربية والإسلامية، ويفرض حلًا تصفويًا استسلاميًا، وهو سيناريو مطروح إذا لم ينظم الفلسطينيون أنفسهم بشكل موحد، وتأثير هذه السيناريوهات سيتحدد أساسًا، وبدرجة كبيرة، بمدى قدرة الفلسطينيين شعبًا وقيادةً ونخبًا ومؤسسات على تغيير المقاربات السياسية المعتمدة وتوفير متطلبات المواجهة القادرة على الدفاع عن الحقوق، والكرة في ملعب الشعب، لأن القيادة والفصائل ومعظم النخب في عالم آخر.
ويفسر علم النفس السلوكي الاعتياد أو التبلد النفسي تجاه منبهات الخطر المتزايدة ببطء، أو ما يسمى في علم النفس الاجتماعي سلوك الجماعات والمجتمعات المتمثل في القبول التدريجي للظلم وغياب المقاومة عن كل ما ذكر، يسمى مجازًا بـ”نظرية الضفدع المسلوق”.
ويقول مجاز النظرية إنك إذا وضعت ضفدعًا فجأة أو مباشرة في ماء يغلي فإنه سيقفز منه مبتعدًا عن الخطر، لكن إذا وضعته في ماء بارد وسخنته تدريجيًا فإن الضفدع سيتعايش مع الخطر ويبقى في الماء حتى يصل إلى درجة الغليان، فيموت سلقًا، والنظرية مجاز مخالف لفطرة الضفدع إذ تفرض عليه غريزته أن يقفز.
الاحتلال الإسرائيلي الدارس والمستخدم لكافة الأساليب يستخدم ذات الأسلوب في الابادة وتهجير مواطني الضفة الغربية المحتلة، وابتلاع ما تبقى منها عقب إعلانه عزمه ضم المناطق المصنفة “ب وج”، التي تشكل قرابة الـ82% من مساحتها، أي أن ما تبقى للفلسطينيين من إجمالي مساحة فلسطين التاريخية ينحصر في 3.7% فقط، إلى حين ان يقرر ابتلاع الـ18% المتبقية من إجمالي مساحة الضفة المسماة مجازًا أيضًا بالمناطق “أ”، ليكمل على 100%.




