سليم اللوزي
في المشهد الملحمي المأساوي الذي نعيشه اليوم، لم يعد الصاروخ الذي يخترق جسد الحقيقة مجرد أداة قتل عسكرية؛ بل صار إيذاناً ببدء “محرقة” من نوع آخر، محرقة أخلاقية يشترك في تأجيج حطبها عقل جمعي مأزوم، يرى في دماء “الآخر” السياسي مكسباً، وفي موته فرصة لتصفية حسابات ضيقة. إن اغتيال صحفية، لا تملك سوى ميكروفون وكاميرا، بصاروخ مباشر استهدف كيانها المهني والجسدي، هو فعل تصفية مادي لـ”شاهد العيان”.
لكن الفاجعة الأكبر لا تكمن فقط في فوهة المدافع، بل في شاشات الهواتف التي تحولت إلى منصات “رجم رقمي”، حيث يتم نبش ماضي الضحية لتبرير دمها، في حالة تمثل السقوط الحر للإنسانية في هاوية الأيديولوجيا.
عندما يتم اغتيال صحفية لها مواقف سياسية معلنة، يتوقف العقل المستقطب عن رؤيتها ككائن بشري يملك عائلة، أحلاماً، وحقاً مقدساً في الحياة. سيكولوجياً، نحن أمام عملية “تجريد من الإنسانية” (Dehumanization)؛ ففي وعي المعارض السياسي، تتحول هذه الصحفية من “إنسان” إلى “أداة بروباغندا”. وبمجرد حدوث هذا التحول في الإدراك، يتم تعطيل مراكز التعاطف في الدماغ، حيث يمارس الفرد آلية دفاعية تسمى “الشماتة الأيديولوجية”، شعوراً بلذة موهومة نابعة من اعتقاد بأن “العدالة قد تحققت” ضد من كان يزعجه بصوته أو انحيازه. هذا الانحياز المعرفي يجعل “نبش التغريدات القديمة” بمثابة “صك براءة” يمنحه الشامت لنفسه، ليبرر غياب إنسانيته خلف ستار الموقف السياسي.
اجتماعياً، تعاني مجتمعاتنا مما يمكن تسميته “القبيلة الرقمية”. قديماً، كان “العدو الخارجي” يمثل نقطة التقاء توحد الشتات الاجتماعي، لكن في ظل الاستقطاب الحاد، تآكلت “القيم الكونية” لحساب “المصالح الفئوية”. يقول عالم الاجتماع إميل دوركايم إن المجتمع يتماسك بـ”التضامن العضوي” القائم على القيم المشتركة، وما نراه اليوم هو “ردة سوسيولوجية” نحو تضامن ميكانيكي ضيق؛ “أنا أتضامن فقط مع من يشبهني في الرأي”.
إن “الغرف الصدوية” (Echo Chambers) على منصات التواصل الاجتماعي هي المعمل الذي تُطبخ فيه هذه الكراهية؛ حيث لا يسمع الفرد إلا صدى صوته، ويتم شيطنة كل من يغرد خارج سربه، حتى لو كان ذلك الشخص يواجه الموت في سبيل نقل الحقيقة للجميع. لقد وقعت الضحية هنا في فخ مزدوج: اغتيال فيزيائي بيد عدو يدرك خطورة الكاميرا، واغتيال معنوي بيد “أبناء جلدتها” الذين وضعوا انحيازها في كفة، ودمها المسفوك في كفة أخرى، فرجحت كفة الحقد.
إذا استعرنا مفهوم الفيلسوفة حنة آرنت حول “تفاهة الشر”، سنجد أن الشامتين ليسوا بالضرورة “أشراراً” بطبيعتهم، بل هم أشخاص تخلوا عن ملكة التفكير النقدي المستقل وسلموا عقولهم لـ”الماكينة الحزبية”. الشر هنا يصبح “تلقائياً”؛ فالمعارض يرى أن من حق القاتل أن يقتل (ضمنياً) ما دام المقتول خصماً. كما يبرز هنا مفهوم “الإنسان المستباح” (Homo Sacer) للفيلسوف جورجيو أغامبين؛ حيث أصبحت الصحفية في نظر خصومها “حياة عارية” يمكن تبرير قتلها أو إهمال دمها لأنها خرجت عن “الوفاق الوطني” كما يراه الخصوم، وكأن الموت هو العقوبة العادلة للاختلاف في الرأي.
المفارقة التراجيدية تكمن في أن المعارضين الذين ينبشون ماضي الضحية يقدمون “خدمة مجانية” للقاتل. القاتل يريد تغييب الشاهد الذي يفضح جرائمه، والشامت يريد تغييب الرمزية الأخلاقية للضحية. هنا يلتقي الصاروخ مع “التغريدة” في نقطة واحدة: تغييب الجريمة الأصلية والتركيز على “أخطاء” الضحية. النتيجة النهائية هي تراجع الجريمة (الاغتيال بصاروخ) إلى الخلفية، ليصبح النقاش متمحوراً حول مدى “استحقاق” الضحية للتعاطف، وهو الانتصار الأكبر للقاتل الذي نجح في تحويل الضحية من “شهيدة حقيقة” إلى “مادة للنزاع الداخلي”.
إن الدفاع عن الصحفية المغتالة ليس دفاعاً عن قناتها، ولا عن توجهها السياسي، أو تغريداتها التي قد نختلف معها حد القطيعة؛ إنه دفاع عن “المبدأ” القائل بأن الدم البشري حرام، وأن العمل الصحفي مقدس. إن الشماتة في الموت هي أقصى درجات الإفلاس الوجودي، وهي انتصار ثانٍ للقاتل فوق جثة الحقيقة.
إننا بحاجة إلى ثورة أخلاقية تستعيد “الإنسان” من براثن “الأيديولوجيا”. فالصاروخ الذي قتل الصحفية لم يسأل عن انتماءاتها قبل الانفجار، ومن العار أن نسأل نحن عن “تغريداتها” قبل أن ندين القاتل. إننا أمام اختبار حقيقي: فإما أن نكون بشراً نرفض القتل كأداة لإسكات الصوت، وإما أن نكون تروساً في ماكينة كراهية تقتل الضحية مرتين: مرة بالحديد والنار، ومرة بالكلمة والإنكار.




