سليم اللوزي
يواجه الوعي الجمعي اللبناني اليوم محاولة لفرض “سردية خلاص” قوامها تجريد الجغرافيا من تاريخها، والسياسة من موازين قواها. وبينما تُرجع طروحات (صالح المشنوق ومي شدياق) مأساة لبنان إلى “لحظة خيانة سيادية” عام 1969 أو تجعل منه مجرد “ضحية” لصراع إيراني-إسرائيلي، يكشف التحليل الفكري المضاد أن هذه الطروحات ليست سوى “هروب إلى الأمام” يغفل الجذور البنيوية للأزمة.
سيكولوجيا “التروما” والهروب إلى الحلول الوهمية
يعيش المجتمع اللبناني تحت وطأة “إعياء وجودي مزمن” ناتج عن تكرار الحروب والانهيارات. هذا الإعياء أدى إلى تآكل المناعة النفسية الجماعية، مما خلق حالة من الاستلاب التي تفضل “أمنيات الخلاص السريع” على “التحليل الاستراتيجي البارد”.
إن الترويج للسلام كأداة تقنية تعيد لبنان “سويسرا الشرق” بمجرد التوقيع هو “رد فعل صدمي” (Shock Response) يبحث عن “أب حامٍ” خارجي للتخلص من عبء المواجهة. السلام الذي لا يعالج الأسباب الجذرية (الأطماع المائية، اللاجئين، والحدود) هو “سلام قشرة” سينهار عند أول احتكاك حقيقي بالجغرافيا. والرهان على الازدهار الفوري في ظل نظام مصرفي منهار هو وهم؛ فالازدهار يُبنى بالإنتاجية الوطنية لا بالقرارات السياسية الخارجية التي قد تحول لبنان إلى “ملحق أمني” فاقد للسيادة.
مغالطة “الذريعة” والعقيدة التوسعية
يرتكز خطاب “الواقعية المتوهمة” على أن السلاح هو “المغناطيس” الوحيد للعدوان. إلا أن هذا الطرح يعاني من قصور في الذاكرة التاريخية، فالمطالبة بنهر الليطاني وُثقت عام 1919، واجتياح 1978 وقع قبل أي نفوذ إيراني، مما يثبت أن الأطماع في المياه والأرض “ثابت بنيوي” وليست رد فعل على “ذرائع” طارئة. إن إسرائيل كيان يعيد إنتاج شرعيته بالتوسع الأمني الدائم. تصوير الصراع كمنتج لـ”أداة إيرانية” هو تسطيح لواقع جيو-سياسي يرى لبنان كـ”جبهة شمالية” قيد التشكيل، لا كدولة جوار. يجب ألا ننسى أنه في المنطق الصهيوني، الضعف اللبناني ليس دعوة للسلام بل فرصة لفرض الشروط ونهب الثروات.
ازدواجية معايير “السيادة” والارتهان
لا شك أن هناك فجوة في تعريف “السيادة” لدى بعض النخب؛ حيث أصبحت مفهوماً انتقائياً يُستدعى ضد الخصم المحلي ويُغيب أمام النفوذ الخارجي. فلماذا كانت المقاومة ضد الوجود السوري “واجباً مقدساً”، بينما تُصنف المقاومة ضد الأطماع الإسرائيلية “انتحاراً”؟ هذا التناقض يعكس أزمة هوية يتم فيها “تبييض صفحة” العدو الوجودي تحت مسمى “البراغماتية”. إن حصر المشكلة في السلاح كعائق وحيد لقيام الدولة، مع تجاهل تفكيك الدولة من الداخل عبر “نظام المحاصصة”، يجعل من شعار السيادة مجرد أداة لتصفية الحسابات الداخلية. السيادة الحقيقية تتطلب جيشاً بقرار سياسي مستقل واقتصاداً غير مرتهن.
وهم “الحياد” في جغرافيا “الاشتباك”
الحياد في علم الاجتماع السياسي ليس أمنية، بل وضعية قانونية يحميها “توازن قوى” يجعل كلفة خرقها باهظة. لبنان بجغرافيته المثقلة بالملفات الوجودية (لاجئين، ثروات مائية، عدو بلا حدود مرسومة) لا يملك ترف “الحياد السويسري”. الحياد في بيئة متفجرة يتطلب دولة مدججة بالقدرة، لا دولة مستقيلة من مهامها الدفاعية. ولبنان لم يتحول إلى “ساحة” بسبب السلاح فقط، بل نتيجة لـ”فراغ الدولة” المتعمد التي أهملت تنمية الأطراف واستبدلت الاقتصاد المنتج بنموذج ريعي قائم على الاستدانة.
ما وراء “الورقة والقلم”
ما يُطرح اليوم هو “سلام الورقة والقلم” الذي يفترض أن التوقيع كفيل بإنهاء الصراعات الوجودية. لكن الاستقرار يصنعه “توازن القوى”، وفي غيابه، يتحول السلام إلى “صك إذعان”. لا شك أن البديل ليس الحرب الأبدية، بل “التحصين الداخلي” الذي يرتكز على وعي تاريخي يدرك أن أطماع العدو ثوابت وليست ردود فعل. وفهم سيكولوجي يدرك أن تفكك الجبهة الداخلية هو “فرصة” للاحتلال. ودولة الفعل التي تعمل على بناء اقتصاد صلب وقرار دفاعي موحد يرفض تحويل لبنان إلى “صندوق بريد” أو “ملحق أمني”.
السيادة تُؤخذ ولا تُمنح، والهرولة نحو سلام غير متكافئ قبل خياطة ثوب الدولة الممزق من الداخل هي وصفة لتكرار الفشل واستبدال وصاية بأخرى.




