loading

الأقصى قاب قوسين.. والمقدسيون على وشك

جيفارا سمارة

ينطلق شكسبير في مسرحية “تاجر البندقية” عام 1598 من هوية شيلوك الاجتماعية وعقيدته، أداة لاستغلال الكوارث ودافعًا لتعزيز ما يراه انتقامًا. مارس 2026 مسرحٌ آخر وشيلوك آخر، يستغل كارثة الحرب والدمار وعدوانه على إيران، ليعزز دافعه بالانتقام ممن يراهم أعداءً آخرين في الضفة الغربية وأقدس مقدساتهم.

وبعكس الجولة السابقة مما سُمّيت حرب الـ 12 يومًا في حزيران 2025، فإن الحرب الحالية على إيران شهدت تساقط شظايا صاروخية كثيرة في مناطق الضفة الغربية المحتلة. 

فالأمر الواضح هو أن إسرائيل تعترض هذه الصواريخ فوق البلدات والقرى الفلسطينية، وهو ما أكده الصحفي بكر الزعبي من الداخل المحتل، كشاهد عيان في أحد اللقاءات، بالقول: “إن الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية مجهزة لأن تعترض الصواريخ الإيرانية فوق البلدات العربية”، وهذا في أراضي عام 48، أما في الضفة، فإن استشهاد 4 سيدات في بلدة بيت عوا بمحافظة الخليل، نتيجة هذه الشظايا، وإصابة آخرين، وتضرر عشرات المنشآت والمباني ونفوق ماشية، في ما يقرب من 300 حادثة سقوط شظايا، لهو خير دليل على تلك السياسة الإسرائيلية، إلا أن الأخطر هو ما يُحاك لأولى القبلتين وثالث الحرمين.

القصف الصاروخي للأقصى.. آخر ما يُدبَّر بعد الأنفاق وخطر التقسيم

شهد عام 2024 اقتحام حوالي 54 ألف مستوطن للحرم القدسي، ليرتفع في 2025 إلى أكثر من 73 ألفًا، وهو رقم لم يُسجَّل سابقًا، حيث أدى المقتحمون صلوات تلمودية، وأدخل بعضهم الخمور، وحاولوا إدخال القرابين، وسط الاعتداءات والاعتقالات بينهم حراس وموظفي الأوقاف وسحب صلاحياتهم، وصولًا إلى العام 2026 حيث يدخل إغلاق الأقصى شهره الثاني، بهدف إحداث واقع جديد يخرق الـ”ستاتيكو” المقرر إبان الحكم العثماني والذي تم تثبيته دوليًا في “معاهدة برلين 1878، وخلافًا لما أقرته محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الذي صدر في يوليو/تموز 2024 بانعدام قانونية الوجود العسكري والاستيطاني في القدس المحتلة، وأن التذرع بحالة الطوارئ غير قانوني نظرًا للتبعية القانونية لإدارة الأوقاف الأردنية.

ويقول الباحث والمختص في شؤون القدس المحتلة فخري أبو دياب إن ما جرى في العشرين من شهر مارس، بسقوط صاروخ أو شظايا من الصواريخ الاعتراضية الإسرائيلية، ليس صدفة، بل فعلٌ مقصود وجس نبض للفلسطينيين والمسلمين والعالم، فهذا فعل مخطط له منذ سنوات، وانتشار فيديو للحاخام اليهودي يوسي مزراحي يدعو فيه حكومته لقصف الأقصى وتلبيس التهمة لإيران، لهو خير دليل على مخططات هدم الاقصى، الذي تتهدده أكثر من 26 حفرية أسفله بالانهيار عند أي كارثة طبيعية.

وفي آب/أغسطس 2024، انتشر مقطع فيديو على وسائل التواصل لمزراحي، وهو يقول: “ومن يدري؟ ربما يضرب أحد الصواريخ المسجد الأقصى ويدمره تمهيدًا لإقامة الهيكل الثالث، وهو ما يمكن أن يكون معجزة أخرى، ولو كان الأمر بيدي لانتهزت الفرصة حينما تطلق إيران صواريخ على إسرائيل، كي أتظاهر بأن صاروخًا أُطلق من إيران وسقط على الأقصى، وحينها سيقف العرب ضد إيران، وتكون نهاية المشاكل، بأن نجعل عصابة المجانين يحاربون بعضهم بعضًا”.

وبعد ساعات من سقوط الشظية، خرج الصحفي اليميني ينون ماغال ليحرض على قصف واستهداف المسجد، حيث كتب في منشور على منصة “إكس”-بصيغة الطلب-: “800 متر شمال شرق من فضلكم”، وأرفق منشوره بصورة المسجد الأقصى.

في الجهة الجنوبية للأقصى.. جنون تحت الأرض وفوقها وحتى في السماء

المشهد وعلى بعد مسافة دقائق قليلة عن المسجد الأقصى من الناحية الجنوبية والجنوبية الشرقية، في بلدة سلوان، سريالي حد الجنون، إذ تجد هناك استيطانًا تحت الأرض على شكل أنفاق وحفريات وقبور، ومشاريع سرقة أراضٍ وعقارات وحدائق، حتى السماء استوطنها بالجسور والقطارات و”التلفريك”، حمى استيطان تُسابق الزمن لفرض خرافات توراتية مزورة على أنقاض الهوية العربية.

كل مشاريع الاحتلال في سلوان تهدف للتهجير كخرافة “مدينة داود”، عبر ربط سلوان بالمسجد الأقصى والبلدة القديمة ضمن تكتل عشرات البؤر الاستيطانية، لإحلال عشرات آلاف المستوطنين مكان أهل البلاد الأصليين، حيث يعيش في سلوان حوالي 60,000 فلسطيني مقابل 3,200 مستوطن تم توطينهم في بؤر استيطانية وسط الأحياء الفلسطينية.

مشاريع حدائق ومرافق عامة مثل مشروع الحديقة التوراتية، ومخطط الحديقة الملكية (جنان الملك) هو أحد أخطر المخططات التي تهدد حي البستان في سلوان؛ تحويل أراضي حي البستان إلى “حديقة وطنية” ومتنزه أثري مفتوح، حيث يُفترض تحويل 60% من الحي لمواقف سيارات، و40% المتبقية حدائق ومرافق؛ مشروع “كيدم”، وهو مجمع سياحي ضخم بمساحة تتجاوز 16 ألف متر مربع، على بعد 20 مترًا فقط من أسوار البلدة القديمة، في موقف “الجفاتي” للسيارات بجوار حي وادي حلوة.

المشاريع الاستيطانية المستقبلية، كمشروع “وادي السيليكون” في منطقة وادي الجوز –المدخل الشمالي لسلوان والقدس الشرقية–، لتحويل المنطقة إلى مركز اقتصادي إسرائيلي عبر إخلاء المنطقة بالكامل، وربط الكتل الاستيطانية بالقدس، ويجعل سلوان جزءًا من حزام استيطاني.

الاستيطان تحت الأرض، عبر مشاريع شبكة الأنفاق والحفريات تحت المنازل في أحياء وادي حلوة، بطن الهوى، شارع هيرودوس، وأنفاق تربط سلوان بالأقصى لإضعاف بنية المنازل وسرقة ما تحت الأرض، المقبرة اليهودية ومنحدرات جبل الزيتون، ومشاريع توسعة المقبرة اليهودية في رأس العامود (المطلة على سلوان)، وربطها بمسارات سياحية وحدائق “وطنية” تحيط بالبلدة من الجهة الشرقية والشمالية لعزلها عن محيطها.

استيطان السماء، كالجسر المعلق بوادي الربابة، للسيطرة على ما فوق المنازل، خط “أوميغا” للتزلج الهوائي، وهو أطول خط تزلج في المنطقة بطول 784 مترًا، يبدأ من منطقة جبل المكبر وينتهي في حي سلوان، مشروع التلفريك (القطار الهوائي) العابر لغربي القدس وجبل الزيتون وباب المغاربة والأقصى، بهدف تسهيل اقتحام الأقصى.

باطن الهوى… نموذجًا على الإبادة المقدسية

ويهدف الاحتلال إلى السيطرة على حي “بطن الهوى” في قلب المشاريع الاستيطانية ببلدة سلوان، عبر سرقة منازل منفردة وتحويلها إلى بؤر استيطانية، كما حدث مؤخرًا بتهجير 15 عائلة بشكل قسري، مما يهدد أكثر من 200 عائلة أخرى (حوالي 900 فرد) بالتهجير الجماعي، بالاستيلاء على قطعة أرض مساحتها حوالي 5.2 دونمات، تدعي اسرائيل ملكيتها لوقف يهودي يمني منذ عام 1881، من خلال إخلاءات قضائية، وبقوانين “أملاك الغائبين”، وعبر مركز تراث يهود اليمن الذي يحتوي على كنيس ومركز ثقافي صهيوني. 

ليس “بلفور” وحده من منح ما لا يملك لمن لا يستحق

وتعود جذور أزمة حي بطن الهوى إلى القرن 19، فبخلاف الصورة الوردية التي يحاول الأتراك ومريدوهم من العرب المتتركين رسمها عن رفض السلطان عبد الحميد أن يبيع دينه وأرض فلسطين، فإن أهل فلسطين، وتحديداً أهالي حي بطن الهوى، ما زالوا يدفعون ثمن تواطؤ الاستعمار التركي مع من يدفع أكثر ثمناً لمصالحهم على حساب فلسطين وأهلها.

الرد السلطاني المزعوم على هرتزل، كما ترى المؤرخة والباحثة فدوى نصيرات في كتابها “دور السلطان عبد الحميد الثاني في تسهيل السيطرة الصهيونية على فلسطين (1876-1909)”، تبعته مفاوضات ستة أعوام قام هرتزل خلالها بخمس رحلات إلى إسطنبول خلال الفترة 1896 ـ 1902، وكانت اثنتان منها على نفقة السلطان، حيث كانت زيارة هرتزل الثانية لإسطنبول 1898 بهدف لقاء القيصر الألماني فيلهلم الثاني الذي كان في زيارة السلطان، وأظهر القيصر تعاطفاً مع مطالب هرتزل.

استمرت المفاوضات عبر الرسائل التي تم تبادلها، ومن أهم ما جاء فيها طلب الدولة العثمانية الأموال من هرتزل؛ في المقابل عرض هرتزل إنشاء شركة أراضٍ عثمانية تعمل على استصلاح الأرض وبناء المستعمرات لتسهيل عملية اقتراض الأموال. كان الجواب النهائي من السلطان ورجاله لهرتزل على شكل نصيحة تقول: «ادخلوا هذه البلاد كرجال مال وكونوا أصدقاء؛ بعد ذلك يمكن لكم أن تفعلوا ما تشاؤون».

 ويمكن أن تفهم من هذه النصيحة أن «بإمكانهم الحصول على فلسطين ونحن لا نمانع بذلك، ولكن علينا أن نكون حذرين وإلا خسرنا كل شيء». ورغم أن الصهاينة قد فشلوا في تحقيق أهدافهم بالحصول على «ميثاق فرماني» لدولتهم، لكنهم تمكنوا من أن يوطنوا آلافاً من اليهود في فلسطين، وما إن جاء مؤتمر 1897 حتى غطت المستعمرات مساحة 45 ألف دونم، إضافة إلى أراضٍ غير مستعمرة لليهود 10 آلاف دونم غرب نهر الأردن و20 ألف دونم شرق الأردن، كما وصل عدد اليهود إلى 45-50 ألفاً (28 ألفاً منهم في القدس وحدها)، وازدادت أعدادهم عام 1908 إلى 80 ألفاً (من عدد السكان الذي وصل في عام 1908 إلى نحو 700 ألف نسمة).

ويجمع معظم المؤرخين أن بداية الاستعمار الصهيوني الفعلي في فلسطين كوطن يهودي، عبر امتلاك الأراضي وإنشاء المستعمرات وإحياء اللغة العبرية، كان على زمن السلطان عبد الحميد، وتقدم نصيرات قراءة تحليلية للفترة 1876-1909 التي بدأت تأسيس المستعمرات الصهيونية بشكل منظم، وإحكام السيطرة الاقتصادية من تأسيس البنوك والشركات التي تعنى بنشاط الحركة الصهيونية وتدفع بها نحو تحقيق أهدافها.

وتحدثت نصيرات عن الفترة التي تأسس فيها عدد من المستعمرات، ومنها: “مكفية إسرائيل” (1870)، وهي مدرسة زراعية يهودية أُسست على طريق يافا القدس، قُدمت أرضها هبة من السلطان عبد العزيز، هدفت لترسيخ العبرية أساساً لتخاطب اليهود في فلسطين استعداداً لدولتهم في فلسطين، ومستعمرة “بتاح تكفا” (1878) ذات الدور الهام في بلورة مفاهيم عديدة داخل الكيان الصهيوني كمحطة مرور للهجرة الصهيونية الثانية بين عامي 1904 و1914؛ ومستعمرة “ريشون لتسيون” التي اشتراها اليهود الروس من الحكومة التركية لعجز أهلها الفلسطينيين عن تسديد الضرائب المفروضة عليهم من الأتراك، ومستعمرة “زخرون يعقوب”، ومستعمرة “عكرون”، ومستعمرة “نس تصيونا”، ومستعمرة “جديرا”.

وشكلت المستعمرات السابقة نواة الاستعمار، إذ أدت دوراً أساسياً في تدريب المزارعين اليهود على الزراعة وفق الأساليب الحديثة، أما بقية المستعمرات الزراعية التي أُنشئت من أجل الإعلان عن الجمعية الصهيونية العالمية، فقد تم اختيارها على أن تكون قريبة من الساحل، ومنها مستعمرة “جديرا” التي اتخذت مركزاً للأبحاث الزراعية لتدريب اليهود المهاجرين على أعمال الفلاحة.

واستغربت نصيرات كيف أن الفترة التي تأسست فيها هذه المستعمرات تزامنت مع بدء إصدار فرمانات منع الهجرة والاستيطان؛ فكيف نشأت هذه المستعمرات وبهذه الفترة الزمنية القصيرة؟ وفي الأعوام ما بين 1890 و1900 تم تأسيس الكثير من المستعمرات في وقت شددت فيه الدولة العثمانية من إجراءاتها لمنع دخول اليهود. وعبّر الأهالي عن معارضتهم لهذا الاستيطان من خلال مخاطبة الدولة في إسطنبول بعرائض موقعة من جميع فئات المجتمع، مطالبين بمنع قدوم اليهود ومنع شراء الأراضي (بخاصة في القدس).

والأغرب أن الدولة العثمانية اعترفت بوجود المستعمرات التي أُسست قبل إعلان المنع، وهو ما سمح للبارون روتشيلد، الذي جمعته مع السلطان عبد الحميد علاقة وطيدة جداً لأن بنك روتشيلد في لندن كان قد أمّن عدة قروض للدولة العثمانية أثرت بدورها في سياسة الدولة العثمانية تجاه فلسطين، وهو (روتشيلد) من كنا قد عرضنا عن دوره سابقاً في “بالغراف” في تقرير “إبستين”، وتسجيل الأراضي باسمه، وسمحت لليهود بشراء الأراضي، ومن المستعمرات التي أُسست في تلك الفترة أيضاً: بيئر طوفيا (1886)؛ رحوبوت (1890)؛ عرتوف (1895)؛ الخضيرة (1890). 

 ومتولا (1895)، التي جاء تأسيسها إثر تمرد قام به سكان المنطقة ضد الدولة العثمانية عند استعداد روتشيلد لشراء أراضيهم، فوافقت السلطات المحلية على ذلك وأجبرت الأهالي على الرحيل وطردتهم من أراضيهم، وأسكنت مستوطنين يهوداً مكانهم؛ ومستعمرة غان شموئيل (1896)، محانايم (1899)، ونتيجة لزيادة الطلب على أراضي البناء قفزت أثمان الأراضي قفزات كبيرة.

وكانت الحكومات الأوروبية والمؤسسات الصهيونية وكبار الأثرياء والممولون اليهود على استعداد تام لإغداق الأموال الطائلة لشراء الأراضي ولبناء المستعمرات لاستيعاب المهاجرين اليهود والمؤسسات الدينية والثقافية، ومنها مستعمرات محانايم (1899)، ومنحاميا (1902)، وغفعات عيده (1903)، وعتليت (1904)، وكفار سابا، وخلدا، وبن شمن، وبئر يعقوب، وغيرها الكثير.

بحلول عام 1908، كان اليهود الصهاينة قد حصلوا على ما مساحته 400 ألف دونم من الأرض من مجموع مساحة البلاد البالغة 27 مليون دونم، وأنشأوا 68 مستعمرة زراعية عام 1908، وبحلول 1908 لم يعد اليهود يتمركزون في القدس والخليل وصفد وطبريا كما كان عليه الحال في 1882، إنما انتشروا في مدن الساحل (يافا وحيفا).

في القدس شيكات على بياض.. وملاحقة أحفاد الناجين من الإبادة

ظهيرة الجمعة الـ 29 من أكتوبر عام 1948، في قرية الدوايمة غرب مدينة الخليل، الرجال والشيوخ يجتمعون في المسجد للصلاة، الأطفال يلعبون في الشوارع، النسوة في المنازل، سكينة بددها هدير مصفحات ودبابات قوات الاحتلال التي حاصرت القرية وبدأت طلائع من قوات الكتيبة 89 (التابعة للواء الثامن بجيش الاحتلال) باقتحامها من الجهة الغربية، لتبدأ فصول واحدة من أبشع مجازر النكبة.

في المسجد، يقتحم القتلة ويعدمون أكثر من 75 مصلياً وهم ركع، رمياً بالرصاص، يدب الهلع في القرية التي مُشطت لساعات للتأكد من ألا ناجٍ فيها، بعد أن فرّ العزل والأبرياء إلى الكهوف والمغارات، ليبدأ الفصل الأبشع بمطاردة من نجا من الرجال والشيوخ ومعهم النساء والأطفال في الجبال حتى صباح اليوم التالي.

في تشرين الثاني 1948، وبعد أيام قليلة من المجزرة، تلقى الصحفي الإسرائيلي إيليعيزر بيري رسالة من أحد الجنود، نُشرت مقتطفات منها في صحيفة “عل همشمار”، وأعاد المؤرخ بيني موريس تسليط الضوء عليها في صحيفة “حداشوت” في آب 1984، ويقول فيها الجندي حرفياً: “لم تكن هناك معركة، ولم يكن هناك مقاومة، بل ذبح بلا رحمة، وفظائع وصلت وحشيتها إلى حد تكسير الجنود جماجم الأطفال بالعصي، اغتصاب نساء، حشر للمسنين في المنازل وتفجيرها بهم”، ليصل عداد الضحايا إلى قرابة 500 شهيد، والنتيجة مستوطنة “أماتزيا” على أنقاض القرية بعد ذلك بسبع سنوات، وحشية وصفها الوزير في حكومة الاحتلال المؤقتة آنذاك “أهارون زيسلينغ” بأنها مشاهد كوابيس حرمته النوم.

تفرق الناجون في أصقاع متعددة، بعضهم من عائلة البصوص حطت رحالها لاحقاً وبعد سنوات في بلدة سلوان، وبعد 78 عاماً تعود العائلة لذات التجربة؛ تقتحم قوات الاحتلال حي بطن الهوى لتنفيذ أمر المحكمة بإخلاء بيوت 15 عائلة، 4 منها لعائلة البصبوص، ويقول المواطن رأفت البصبوص، رب عائلة تتكون من ستة أبناء وهو وزوجته: “صبرنا وصمدنا رغم كل المغريات، عرضوا علينا شيكات على بياض بالمبلغ الذي تضعه ورفضنا، مقابل أن نرحل من منازلنا عرضوا علينا أن يهدموا المنازل ويبنوا بدلاً منها إسكانات، بشرط التقاسم مع المستوطنين ورفضنا، ورغم ذلك يحاول جواسيس الاحتلال وأذنابه الترويج إلى أن هذه العقارات سُربت، وهذا محض كذب وافتراء، نحن نمتلك كل الاوراق والإثباتات التي تؤكد أننا أصحاب هذه المنازل”.

ويضيف: “داهمونا فجأة بعد أن قالوا (لا إخلاءات في الحرب)، ودخلوا بطريقة همجية وكسروا واعتدوا، فقد اعتدوا بالضرب على ولديّ الاثنين (20 و 18 عاماً) بزعم أنهما خربا منزلنا الذي نسكن فيه، واعتقلوهما، ولك أن تتخيل حجم المعاناة والأذى النفسي أن ترى أبناءك يُعتدى عليهم ويُضربون ومنزلك يُنتزع منك وأنت بلا حول ولا قوة، وها نحن اليوم نعيد تجربة اللجوء والتشرد والتهجير مجدداً، بعد أن تهجر أجدادي من الدوايمة، والمشاهد لا تقل بشاعة عما حدث قبل 78 عاماً، فهم أعادوا ذات المشهد في وقت سابق مع المسنة أم زهري الشويكي (أم لشهيدين وأسير وزوجة شهيد)، وألقوا سكان المنزل والأثاث في الشارع، وهي في وضع صحي صعب”.

في القدس “فتية التلال” يحطمون مقتنياتك.. وعليك أن تدفع لهم أجرة ذلك

ورغم مأساتهم التاريخية، إلا أن آل البصوص أوفر حظاً من آل الرجبي الذين أُخلوا معهم في ذات الوقت، فقد أُبلغ آل البصوص قبل يوم بالإخلاء، بعكس آل الرجبي الذين أُخلوا من 11 شقة لهم من حي بطن الهوى، وعن ذلك يقول يعقوب الرجبي، عضو لجنة الدفاع عن باطن الهوى: “فرضوا حصاراً على الحي بقطر نصف كم من مركز المنازل المخلاة، وداهمونا عند الساعة 9 صباحاً بطريقة وحشية، وأخذوا الأولاد والنساء وأنزلونا إلى الشارع، ثم بدأ عمال النقل، والذين هم أصلاً متبطلون من فتية التلال، بإلقاء الأثاث في الشارع لا بهدف نقله بل بهدف تخريبه”.

وقد تعرف العالم على وحشية هؤلاء في مقطع فيديو وثق أواخر العام الماضي العشرات منهم، بحماية قوات الاحتلال، وهم يعتدون بالضرب على سكان بناية خلال إخلائها بالقوة في حي واد قدوم ببلدة سلوان.

ويقول الرجبي: “طلبنا منهم على الأقل أن نأخذ ولو القليل فرفضوا رفضاً قاطعاً، خرجنا بما علينا؛ لا أحد ممن أُخليت منازلهم يصلح أثاث منزله وممتلكاته للاستخدام؛ فقد حرص المستوطنون على تخريبها أثناء وبعد الإخلاء في المكبات التي احتجزوا فيها الممتلكات، ولم يكتفوا بذلك، بل إن كل من احتجزوا أثاثه في هذه المكبات يدفع أرضية يومياً 2000 شيكل لسلطات الاحتلال، عدا عن أجرة النقل والعمل؛ يسرقوننا بأموالنا، وهذا الأثاث ملقى في العراء تحت المطر والشمس وفي الطين”.

ويضيف: “لسنوات طويلة ونحن نناضل في محاكم الاحتلال بين الصلح والمركزية والعليا بلا فائدة، مهما أثبتنا من حق وأبرزنا من مستندات؛ فكيف تنصف وخصمك القاضي؟ الاحتلال يريد إعادتنا أكثر من 150 سنة للوراء، إلى أيام الدولة العثمانية والسلطان عبد الحميد، بعد أن باع يهود يمنيون -كانوا قد قدموا القدس لاجئين- عقاراتهم للفلسطينيين قبل مغادرتهم؛ فعلى سبيل المثال، اشترى جد المقدسي يعقوب الرجبي الأرض من الفلسطيني كايد جلاجل الذي وكله يهود اليمن بالتصرف بها”.

ويتابع: “سلطات الاحتلال تزعم أن هذه الأرض والمنازل المقامة عليها مسجلة على أنها أملاك (حارس الغائبين)، وعلى هذا الأساس محاكم الاحتلال أصلاً لا تستمع للمحامين الذين يرافعون عنا ويمثلوننا في المحاكم، لدينا منازل في حي البستان، اثنان منها هُدما فيما الباقي مهدد بالهدم، هذه إبادة وليست فقط تهجيراً”.

ويقول: “الآن نحن نتكدس 40 نفراً في منزل واحد، الوضع مأساوي والمستقبل مظلم، وهذا ليس حكراً عليَّ وعلى إخوتي، ولكن هذا وضع الفلسطيني بشكل عام والمقدسي بشكل خاص، نحن نعيش وضعاً أسوأ من النكبة أو النكسة، أنا أب لأسير في سجون الاحتلال”. وينوه الرجبي إلى أن القاضي الإسرائيلي الذي حكم بتهجير العائلات هو مستوطن يمني متطرف يُدعى “آلبر”، ويسكن مستوطنة “بيطار عيليت” المقامة على أرض محتلة.

في القدس يُجبرونك على إطعام المستوطنين الذين يهدمون منزلك

ويقول أبو دياب: “أنا مثلاً أسكن في كرفان في ظروف صعبة أنا وزوجتي بعد أن كان لدي عقار عمره أكبر من عمر كيان الاحتلال، ورثته عن أبي وأجدادي بعدة شقق أقيم به أنا وأولادي وأحفادي، هدمه الاحتلال بحجة أن بعض الإضافات على هذا المنزل أُقيمت في الثمانينات دون ترخيص، فتشردت العائلة والأحفاد، وبقيت أنا وزوجتي قرب الركام نقيم في كرفان صغير لا يلبي الحد الأدنى ومهدد بالمصادرة، ولكنه يخدم الصمود والثبات”.

ويضيف: “علاقتي مع منزلي وأرضي علاقة تتخطى المادة بكثير، هذه روحي وهويتي، سرقتها تعني انتزاع قيمتك وكيانك ومقدسيتك، الأمر أكثر بكثير من مجرد بناء وأرض، وكل يوم نحن نشعر بالألم والحسرة والظلم والمعاناة، وبقاؤنا في أرضنا رغم كل ذلك لا نبدله بكل الدنيا، مجرد أن ترى المسجد الأقصى في كل يوم وتسمع الأذان، هذا بالنسبة إلي أهم من كل العالم، ورغم كل الألم والمعاناة فكل ذلك لا يعادل بقاءنا وصمودنا في أرضنا وقرب الرباط المقدس بجانب المسجد الأقصى”.

ويتابع أبو دياب: “الظلم أنهم فرضوا عليّ دفع غرامة أجرة للآليات التي هدمت المنزل، وللمستوطنين الذين هدموا، بل وثمن وجبات طعام لهم وهم يهدمون، وهذه مبالغ بعشرات آلاف الشواقل، وحرصوا على إبقاء الركام حتى لا أنتفع بالأرض”، مشيراً إلى أن الاحتلال يعتمد التضييق والخنق لإجبار المقدسي على التشرد، فمثلاً نحن نحتاج سنوياً وبالحد الأدنى 5000 شقة سنوياً، لا نحصل إلا على القليل من هذا الرقم، وأسعار العقارات في القدس من الأغلى في العالم، لا يمكن لأي إنسان أو لا يمكن إلا للقلة شراء عقارات في القدس، إذ يُقدر سعر غرفة واحدة بحوالي 600 الف شيقل.

وعن باقي المشاريع الاستيطانية في القدس، فيعتبر مشروع E1 -المنطقة الواقعة بين القدس ومعاليه أدوميم- أحد أخطر أدوات إعادة هندسة الجغرافيا السياسية في الضفة الغربية. جوهره لا يتوقف عند الحد العمراني، بل يتجاوزه إلى بعد وظيفي استراتيجي من حيث أثره المكاني والديمغرافي على الفلسطينيين من حيث استكمال الطوق الاستيطاني حول القدس من الشرق، وربط الكتلة الاستيطانية الكبرى بالمدينة بشكل فعلي، بما يؤدي إلى تقطيع الامتداد الجغرافي الفلسطيني بين شمال الضفة وجنوبها، وعزل القدس الشرقية عن عمقها وسياقها الثقافي الفلسطيني. 

ويعتمد على مزيج من أدوات التخطيط (مخططات هيكلية)، والإجراءات الإدارية (إعلانات أراضي دولة)، والبنية التحتية (طرق التفافية)، مما يجعله مثالاً نموذجياً على الضم الزاحف الذي يعلن نفسه بتكريس واقع مادي يصعب التراجع عنه وفق الخطاب الاحتلالي، وبالمصادقة على المخطط والشروع بطرح عطاءات تخصه، تكون دولة الاحتلال قد تجاوزت خطاً أحمر خطيراً يضاف إلى سلسلة إجراءات لا تقل خطورة.

وهناك أيضاً “بيت شتراوس” منشأة استيطانية قرب حائط البراق لتوسيع الحضور اليهودي، و”جفعات همتوس” لاستكمال الطوق الاستيطاني جنوب القدس وفصلها عن بيت لحم، و”جفعات هشكيد” لتوسيع البناء الاستيطاني بين بيت صفافا وبيت جالا، و”عطروت” لإقامة حي استيطاني ضخم على أراضي المطار شمال القدس. 

 ومخطط “الشيخ جراح” لتهجير تدريجي للسكان الفلسطينيين لصالح جمعيات استيطانية، ومخطط “جبل المشارف” (المنطقة E1 الصغرى) لتعزيز الربط بين الجامعة العبرية والمستوطنات المحيطة، ومخطط “رمات شلومو” لتوسيع الكتلة الاستيطانية شمال القدس باتجاه أراضٍ فلسطينية، ومخطط “القطار الخفيف” (الخطوط الجديدة) لربط المستوطنات بالقدس الغربية ودمجها وظيفياً.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني