loading

صور المرشحات للانتخابات: من الوردة للصور المولدة بالذكاء الاصطناعي

حلوة عاروري

على وقع استمرار الدعاية الانتخابية للانتخابات المحلية المزمع عقدها مطلع الأسبوع القادم، ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالقوائم الانتخابية التي خلت من صور المرشحات والاستعاضة عنها إما بالورود أو بالصور المولدة بالذكاء الاصطناعي.

وتهافتت التعليقات المستاءة من استمرار رغبة المرشحات بعدم وضع صورهن، خاصة مع خوضهن تجربة الانتخابات التي تُرَتب عليهن التواصل المباشر مع الجمهور والمشاركة في الاجتماعات العامة والانضمام لمختلف الفعاليات، ناهيك عن ضرورة الظهور المباشر والحديث مع المواطنين. 

وتساءل المواطنين حول كيفية إمكانية تشكيلهم للثقة مع مرشحات يرفضن وضع صورهن، فما المعيقات التي تمنع وضع المرشحات لصورهن وما هو ردهن؟؟ 

الصورة ليست مجرد شكل 

لبنى الأشقر أستاذة الإعلام والخبيرة في قضايا النوع الاجتماعي والحقوق تقول بأن مشاهد قوائم الانتخابات التي لا تظهر صورة المرشحات أو تستبدلها بصور من الذكاء الاصطناعي هي حالة محزنة وتشير إلى الواقع الثقافي الذي يعيشه مجتمعنا. 

وأكدت أن الصورة ليست مجرد شكل، بل هي رسالة سياسية بحد ذاتها. وعدم وضع صورة المرشحة الحقيقية يُحدث فجوة كبيرة بينها وبين الناخب، موضحة أن عدم وضع صورة المرشحة يُضعفها في كثير من الأمور منها 

غياب “أنسنة” المرشحة فالناخب يحتاج إلى بناء رابط عاطفي مع الشخص الذي سيمثله. والوجه هو النافذة الأولى للتواصل الإنساني؛ لغة العيون، الابتسامة، والملامح الواثقة التي تعطي انطباعًا بالصدق والقرب. مضيفة أنه عندما تغيب الصورة، تتحول المرشحة إلى “كيان مجهول” أو “مجرد اسم”، مما يجعل من الصعب على الناخب أن يثق في شخص لا يعرف ملامحه.

وأضافت أنه يسبب أيضًا اهتزازًا في صورة “القيادة والقوة” التي يمكن أن تظهر بها المرأة، ففي وعي الجمهور، القيادة ترتبط بالظهور والمواجهة. وامتناع المرشحة عن وضع صورتها قد يُفسره الناخب (سواء كان محقًا أم لا) على أنه ضعف، تردد، أو خضوع لقيود اجتماعية. 

وبينت الأشقر أن الناخب يبحث عن شخصية قوية قادرة على انتزاع الحقوق وتمثيله في المحافل الصعبة، ومن لا تملك الجرأة على إظهار صورتها قد يُنظر إليها على أنها غير قادرة على مواجهة التحديات السياسية الكبرى.

وأشارت إلى إمكانية التشكيك في الاستقلالية، فغياب الصورة يفتح بابًا للتساؤلات حول من يقف خلف هذا الاسم. هل هي صاحبة القرار فعلاً؟ أم أنها واجهة لآخرين؟ ولذلك فالشفافية البصرية هي أول دليل على الاستقلالية والجاهزية للعمل العام.

وأردفت الأشقر أيضًا إلى ضعف التأثير في “عصر الصورة” فنحن نعيش في عام 2026، والمحتوى البصري هو المحرك الأساسي للرأي العام. ولذلك فالمرشحة التي لا تملك حضورًا بصريًا قويًا (صور احترافية، فيديوهات، لقاءات مباشرة) تخسر معركة “التواجد” في منصات التواصل الاجتماعي وفي الشارع، وتترك الساحة للمنافسين الذين يستخدمون لغة الجسد والصورة للتأثير في الجماهير.

وختمت الأشقر حديثها بإنه إن كانت المرشحة تخوض غمار الانتخابات، فهي قد قررت بالفعل دخول “المجال العام”. والمجال العام يتطلب رأسمال بصري، فعدم وضع الصورة هو “انسحاب جزئي” من المواجهة، وهذا الانسحاب غالبًا ما يُترجم في صناديق الاقتراع إلى نقص في الأصوات  التي تحصل عليها النساء نتيجة ضعف الثقة.

المرشحة تمثل قرارًا سياسيًا 

من جانبها ترى لاما حماد خبيرة العلاقات العامة والاتصال  في حديث ل”بالغراف” أنه من الممكن أن تكون دوافع المرشحة بعدم وضع صورتها مرتبطة بالعادات والتقاليد الخاصة بالمجتمع، حيث في بعض المناطق هناك تفضيل بعدم ظهور المرأة والذي يبدأ من كرت الفرح بعدم وضع اسمها وصولًا للتمثيل السياسي بعدم وضع صورها. 

وفي تعليق لها دعت لاما لعدم انتخاب من رفضت وضع صورتها ضمن القائمة الانتخابية، وعن ذلك تبين بأن المرأة المرشحة تمثل قرارًا سياسيًا والحقوق تنتزع، فأنتِ تنازعين للحصول على حقوق المواطنين، فكيف سيذهب الناخب لانتخابك وأنتِ لا تملكين الجرأة بالظهور بهويتك الحقيقية وصورتك الحقيقية.

وأضافت كيف ستُبنى الثقة بينها كمرشحة وبين الناخب، مؤكدة على دعمها للنساء ومشاركتهم السياسية بشكل كامل، ولكن في الوقت ذاته أوضحت أنها كناخبة تفضل انتخاب امرأة قادرة على الظهور بصورتها وصوتها، متساءلة عن كيفية بناء الثقة مع شخص لا تعرف مظهره وغير قادر على مواجهة المجتمع بشكله أو صورته.

وأكدت لاما على أن من لا تستطيع الظهور وتمثيل شخصها لا يمكنها تمثيل غيرها، وتحصيل الحقوق، مشيرة إلى أن من تشارك في التمثيل السياسي فمن الواضح أنها تنبع من عائلة داعمة وديمقراطية وتعلم معنى مشاركة المرأة في المجتمع، ولكن تبقى نقطة الخلاف كيف يمكن بناء ثقة مع مرشحة غير قادرة على الظهور بصورتها. 

وأوضحت أنه بكل تاريخ القضية الفلسطينية كانت المرأة ولا زالت وستبقى جزءًا أساسيًا في كافة ساحات المجتمع بمختلف أشكالها، ولا يوجد دافع لإخفاء ظهورها وبالعكس من ذلك فالمرأة مشارِكة وفعالة فما المشكلة بالظهور الشخصي؟! 

وأردفت لاما بأن عدم وجود الصورة يؤثر على اختيار الناخب لأن المرشحة بذلك تفقد ثقة الناخب فهو لا يعرف لمن سيصوت ومن هي وحتى لو عرفها بالإسم، إلا أنه يصبح لديه صورة مهتزة عن هذه المرشحة التي لم تظهر بصورتها وشخصيتها.

المشكلة الأكبر بترتيب القائمة

بدورها  أكدت ناهد أبو طعيمة منسقة وحدة النوع الاجتماعي في مركز تطوير الإعلام بجامعة بيرزيت أن المشكلة تكمن باختيار وجودها بالقائمة ورقم وجودها بالقائمة، فهناك مشاكل أكبر من الصورة على أهميتها. 

وبينت أنه من الضروري وجود الصورة لأنها تؤثر على رأي الناخب، لأن الناخب من الضروري أن يراها فهي مرشحة للفضاء العام، فيجب أن يكون حضورها قوي حتى يقتنع الناخب أنها قادرة على تلبية مطالبه واحتياجاته. 

وأوضحت أبو طعيمة أن المشكلة الأكبر تكمن في الترتيب وأين يقع ترتيب الناخبات، فلا يوجد أي قائمة تجاوزت الحد الأدنى وكلهم التزموا بما قاله القانون، وربما لا توجد قائمة واحدة وضعت أسماء وعدد المرشحات أكبر من الحد الأدنى. 

وأشارت إلى أن الخيارات التي ستبنى على الكفاءة أكثر من الجنس على اعتبار الجنس، فالكفاءة ليست معيارًا واردًا في هذه المسألة. 

تحديات كبيرة تواجه المرأة الفلسطينية 

فيما تؤكد أماني عاروري الناشطة الحقوقية والنسوية في حديث ل”بالغراف” أن المرأة الفلسطينية والمرأة العربية بشكل عام تعاني من الكثير من التحديات التي تحول دون وصولها إلى صنع القرار، وبالأساس دون المشاركة السياسية، وبينت أنه شهدنا بالفترة الأخيرة حركة نسائية تركز على تعزيز مشاركة المرأة في المشاركة الديمقراطية والوصول لمراكز صنع القرار. 

وأضافت أن فلسطين انضمت إلى للعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، كما وانضمت لاتفاقية سيداو والتي جزء كبير منها يسلط الضوء على الحقوق السياسية للمرأة بما فيها الحق بالترشح والحق في التصويت وممارسة الحياة السياسية والمشاركة في الحياة العامة، مضيفة أن النتيجة التي وصلتها هذه الحراكات لم تكن متوازية مع الجهود الذي بذلت لتعزيز المشاركة السياسية للمرأة في الحيز السياسي والفضاء العام، بسبب التحديات المتزايدة والحراكات المضادة للنسوية. 

وتابعت عاروري بأن الحركات المتزايدة التي تدعو لعدم مشاركة النساء تحت مسمى العادات والتقاليد والمجتمع المحافظ فهي لها تداعيات مباشرة وغير مباشرة تنعكس على حياة المرأة وبالتحديد على حياتها السياسية. مؤكدة أن الدوافع والأسباب تكون أكبر بكثير مما نراه، فهذه الدوافع تكمن في تقييد السلطة بيد الرجل وتقييد سلطة اتخاذ القرار ضمن دائرة صغيرة. 

وأفادت أنه عند الحديث عن الحيز المغلق المقتصرة على فئة معينة فيُمنع حتى الشباب من دخولها، ونلاحظ أن الإقصاء ليس مقتصرًا على النساء إنما على الشباب، فالقوائم الانتخابية نسبة النساء والشباب فيها ضئيلة ولا تصل للنسب المطلوبة. مؤكدة أن نسبة مشاركة النساء في القوائم الانتخابية لم تتجاوز النسبة المفروضة ضمن المطلوب. 

ولفتت عاروري إلى أن مشاركة النساء جاءت بدافع الشرط لقبول القوائم وليس بدافع الاختيار، حيث هناك مناطق نسبة إقصاء النساء بها عالية جدًا ولا تزال ينظر إليها كعار وكشرف للعائلة، ويربط ذلك بكشف وجهها أمام الإعلام والناس والتجمعات، معبرة عن قلقها من هذه الظاهرة التي تعكس حجم التحديات التي تواجهها النساء. حيث الدور التقليدي الذي تتقلده بداخل البيت ويمنع ظهورها في الحيز العام. 

وأوضحت بأن النساء اللواتي يطالبن بالمشاركة السياسية يتم ربطهن بالحركة النسوية الغربية التي جاءت بمبادئ وقيم غربية لا تناسب السياق الفلسطيني وهذا شيء مغلوط ومن المفترض أنه تم تجاوز هذه السردية. فالمرأة الفلسطينية لديها العديد من الإنجازات وتتولى مناصب قيادية كالقضاة والشرطة والمحافظ وغيرها، مع التنويه بأن نسبة تولي المرأة للمناصب القيادية هذه ما زالت ضئيلة ولا ترقى للكوتة حتى، ولذلك يجب أن يكون هناك إرادة سياسية من أعلى الهرم. 

وأشارت إلى أنه في الوضع السياسي والاقتصادي والقيود المفروضة حاليًا، فإنه يتحتم علينا مشاركة الجنسين النساء اللواتي هن نصف المجتمع مع الرجال جانبًا لجنب للنهوض بالمجتمع، وحتى تنعكس مشاركة المرأة في الحياة السياسية على الحياة الاقتصادية، فالمرأة التي تكون بمنصب قيادي من الممكن أن تغير حال عائلة بأكملها ومجتمع بأكمله أيضًا، وهذا يعني أن هناك ناقوس خطر وجرس إنذار لنتوقف عنده لنرى أين الخلل، وعلينا أن لا نتوقع أن تحصل المرأة على منصب قيادي إن كنا على مستوى الانتخابات المحلية ولدينا كافة هذه التحديات. 

واختتمت عاروري حديثها بأن النساء اللواتي لم يضعن صورهن في القوائم الانتخابية من الممكن أن يكون ترشحهن استيفاء للعدد فقط، كما أنه ربما يتعرضن للضغط والتهديد والابتزاز حيث يتم استعمال هذا الأمر في بعض الأحيان كوسيلة ضغط على رجال العائلة، وهو ما يعيدنا لدائرة الذكورية التي يترتب عليها العنف السياسي والذي لا يقل تأثيرًا عن كافة أشكال العنف لأنه ينعكس على الإقصاء، وعدم قدرة النساء على إيصال أصواتهن والتعبير عن احتياجاتهن. مشددة على أن  وجود الرجل في القوائم لوحده لا يكفي ولا يعكس بالضرورة ما تراه النساء كضرورة للتغيير والتحسين في هذه المجتمعات.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني