شهدت السردية الفلسطينية خلال الحرب على غزة صعودًا كبيرًا في العالم، في وقت حاولت فيه إسرائيل طمس هذه السردية والرواية، فكيف تدرجت هذه السردية وكيف يمكن الحفاظ واستثمار ما وصلت إليه السردية في العالم.
أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيرزيت د. ابراهيم ربايعة أكد في الحلقة الجديدة من بودكاست “حكي مدني” أن السردية الفلسطينية نجحت عندما ذهبت إلى المربع الأخلاقي، من خلال أنسنة الفلسطيني وأنسنة النضال الفلسطيني وقصة الفرد والمجتمع الفلسطيني. مبينًا أنها استمرت حتى وصلت إلى ما وصلت عليه خلال الإبادة وما سبقها من بذور والتي حاولت كسر الصمت والاختراق على المستوى الدولي لتقول بوضوح هذه شعب تحت الاحتلال ويبحث عن حريته.
وأضاف أن أنسنة السردية خلال حرب الإبادة أثرت بالشارع الغربي أكثر من النخب التي لديها انحيازاتها وعلاقاتها وشبكات المصالح، مبينًا أن السردية الفلسطينية استطاعت الاختراق في دول كان من الصعب توقعها مثل “هولندا إسبانيا وبلجيكا وغيرها من الدول”.
ربايعة أفاد بأن الفضاء الرقمي شكّل نافذة أمام المبادرين الفلسطينيين والمساندين حول العالم، وهو أعطى نافذة مهمة شهد البناء عليها وشكلت فرصة لاختراق الإعلام التقليدي وتحديدًا في أمريكا، مضيفاً أنه بتنا نلمس التغيير ببطئ على مستوى الناخبين وأيضًا في خطاب الإعلاميين وغيرهم.
وعبر عن تخوفه في ذات الوقت من الفضاء الرقني، بسبب أنه يدار بخوارزميات وبالخطاب الذي يرغب به الجمهور، كما أن السيطرة حاضرة للشركات الكبرى. مؤكدًا أن استثمار هذا التغير ما زال غير حاضر.
ولفت ربايعة إلى أن الاحتلال له روايته التي يقدمها بأدواته والتي عقد تحالفاته من أجل نقل هذه الرواية على المستوى السياسي وصناع القرار حول العالم، موضحًا أنه نجح نجاحًا كبيرًا بعد السابع من أكتوبر، وهنا بات هناك تحولًا بعد ردة الفعل الإسرائيلية في غزة، حيث مثلًا الرئيس الفرنسي بعد السابع من أكتوبر دعا لتشكيل تحالف دولي ضد الإرهاب، ولكن بعد أسابيع بدأ بانتقاد إسرائيل بشكل حاد بسبب الإبادة، كما أن الاتحاد الأوروبي تحول من مجموعة دول تعترف بفلسطين إلى قرار جمعي.
وأضاف أن الضحية قال كلمته بدمه، فلم يكن الفلسطيني بحاجة إلى أن يتحدث، ورغم منع الصحافة الأجنبية من الدخول إلى غزة، ورغم كافة التقييدات ومنظومة الرقابة الحادة على الخطاب الداخلي الفلسطيني، إلا أن ما حدث على الأرض كان واضحًا أمام العالم الذي قال بأن ما يحدث في غزة إبادة جماعية بتعريف دولي.
وحول عدم وحدة الخطاب واللغة الفلسطينية أرجع ربايعة ذلك إلى الخلل البنيوي في العقل السياسي الفلسطيني وهو انعكاس لتراكمات، وبحاجة لوقفة جريئة لأنه اليوم من غير المقبول أن يكون الفلسطيني مشتت بهذا الشكل، ليس فقط بما يتصل بالإبادة إنما بما يتصل أيضًا بمفاهيمه الأساسية وتعريفه بالأشياء.
وأكد أن انعكاسات هذا التشتت هو انعكاسات هوياتي وهو أخطر ما يحدث، وصحيح أن الانقسام الجغرافي يتم بفعل الاحتلال ولكننا نشهد انقسامًا هوياتي يتم بفعل الاستقطاب والتناحر بأكثر من قضية ومناسبة، محذرًا بأنه إن لم يعالج ذلك سيقود لشيء أكثر كارثية.
وأردف ربايعة أن ما حدث على مستوى العالم الغربي هو فك الارتباط بين مهاجمة إسرائيل ومعاداة السامية، مبينًا أن فكرة معاداة السامية ما زالت قائمة والتحذير منها قائم كما أن مساحة المناورة المتاحة للقضية الفلسطينية هي المساحة المتصلة بالحالة الذاتية الفلسطينية.
وأوضح أن من يحاول التضامن مع السردية الفلسطينية يقوم بالموازنة بين رفضه لمعاداة السامية من جهة ودعمه للحقوق الوطنية الفلسطينية من جهة ثانية، وذلك على أساس أخلاقي وبالمنتصف يتحدث عن حل الدولتين كحل وحيد لا بديل عنه.
وعن كيفية البناء على هذا التضامن فلسطينيًا بين أن هناك نوعين من السياسة، السياسة العليا التي تمارسها الدول ونمارسها مع الدول، فما حدث في إعلان نيويورك مهم ولكن يجب أن يكون وفق رؤية فلسطينية واضحة، والسياسة الدنيا، والتي من المهم على المجتمع الدولي أن يفعل شبكات التضامن الدولية.
وتابع ربايعة بأنه ويجب ربط القضية الفلسطينية بالقضايا المظلومية الأخرى المشابهة على المستوى الإقليمي والدولي، إضافة إلى التركيز على الخطاب الأخلاقي وعلى فكرة المفاهيم الأساسية التأسيسية التي تفصل بين معاداة السامية والحقوق الوطنية الفلسطينية.




