أماني أبو صبح
صدرت حديثًا عن الدار المصرية اللبنانية في القاهرة رواية الصحافي والروائي السوري عبد الله مكسور بعنوان “عبور مؤجل.. يوم في الشاباك”، حيث تعد هذه الرواية نصاً ذاتياً يستند إلى تجربة مباشرة عاشها الكاتب، ويقدّم مادة سردية متشابكة بين التوثيق الصحفي والاشتغال الأدبي المكثف. يشركنا مكسور في رحلة عبوره إلى فلسطين عبر جسر اللنبي؛ في رحلة تبدو على السطح حركةً جغرافية اعتيادية، لكنها في باطنها اختبار للإنسان، ومشهد مكشوف لبنية سيطرةٍ يومية تُمارَس عبر أجهزة أمنية متيقّظة.
في نصه، يصبح العبور أكثر من انتقال بين ضفة وأخرى ، إنه سؤال عن الحق في الوصول، تأكيد على وجودٍ يُحاصر بالمنع والرقابة، من تفاصيل الطابور والانتظار وإجراءات التفتيش وفروق أنظمة الهوية وتعليمات الضابط الصامت تتحوّل هنا إلى مادة تفسيرية تكشف عن هندسة السلطة اليومية. لغة الحواجز متعددة: صمت الحارس، سخرية السؤال، طول الانتظار، ضبط الزمن بحيث يصبح الزمن نفسه أداة قمع. وفي التحقيق داخل غرف الشاباك، تتحوّل الأسئلة إلى شفرات، والصمت إلى ضغطٍ مقصود، والزمن إلى مقياسٍ يُستعمل لردع الجسد وإضعاف السرد. هكذا تكتسب المشاهد الأمنية دلالاتها الحادة: المساحات المغلقة فاعلة بقدر ما تَستنزف الأفراد؛ مساحة الشاباك لا تحتمل التصوير ولا التسجيل، فتتحوّل كل اللحظة إلى ذاكرةٍ فرديةٍ تُحفظ كجراحٍ صامتة.
ما يميّز نص مكسور هو قدرته على تحويل التفاصيل اليومية إلى دراما إنسانية. لا يعتمد السرد على صدفة مفاجئة أو حدث صاخب فقط، بل على تراكم هادئ من الممارسات الصغيرة: تأخير بسيط يتحوّل إلى موجة قلق؛ سؤال مُعاد يجعل المجيب عنه يرتعش؛ بطء متعمّد في تقديم الإجابات يفضي إلى انهيار الاعتماد على الذات. هذه الدقة في الرصد لا تكتفي بتوثيق الحدث، بل تُعيد تشكيله، تُعيد بناءه بصيغة تجعل القارئ يعيش قلقًا بطول لحظة الانتظار، ويحسّ بخريطة من الصدمات الدقيقة التي تشكّل تجربة العبور.
التجربة ليست استطرادًا لحكاية شخصية فحسب، بل صرخة أوسع: الحاجز البري الوحيد الذي يصل الضفة الغربية بالعالم صار موقعًا للاستحواذ على حيوات الناس؛ مكانًا تُحظر فيه العدسة، وتُحكم فيه الرقابة، ويُغلَب فيه المشهد الرسمي على مشهد الإنسان. المحاذير أكثر من المسموح، فتتحوّل أي محاولة لتقريب الصورة أو تسجيلها إلى مخاطرة، مما يضع الاعتماد على الذاكرة الفردية كأداة أساسية لحفظ ما يُمنع تدوينه علنًا.
مكسور لا يكتفي بالعرض الوثائقي؛ يدخل إلى غرفة التحقيق لغويًا أيضًا، يعيد تشكيل مشهد الاستجواب بلغة تفي بغرض إعادة إنتاج وقعها النفسي. السؤال هنا ليس عن ألفاظ التحقيق فحسب، بل عن هندسة الأسئلة: كيف تُبنى الاستفسارات لاستخراج ما وراء الإجابة المباشرة؟ كيف يُدار الحوار بحيث يتحول السارد إلى مادة لتقييم وإعادة تركيب؟ يصبح النص مرآة تُظهر كيفية تحويل السرد الشخصي إلى شيء خاضع للمطابقة والاختبار، وكيف تُستنفد قدرة الإنسان على التمسك بذاكرته وصيغتها.
وثمة بعد آخر في النص: قدرته على التقاط ما يقع خارج الصورة الاعتيادية. في عصر تملك فيه الكاميرات القدرة على تسجيل اللحظة فور وقوعها، يبقى أن هناك فضاءات تُحظر فيها العدسات أو تُجهض فيها إمكانات التوثيق. مكسور يتعامل مع هذا التقييد بهدوء لافت: يصف، يستدعي، يخزن في سطور ما لا تستطيع الكاميرا التقاطه. وهذا ما يمنح نصّه قيمة مزدوجة: وثيقة تاريخية وأثر أدبي يضيء على شظايا إنسانية تختصر حالة مجتمع مقهور.
العمل يفتح أبوابًا للتساؤل في مستويات أخرى: ماذا تفعل سياسات الإغلاق والتضييق بحياة شعبٍ كل معبر هو شريانُه؟ كيف تُحوّل إجراءات تبدو تقنية إلى قرار سياسي يَقطَعُ مسارات حياةٍ كاملة؟ كيف يُعدِّل العبور مفهوم الزمن لدى من يمرون عبره، ويجعل من الرحلة اختبارًا للصبر والكرامة والذاكرة؟
أسلوب مكسور يجمع في نصه بين المشهد الصحفي والبعد الانطباعي: جمل مشغولة بعناية، إيقاع متناسب مع بنية الحكاية، وقدرة لغوية على تحويل الحدث إلى مساحة تأمل. القارئ لا يكتفي بمعرفة ما جرى، بل يُدعى إلى مشاركة تجربة العبور كحالة إنسانية تُعايشها النفس: اختبار الهوية والكرامة والحق في الحركة. النص هنا يصنع من الحكاية مادة للتساؤل: ما قيمة المكان حين يغدو معبرًا إلى العالم، وكيف يتحول الحرمان من المرور إلى قرار سياسي يقطع مسارات حياة كاملة؟
وأقول صراحةً: هذا النص كان من أكثر النصوص التي أثرت بي شخصيًا كفلسطينية تعيش تجربة العبور بين هذه الحواجز أو “المعابر” كما يسمونها لتلطيف ثقلها وثقل الانتقال بين بواباتها. خلال وبعد الانتهاء من قراءة عمل عبد الله مكسور، ظللت أفكر في واقع الحالة التي يكتبها: مرور الفلسطيني، لا سيما عبر “الجسر”، الذي يعد البوابة الوحيدة لفلسطينيي الضفة الغربية على العالم، والذي لا يتورع الاحتلال عن إغلاقه كلما شاء بدعاوى أمنية أو إجراءات تضيق الخناق على حرية الحركة. لم أفكر قبل هذا النص بهذا العمق، ولا بهذا القدر من التفاصيل حول مرورنا عبر “الجسر” في تنقلاتنا بين الضفة الغربية والأردن. هل هو الاعتياد؟ أم أن التنقل عبر هذه الحواجز والجسور أصبح جزءًا من حياة الفلسطيني لدرجة لا يدرك معها أنماط قهره، فيعيشها ويمارسها بلا تدقيق؟
التفاصيل التي رصدها عبد الله في رحلته لدخول فلسطين عبر جسر الأردن وصولًا لاحتجازه لدى مقر الشاباك ليست حكاية نادرة؛ بل هي تفاصيل يعيشها الفلسطيني الذي يمر عبر الجسر يوميًا، حتى وإن لم يُحتجز لدى الشاباك. تبدأ الرحلة من نقطة الانطلاق على الجانب الأردني، ساعات انتظار تحت الشمس أو المطر، انتظار الدخول إلى قاعات الجانب الأردني بلا محطة انتظار حقيقية، وتسليط الاستغلال أحيانًا من وسطاء يعدون بتسهيل المرور مقابل مبالغ طائلة- خدمات VIP تُدفع فيها أموال لا تتناسب والمسافة التي لا تتجاوز بضع كيلومترات، طوابير تُعاد تشكيلها كوسيلة لإفراغ الكرامة. هذه طرقٌ راقبها الكاتب وعايشها فكتب عنها بصياغة تحمل مسؤولية الإفصاح عن خبرة نادرًا ما تُحكى بتقنية سردية تجمع بين الصحفي والروائي. الرهان يتعدى وصف الانتهاك إلى تفكيك بنية السلطة: كيف تُدار اللحظة الفلسطينية على جسرٍ يفترض أن يربط، فتتحول إلى حاجزٍ حاسم قاسم. ثم الجانب الإسرائيلي، حيث يعاني الفلسطيني انتظارًا وسوء معاملةٍ مهيكلين. كل هذه التفاصيل يعيشها من يعبر، لكنه يتسلح بصبر الانتظار؛ فهذه جسور ومعابر مصممة لتأخذ من الفلسطيني أكثر مما تعطيه: عمره، صبره، جزءًا من إنسانيته. يخرج من العبور كما ذكر عبد الله في نصه شخصٌ آخر؛ ليس نفسه الذي دخل.
ولو تمكن مكسور من دخول فلسطين لكان قد سجل الرحلة الكاملة: الوصول إلى الجهة المنشودة، وليس نهاية القصة بعبور الجسر فحسب. رحلة الفلسطيني مع الحواجز لا تتوقف برؤية فلسطين؛ فبعد الوصول يبدأ مشوار الوصول إلى الجهة النهائية داخل الأرض نفسها، ما يعني المرور عبر حواجز وبوابات عسكرية. وحتى العودة محفوفة بالمخاطر: قد يضطر المسافر إلى المغادرة قبل موعد رحلته بوقتٍ طويل، خوفًا من أن يطرأ ما يعطل سفره على الجسر، فتضيع رحلته. هذا قد يفرض عليه أن يغادر مقر إقامته قبل الفجر، أو ينام في فندق بالأردن إن لم يكن لديه معارف يقيم عندهم، وكل ذلك مزيد من الإنفاق، ضريبة معابر تضخمت مع الزمن، مصاريف إضافية تتكدس من الضريبة وصولًا إلى محطة الانطلاق النهائية في الأردن.
كل هذه التفاصيل تنهك الفلسطيني وتستنزف روحه وقلبه، ومع ذلك لا يملك ترف التفكير فيها؛ لأنه ببساطة يريد أن يعبر، يريد أن يصل إلى من ينتظرونه على ضفة النهر الأخرى. لا أرى أن الفلسطيني اعتاد ذلك؛ بل هو مثقل بتفاصيل كثيرة لا بد من الإحاطة بها لكي يعبر ويعود ويستمر في الحياة. الفلسطيني لا يقف ليتمحص في تفاصيل قهره على الجسور والمعابر لأنه اختار أن يعيش. وأن تعيش يعني كما قال عبد الله في نهاية عمله أن “بعض الأبواب تُغلق أفضل حين لا تُودّع”.




