مجدي الشريف
طوال عقود طويلة، تسيدت أمريكا الجنوبية جبهة الإسناد العالمي للقضية الفلسطينية، فمع تمدد الموجة الوردية لليسار اللاتيني شهدت القارة ثورة دبلوماسية عارمة أطاحت سفراء إسرائيل وحملت على الاعتراف الجماعي التاريخي بدولة فلسطين كحق أخلاقي متجاوز للحدود، بيد أن رمال الجغرافيا السياسية لا تعرف الاستقرار، حيث تعيش القارة اللاتينية اليوم ارتداداً عنيفاً يكتسح عواصمها تحت ما يسمى بالمد الأزرق (Blue Tide).
والحقيقة أن هذا الصعود المتسارع لتيارات اليمين والمحافظين الجدد أعاد هندسة العقيدة السياسية للقارة برمتها، مقتلعاً بذلك ثوابت التضامن القديمة ومستبدلاً إياها بتحالفات براغماتية وأيديولوجية مستحدثة مع تل أبيب، وهو الأمر الذي رما بالدعم التاريخي لفلسطين في أتون مأزق جيوسياسي غير مسبوق يهدد بتبديد المكتسبات الدبلوماسية لجيل كامل.
زلزال الصندوق.. تفكيك دوافع الارتداد اللاتيني نحو اليمين
لم يكن انكفاء الموجة الوردية لليسار اللاتيني وصعود المد الأزرق المحافظ مجرد تبدّل عابر في الوجوه الحاكمة، بقدر ما كان زلزالاً سياسياً عنيفاً أعاد صياغة الأولويات في القارة، فلقد تحولت صناديق الاقتراع من أداة للتعبير السياسي إلى ساحة عقاب جماعي قادتها الشعوب ضد النخب اليسارية؛ لا حباً في برامج اليمين بالضرورة، وإنما هروباً من واقع داخلي مأزوم تداخلت فيه عدة محركات أساسية، جاء في طليعتها الإحباط الاقتصادي وانفجار فقاعة السلع، فعلى مدار سنوات طويلة عاشت النظم اليسارية في بحبوحة مالية وفرتها طفرة أسعار المواد الخام في الأسواق العالمية، وهي العوائد التي استُغلت لتمويل شبكات أمان اجتماعي واسعة النطاق كفلت لليسار ولاء الشارع الممتد.
لكن ومع تلاشي هذه الفقاعة الاقتصادية وتراجع الطلب العالمي، تبخرت تلك الموارد فجأة، لتستيقظ عواصم القارة على واقع مرير من الركود والتضخم الجامح الذي نهش القيمة الشرائية للمواطن كما حدث في الأرجنتين وفنزويلا، في كشف فاضح لعجز هيكلي عن استدامة الرفاه الاجتماعي، وهو ما حوّل الآمال العريضة إلى إحباط معيشي حاد، ليصبح الوضع الاقتصادي المأزوم بمثابة الشرارة التي أشعلت بقية الأزمات، بدايةً من التدهور الأمني ووصولاً إلى سقوط النخب.
مما لا لبس فيه أن المحرك الثاني الذي تمثل في الهاجس الأمني وتمدد دولة العصابات كان بمثابة الرعب اليومي الذي يعيشه المواطن في أمريكا الجنوبية، حيث شهدت دول القارة قفزات مرعبة في معدلات الجريمة ونفوذ كرتيلات تهريب المخدرات العابرة للحدود التي باتت تزاحم الدولة في سيادتها، وأمام عجز المقاربات اليسارية التي ركزت على الإصلاح الاجتماعي طويل الأمد، كان الشارع يبحث عن حسم فوري وملموس، وهنا بالتحديد برز خطاب اليمين ملوحاً بنموذج القبضة الأمنية الصارمة المستلهم من تجربة السلفادور، ومقدماً وعوداً بعسكرة الشوارع وبناء السجون الضخمة والضرب بيد من حديد، وهذه كلها كانت بمثابة الترياق الذي دغدغ مشاعر الخوف العميقة وحصد أصوات الملايين.
وبالتوازي مع ذلك، جاء المحرك الثالث والمتمثل في سقوط النخب واختراق الشارع عبر الظواهر الشعبوية، فالرموز اليسارية التقليدية لم تسلم من آفة الفساد، حيث تآكلت شرعية الأحزاب الحاكمة تحت وطأة الفضائح المالية الكبرى والمحسوبية التي هزت ثقة الجماهير في قدرة النخبة أياً كان لونها السياسي على التغيير، وبناء على ذلك فقد فتح الفراغ في الثقة الباب على مصراعيه لظهور قيادات شعبوية من خارج المنظومة التقليدية، ليقدم هؤلاء ومن خلال منصات التواصل الاجتماعي؛ أنفسهم كمخلّصين يتحدون النظام القائم وينقلبون على إرث التضامن الأممي لحساب برامج محلية شعبوية وضعت حداً لنفوذ اليسار التاريخي في القارة.
الاستدارة نحو تل أبيب.. الدوافع والتداعيات
مع تبدل الهوية السياسية للأنظمة اللاتينية، أزيحت القضية الفلسطينية من مكانتها التاريخية كقضية تحرر وطني ضد الاستعمار، لتتحول في أروقة القصور الرئاسية الجديدة إلى ورقة مقايضة خاضعة لحسابات أيديولوجية وبراغماتية مستحدثة.
لقد أصبح الانحياز لإسرائيل مدفوعاً بتحول أيديولوجي عميق يقوده الصعود المتنامي للتيار الإنجيلي المحافظ المسمى بالصهيونية المسيحية في مجتمعات أمريكا الجنوبية، ولم يتوقف عند كونه مجرد مناكفة سياسية تستهدف اليسار بأقطابه المختلفة، والحقيقة أن هذا التيار حوّل دعم إسرائيل من ملف سياسي عابر إلى واجب عقائدي راسخ لدى النخب اليمينية الحاكمة، وهو ما تفسره الهرولة الدبلوماسية غير المسبوقة التي جسدها رئيس الأرجنتين خافيير ميلي بإعلانه الاندفاع لنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة.
وتتكامل هذه الدبلوماسية العقائدية والأمنية مع بُعد بنيوي حاسم يتمثل في النيوليبرالية الاقتصادية المتطرفة التي يتبناها قطب اليمين الجديد، فهذا النهج يعتمد على تفكيك إرث دولة الرفاه وربط الاقتصاد اللاتيني بشكل عضوي بالمنظومة الرأسمالية الغربية والأمريكية ولا يكتفي بالصفقات العسكرية، لتصبح في ضوء ذلك التبعية الاقتصادية هنا بمثابة بوابة إلزامية للتقارب مع تل أبيب، حيث يُنظر للتساوق مع إسرائيل كجزء من سلة الانفتاح الاقتصادي الكامل على الغرب ونيل رضا الأسواق الدولية.
أما في الشق الميداني فتبرز معادلة الأمن مقابل الولاء السياسي، ففي الوقت الذي تواجه فيه حكومات اليمين معارك طاحنة ضد الجريمة المنظمة، تجد في التكنولوجيا العسكرية ومنظومات المراقبة والاستخبارات الإسرائيلية سلاحاً تكتيكياً مثالياً لتعزيز سلطتها، وفي ضوء ذلك يُترجم هذا الاعتماد سريعاً إلى فواتير سياسية تدفعها الدول في المحافل الدولية عبر تبني الرواية الإسرائيلية والتصويت ضد القرارات المنصفة للفلسطينيين في أروقة الأمم المتحدة، لتكتمل بذلك حلقة الاستدارة بفكي العقيدة والسلاح والمال.
حوائط الصد الفلسطينية.. ثوابت الشارع ومتغيرات القصور
بالرغم من قتامة المشهد الرسمي والهرولة الحكومية نحو تل أبيب ومع انتزاع اليمين لدفة الحكم في عواصم وازنة كبوغوتا، إلا أن اليمين اللاتيني يصطدم بمصدات اجتماعية صلبة تمنع تصفية القضية الفلسطينية، وتأتي في طليعة هذه المصدات الجاليات العربية والفلسطينية ذات النفوذ العميق، إذ تضم تشيلي على سبيل المثال أكبر تجمع للفلسطينيين خارج العالم العربية وهي جالية متجذرة تمتلك ثفلاً اقتصادياً وسياسياً، وإعلامياً هائلاً يشكل كابحاً حقيقياً يلجم اندفاع الحكومات نحو إسرائيل بشكل مطلق.
ويتكامل هذا الحضور الديموغرافي مع مجتمع مدني لاتيني حي، يضم نقابات عمالية صلبة وحركات طلابية مسيسة ومنظمات للسكان الأصليين تجمعها بفلسطين رابطة مقاومة الاستعمار، وبالتالي فإن هذا الإرث التضامني العابر للحكومات يضمن استدامة حركات المقاطعة الدولية (BDS) وزخمها الشعبي، ليؤكد أن الموقف من فلسطين في أمريكا الجنوبية تصنعه الشعوب في الشوارع والمؤسسات الأهلية، وليس فقط السياسيون في القصور الرئاسية المتقلبة.
خلاصة القول، إن المد الأزرق الراهن لا يعدو كونه تراجعاً مؤقتاً لحضور القضية الفلسطينية في أمريكا الجنوبية، وفي قارة متأرجحة بنيوياً وتاريخياً بين مد يساري وجزر يميني، يبقى الرهان الحقيقي معقوداً على تفعيل الدبلوماسية الشعبية والاستثمار المستدام في الروابط الثقافية والمجتمعية، فهي الضمانة الوحيدة والحقيقية لحماية عدالة القضية الفلسطينية من التصفية والدرع الحامي لها من الضياع في دهاليز التجاذبات السياسية العابرة والمصالح الحكومية المتغيرة.




