loading

عبدالله شطارة: نجار أفقده الاحتلال بصره ولكنه يتمسك بمهنته

بيسان عواد

لم يكن يتوقع الشاب عبدالله شطارة “26 عامًا” ابن مخيم عسكر القديم للاجئين، أن آخر مشهدٍ ستراه عيناه قبل أن يُسلب بصره، رؤية جندي من وحدة القمع داخل السجن يحمل عصا ويوجهها نحو رأسه قبل أن يفقد وعيه، بعد 13 عشر شهرًا من الغياب القسري عاد عبد الله الى أحضان عائلته غير قادر على رؤية الوجوه التي انتظرته طوال تلك الفترة.

منذ صغره تعلم عبدالله مهنة النجارة وأتقنها، فلم تكن مجرد مصدر رزق له فحسب بل صنعة حياته والحلم الذي بذل له جهده وماله، فافتتح منجرته الخاصة وعمل فيها إلى جانب أشقائه حتى أصبحت جزءًا من حياته، وكان يرى فيها طريقه نحو بناء مستقبله كأي شاب في مقتبل العمر ولكن زمنذ السابع من أكتوبر 2023 تراجع الطلب على أعمال المنجرة ولم تعد تتسع لأحلامه.

لم تكن منشأة عبدالله وحدها من تأثرت بتداعيات العدوان، فبحسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني تأثر إنتاج نحو 35 ألف من أصل 120 ألف منشأة، أي ما يقارب 29% من منشآت القطاع الخاص في الضفة الغربية إما بتراجع الإنتاج أو التوقف عنه خلال الأربع شهور الأولى من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. 

وبينما كانت أحلام عبد الله بتكوين أسرة تضيق داخل المنجرة دفعه تفكيره نحو التوجه للعمل في الداخل المحتل على الرغم من أنه لم يكن الخيار السهل أبدًا، أملًا بأن يستطيع جمع المال وتحقيق حلمه بتكوين أسرة، لكن سرعان ما تحولت المغامرة إلى كابوس، إذ اقتحمت الشرطة الإسرائيلية موقع العمل الذي كان يعمل فيه، وانهالت عليه بالضرب المبرح حتى فقد وعيه وسال دمه واقتادوه فاقدًا الوعي إلى زنزانة وهذه كانت البداية. 

وبعد 13 شهرًا من الاعتقال عاد عبدالله الى عائلته، لكن اللقاء الذي انتظروه طويلًا حمل صدمة للعائلة لم تكن في الحسبان الشاب الذي الدخل السجن سليمًا، خرج منه غير قادر على رؤية الوجوه التي جاءت لاستقباله.  

يجلس عبدالله إلى جوار والدته يستذكر تفاصيل ذلك اليوم الذي قلب حياته رأس على عقب يروي بصوت صلب معاناته داخل السجن، فيما تكتم والدته حرقة بكائها بيدها خشية أن يصدر صوتها فيكسر تلك الصلابة التي يحاول التمسك بها. 

يقول “دخلوا علينا في العصي وبلشوا يضربوا فينا وضربوني في العصى على رأسي وسال دمي على وجهي وأغمي علي، ولم يقدموا لي العلاج وتضرر العصب البصري ومع منع الرعاية الطبية بدأت أفقد البصر تدريجيًا”

وبحسب المؤسسة الدولية للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين  فإن سياسة الإهمال الطبي الممنهجة تعد أحد أخطر أنماط الانتهاكات التي تمارس بحق الأسرى الفلسطينيين، كما وتعد جريمة حرب بموجب اتفاقيات جنيف، لا سيما المادتين (32) و(56) من الاتفاقية الرابعة التي تُلزم سلطات الاحتلال بتقديم الرعاية الصحية للاسرى وتحظر إلحاق الأذى بهم. 

كما أنه يُعد من جهة أخرى جريمة تعذيب وفقًا لاتفاقية مناهضة التعذيب (CAT)حيث يُمارس الإهمال كوسيلة لإحداث الألم والمعاناة الجسدية والنفسية بشكل متعمّد ومنهجي، في انتهاك صارخ للحق في الحياة والسلامة الجسدية والكرامة الإنسانية.

وعلى الرغم من مرارة الظروف التي عصفت به في الأسر ظل أمله معلقًا بلحظة خروجه من السجن، ليرمم العصب المتضرر من الأسر، فبعد زيارات عديدة للأطباء والتنقل بين المستشفيات المحلية والدولية تبين أن العلاج الوحيد لإنقاذ عصبه المتضرر متوفر في أحد مستشفيات ألمانيا لكنه مشروط بتكلفة 2 مليون شيكل. 

 يقف هذا المبلغ عائقًا أمام أمله في العلاج فيقول “صعب كثير لما يكون البني آدم في قدامه شيء ومش قادر يعمله يعني أنا في قدامي علاج بس مش قادر أوصله لأنه المبلغ هذا عالي كثير، فأنا مش قادر… مش قادر أعمل شيء أنا” 

يجلس عبدالله اليوم داخل منجرته التي بناها بتعبه وشغفه، ربما فقد قدرته على ممارسة العمل ولكنه لم يفقد حبه للمكان الذي بدأت منه قصته، بات يقضي كل وقته بين زواياها، يستعيد رائحة النجارة المألوفة ويرى الخشب بأصابعه التي تلمس التفاصيل التي كان يشكلها في يديه وعينيه، يستعيد بذاكرته الحية صور المكاتب والكنب التي لطالما أبدع بصنعها ويشرف على العمل، ويحلم بالعلاج والعودة إلى عمله الشغوف به. 

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني