رولا فطافطة
حين يختبئ الاحتلال في الوقت
ثمة ساعة لا تُرى، تعمل في الضفة الغربية بإيقاع مختلف تمامًا عن الساعة التي يعيش بها الإسرائيلي على الجانب الآخر من الجدار. ليست ساعة الحاجز وحدها، فتلك معروفة ومصوَّرة ومحسوبة بالأرقام، إنها ساعة أخرى أكثر صمتًا، تعمل في الطريق الذي يلتف بلا داعٍ، وفي الخزان الذي يُنتظر ليمتلئ وفي الطلب الذي يبقى بلا رد، وفي المشروع الذي لا يُولد أبدًا.
هذا المقال يتتبع الوقت الذي يُصادَر بصمت، دون أن يبدو أنه يُصادَر أصلًا، أستخدم هنا تعبير “جغرافيا الزمن” لوصف كيف تجعل السيطرة على المكان قيمة الوقت نفسه غير متساوية بين من يعيشون على الأرض ذاتها.
أولًا: وقت المسافة، الطريق الذي لا يبدو حاجزًا
منذ التسعينيات، تطورت في الضفة الغربية شبكة من الطرق والبنية التحتية التي أعادت تنظيم حركة الفلسطينيين والإسرائيليين بصورة منفصلة، لا عبر حاجز مؤقت بل عبر تصميم دائم للمكان نفسه، ويظهر هذا الفصل بأوضح صورة في الطريق 4370 قرب القدس.
الطريق مكوّن من أربعة مسارات، مقسّمة إلى طريقين متوازيين يفصل بينهما جدار خرساني يبلغ ارتفاعه نحو ثمانية أمتار. أحد جانبيه يخدم المركبات الإسرائيلية ومن يحملون تصاريح لدخول القدس وأراضي الداخل المحتلّ، بينما يستخدم الجانب الآخر الفلسطينيون من حملة هويات الضفة الذين لا يستطيعون دخول القدس والأراضي المحتلة من دون التصاريح المطلوبة، بحسب توثيق نشرته “جيروزاليم ستوري” عام 2025.
هنا الفارق ليس لحظيًا كما عند الحاجز بل بنيوي ودائم، لا أحد يوقفك ويطلب هويتك، لكن تصميم الطريق نفسه يفصل بين مسارين للحركة، ويجعل الوصول إلى بعض الوجهات بالنسبة للفلسطينيين مرتبطًا بمسارات أخرى أطول وأكثر تعقيدًا.
والأهم أن هذا النظام لا يحتاج إلى أن يمنع الفلسطيني من الوصول إلى مكان ما بصورة كاملة كي يؤثر في حياته، يكفي أن يجعل الوصول إليه أطول وأكثر كلفة وأقل قابلية للتنبؤ، دون أن يبدو ذلك من الخارج إجراءً أمنيًا مؤقتًا كالحاجز، وإنما مجرد بنية تحتية.
ثانيًا: وقت التدبير، الماء الذي لا يبدو سرقة وقت
قد يبدو الماء أبعد ما يكون عن فكرة الزمن، وهذا بالضبط ما يجعله مثالًا جيدًا على الأشكال غير الظاهرة لهذه المعادلة، لا أحد يربط بين فتح الصنبور والاحتلال بشكل مباشر، ومع ذلك فإن إدارة هذا المورد تفرض على الفلسطيني وقتًا إضافيًا كل يوم.
بحسب تقرير لمنظمة “بتسيلم” عام 2023، يبلغ متوسط استهلاك الإسرائيليين بمن فيهم سكان المستوطنات نحو 247 لترًا للفرد يوميًا، مقابل 82.4 لترًا للفلسطينيين في الضفة الغربية وفي التجمعات الفلسطينية غير المرتبطة بشبكة المياه ينخفض المتوسط إلى نحو 26 لترًا للفرد يوميًا.
لكن الرقم وحده لا يشرح المشكلة كلها، فالحرمان من المياه لا يعني فقط كمية أقل من مورد أساسي، إنه يعني وقتًا إضافيًا لا يظهر في أي إحصاء رسمي: وقت التخزين، ووقت مراقبة الخزان، ووقت انتظار صهريج خاص، ووقت التدبير اليومي لأسرة لا تعرف متى ستحتاج لشراء المزيد، هذا الوقت لا يُقاس بدقائق عند حاجز، لكنه يتكرر كل يوم، بلا استثناء، بلا نهاية معلنة.
ثالثًا: وقت البيروقراطية، الورقة التي تسرق سنوات
هناك نوع أعمق من سرقة الوقت لا يظهر على الطريق أصلًا، ولا يرتبط بأي حاجز عسكري: الزمن الذي تقضيه المعاملة قبل أن تتحول إلى قرار.
في المنطقة C التي تشكل نحو 60% من مساحة الضفة الغربية وتخضع للسيطرة المدنية والأمنية الإسرائيلية، وثّق البنك الدولي في دراسة عام 2013 أن أقل من 1% من أراضي المنطقة كان متاحًا للفلسطينيين للبناء، وأن أقل من 6% من طلبات البناء المقدمة بين عامي 2000 و2007 حصلت على موافقة.
وتقدم بيانات أحدث صورة أكثر تحديدًا، فقد نشرت منظمة “بمكوم” المعمارية الإسرائيلية أن الفلسطينيين قدموا 2550 طلب بناء بين عامي 2016 و2020، ولم تتم الموافقة إلا على 24 منها، أي أقل من 1%.
هنا لا أحد يقف أمامك ويقول انتظر ساعتين، لكن قد تنتظر سنوات حتى تعرف إن كان بإمكانك بناء منزل أو توسيع مبنى أو تطوير بنية تحتية تحتاجها قرية بأكملها، وهذا نوع مختلف تمامًا من سرقة الوقت، ليس انتظارًا مرئيًا عند بوابة إنما غيابًا تامًا لأي جدول زمني يمكن التخطيط حوله.
رابعًا: وقت الاقتصاد، حين يتحول الوقت المسروق إلى رقم
قد تبدو هذه الأشكال من سرقة الوقت صغيرة ومتفرقة: صهريج ماء هنا، وطلب بناء معلّق هناك، لكن عندما تتكرر على مستوى مجتمع كامل، فإن أثرها لا يبقى فرديًا بل يتحول إلى خسارة اقتصادية قابلة للقياس.
قدّر “البنك الدولي” في دراسة عام 2013 أن رفع القيود عن النشاط الاقتصادي في المنطقة C يمكن أن يضيف ما يصل إلى 35% إلى الناتج المحلي الفلسطيني، أي نحو 3.4 مليار دولار وفق مستوى الناتج المحلي لعام 2011.
وفي دراسة لاحقة، قدّرت “أونكتاد” أن القيود على 30% من المنطقة C المتاحة للتنمية الفلسطينية تعادل تكلفة سنوية بنحو 25.3% من الناتج المحلي الإجمالي للضفة الغربية، فيما بلغت الخسارة التراكمية المقدّرة نحو 50 مليار دولار بين عامي 2000 و2020.
وتشير بيانات “الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني” إلى أن نحو 87% من الصادرات الفلسطينية عام 2024 ذهبت إلى إسرائيل بقيمة بلغت نحو 2.304 مليار دولار، مقارنة مع 94% عام 1996، هذه النسبة لا تفسرها القيود وحدها، لكنها تذكّر بأن الوقت المسروق لا يبقى محصورًا بتجربة فردية، بل يعمل داخل الاقتصاد نفسه، ويؤثر في المسافة بين المنتج والسوق، وبين العامل ومكان العمل، وبين الأرض وإمكانية استثمارها.
حين يصبح البطء واقعًا
ما تكشفه هذه الأمثلة هو أن السيطرة على المكان لا تنتج فقط حدودًا ومسارات مختلفة، بل تنتج أزمنة مختلفة أيضًا، فالوقت قد يُنتزع عند الحاجز لكنه يُستنزف كذلك في الطريق الأطول وفي انتظار الماء، وفي معاملة لا تجد طريقها إلى القرار، وفي فرصة اقتصادية لا تتحقق.
وهنا تصبح “جغرافيا الزمن” طريقة لفهم أثر السيطرة، لا من خلال الأماكن التي يُمنع الفلسطيني من الوصول إليها فقط، إنما من خلال الوقت الذي يُستهلك قبل أن يصل، أو يبني، أو ينتج.
ولهذا، ربما لا يكون السؤال الأهم فقط: من يسيطر على الأرض؟ بل أيضًا: من يملك حق أن يعيش وقته بحرية، ومن يُفرض عليه أن يعيش في زمن الانتظار؟




