loading

حارة المحجر: ملاذ أهالي مخيم نور شمس الأخير

عرين فحماوي

على أرضٍ صخرية مرتفعة، تبدو حارة المحجر مختلفة عن بقية مخيم نور شمس، فبينما تحولت أجزاء واسعة من المخيم إلى ركام، بقيت الحارة مأهولة و تستقبل عائلات نزحت من أحياء مجاورة بعدما فقدت منازلها أو لم تعد قادرة على العودة إليها.  

وعلى عتبة بيتها، تجلس الحاجة أم ياسر الصفوري، البالغة من العمر 80 عامًا. لا تختصر حكايتها تاريخ المخيم، بل تمتد ذاكرتها إلى ما هو أبعد من الحارة فمن حيفا حيث بدأت ذاكرتها الأولى، إلى المحجر، مرّت حياتها عبر محطات متتالية من التهجير والبحث عن مكان آمن للاستقرار . 

1200 لاجئ

 يعيش نحو 1,200 لاجئ، موزعين على قرابة 300 عائلة، في مساحة تحولت بفعل النزوح والدمار إلى ما يشبه نقطة التقاء للذين فقدوا أماكنهم الأولى، وتختصر الحارة اليوم حكاية مخيم بأكمله: بيوت بقيت واقفة، وأخرى غابت، وسكان يحاولون الحفاظ على تفاصيل الحياة اليومية في مكان لم يعد يشبه ما كان عليه. 

في السادس من آذار 2025، قالت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) إن أكثر من 16 مبنى بدأ هدمها في مخيم نور شمس، بعد أيام من هدم 11 منزلًا في المخيم نفسه، في سياق عملية عسكرية إسرائيلية واسعة في شمال الضفة الغربية، وأشارت حينها إلى أن المخيمات في جنين وطولكرم ونور شمس كانت قد أُفرغت إلى حد كبير من سكانها نتيجة العمليات والدمار.

في حارة المحجر ، تبدو آثار النزوح حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، عائلات جاءت من أماكن أخرى داخل المخيم، تحمل معها ما استطاعت إنقاذه من متاعها، وتحاول إعادة ترتيب حياتها في مساحة لم تكن معدّة لاستيعاب هذا العدد من السكان. 

 الأمم المتحدة وفي بيان لها أوضحت بأن العمليات في مخيمات شمال الضفة الغربية شملت تدمير منازل وبنى مدنية، إضافة إلى أضرار في الطرق وشبكات المياه والصرف الصحي والاتصالات، فيما أدت القيود على الحركة إلى صعوبة الوصول إلى المدارس والمراكز الصحية وأماكن العمل والأسواق. 

ثمانون عامًا من الذاكرة

تصف الحاجة أم ياسر  ما عاشته من تهجير في حياتها قائلة: “عشت التهجير وأنا صغيرة، وكنت أقول يمكن خلص، الواحد بكبر وبنسى، بس لما شفت الناس بتتهجر من بيوتها مرة ثانية، حسيت كأني برجع لنفس الأيام “. 

تنظر إلى الحارة من حولها وتتابع : ” هون الواحد صار متعلق بالحجر قبل ما يكون متعلق بالبيت يمكن لأنه بعرف إنه إذا راح من هون، وين بده يروح ؟ إحنا شفنا ناس تطلع وما بتعرف إذا رح تقدر ترجع وهاد وضع المخيم حاليًا فش حدا فيه “.

وتضيف أم ياسر : “مش بس الهدم اللي غيّر حياتنا، حتى الاقتحامات والخوف اللي بيدخل مع كل مرة بنسمع فيها أصوات الجنود، مرات بنضل قاعدين بالبيت وما بنعرف شو بده يصير، وينتا رح يحكوا  للناس تطلع، الواحد صار يحسب خطواته، ويعرف شو يحكي ووين يروح، حتى جوّا الحارة اللي عايشة فيها “. 

وعن حارة المحجر تروي : ” هاي الحارة ظلت عامرة، وظل فيها ناس، بس الحياة مش زي قبل، الولد اللي كان يطلع يلعب، صار يعرف شو يعني خوف ونزوح وبيت مهدوم، وأنا أكثر إشي بخاف منه إنه يكبر هاد الجيل وهم مفكرين إنه هاي الحياة الطبيعية ” 

ثمانون عامًا لم تمحُ من ذاكرتها الطريق من حيفا إلى المحجر؛ بل جعلتها ترى في كل نزوح جديد فصلًا آخر من القصة نفسها، في كلماتها  لا يظهر المحجر كعنوان للسكن فقط ، بل كمكان ارتبط بالذاكرة والبقاء، فقد عاشت أم ياسر محطات سابقة من التهجير، وعادت إلى المكان الذي بات بالنسبة لها أكثر من مجرد حي؛ بل هو ما تبقى من مساحة تستطيع أن تسميها بيت.

رزقٌ على مرأى من الركام

 في ذات الحارة يقف صالح بريكي “35 عامًا”، خلف بسطة المشاوي التي فتحها بعد أن اضطر إلى ترك عمله داخل الخط الأخضر والنزوح من حارة المنشية إلى المحجر، لم تكن البسطة مشروعًا مخططًا له، بقدر ما كانت محاولة لخلق مصدر رزق جديد بعدما انقطع عمله الأول. 

يقول صالح : ” لما إجينا على المحجر، ما كان قدامنا كثير خيارات تركت شغلي بالداخل وقلت لازم أعمل إشي أعيش أنا و عيلتي منه، بلشت البسطة بإمكانيات بسيطة شوي شوي صارت مصدر رزقي، يمكن ما بتعوضني عن شغلي القديم، بس على الأقل خلتني أقدر أوقف على رجلي وما أظل مستني “.

ويتابع : ” أصعب إشي مش إنك تبدأ شغل جديد، أصعب إشي إنك تبدأ من الصفر وإنت مش عارف شو مخبّي بكرا، كل يوم بفتح وبحاول أبيع، وبحاول أخلي حياتي تمشي، حتى لو كل إشي حواليّ تغيّر “.

ومع حلول المغرب، تشتعل نار الفحم وتبدأ رائحة المشاوي بالانتشار في الحارة، بالنسبة لصالح لم تعد البسطة مجرد وسيلة لكسب المال، بل أصبحت جزءًا من محاولته لاستعادة إيقاع الحياة بعد أن انقطع عمله القديم وتغيّر مكان سكنه. 

يضيف صالح: “إحنا تهجرنا من حارة لحارة، بس ما بدنا نخلي النزوح ياخذ منا كل إشي، البيت تركناه والشغل القديم تركناه، بس الواحد بحاول يخلق إشي جديد ويكمل، يمكن البسطة بسيطة بس بالنسبة إلي هي رزقة ووقفة على رجلي”.

ومن المحجر، يبدأ صالح كل مساء يومًا جديدًا ؛ لا يستعيد ما فقده، لكنه يحاول أن يبني من القليل المتبقي حياةً يمكن مواصلتها.

جيل يولد فوق الصخر

في الجهة الأخرى من الحارة، ينشأ جيل جديد وسط واقع مختلف. الأطفال الذين يلعبون في المكان اليوم لا يعرفون الحارة فقط بوصفها بيتًا، بل بوصفها مساحة محاصرة تحاول أن تحافظ على الحد الأدنى من الحياة، يشاركون تفاصيل يومهم ويتنقلون بين البيوت والمساحات المتاحة، فيما أصبحت أبسط الأشياء مثل “اللعب، الدراسة، زيارة الجيران، والعودة إلى المنزل” مرتبطة بواقع أمني وإنساني غير مستقر. 

عدد البيوت التي بقيت واقفة لا يقيس حجم الخسارة، كما أن بقاء السكان لا يعني أن المكان نجا من آثار ما حدث، الحارة تحمل اليوم آثار من غادروا، وأصوات من بقوا، وذكريات أجيال تعيش بين ما كان عليه المخيم وما أصبح عليه.

في حارة المحجر لا تبدو الحكاية بها مجرد قصة عن مكان نجا من الدمار،  إنها عن سكان يحاولون البقاء في آخر مساحة مأهولة، وعن ذاكرة تنتقل من جيل إلى جيل، وعن مكان يتحول “تحت ضغط النزوح والدمار” من حيّ داخل مخيم إلى عنوان أخير للحياة. 

المحجر ليست فقط المكان الذي بقي واقفًا؛ إنها المكان الذي بقيت فيه الحكاية. وهكذا، أصبحت الحارة التي بقيت مأهولة تحمل عبئًا أكبر من قدرتها على الاستيعاب؛ فهي لا تؤوي سكانها فقط، بل تستقبل أيضًا من فقدوا أماكنهم في محيطها.

فيسبوك
توتير
لينكدان
واتساب
تيلجرام
ايميل
طباعة


جميع حقوق النشر محفوظة - بالغراف © 2025

الرئيسيةقصةجريدةتلفزيوناذاعةحكي مدني