سلمى الريماوي
بعض الحكايات تبدأ بصمتٍ ثقيل، بخوفٍ يتسلل إلى البيوت كل ليلة، وبأمٍّ ترتجف كلما سمعت طرقًا على الباب في ساعاتٍ متأخرة من الليل هذه ليست مجرد قصة استشهاد شاب على يد الاحتلال، بل حكاية عشرة أيام من العدّ التنازلي نحو الموت عاشها الشهيد محمد زغلول وهو يترقب نهايته بصمت بين اقتحامات متكررة، وأحلام مؤجلة.
لم تكن الخطوط التي كان يرسمها محمد على الحائط كل يوم مجرد علامات عابرة بل عدًا تنازليًا لعمره، كان يقترب من الحائط المجاور لسريره ويرسم خطًا جديدًا، يومًا بعد يوم، دون أن يفهم أحد في ذلك الوقت ماذا تعني تلك الخطوط. يقول شقيقه بشير في حديث ل”بالغراف”.
كان محمد في الرابعة والعشرين من عمره مطاردًا من الاحتلال وكان الخوف يلازمه خلال الأسبوعين الأخيرين من حياته بسبب دفاعه وتصديه لاقتحامات الاحتلال في البلدة كأي شاب يدافع عن وطنه وأرضه ويحمي عِرضه. يضيف بشير.
وأردف “لم يكن منزلنا يعرف طعم السكون، كان الجو مشحونًا بالتوتر، وفي كل ليلة كان محمد يعود فيها إلى غرفته المنفصلة عن منزلنا مباشرة، كان يقترب من الحائط المجاور لسريره ويرسم خطًا جديدًا، خطًا بعد خط حتى أصبحت عشرة خطوط كاملة، مقسومة إلى مجموعتين”.
ويتابع “في ذلك الوقت لم نكن ندرك معنى تلك الخطوط، لكن بعد رحيله فهمنا أنها كانت أشبه بسجل صامت لأيامه الأخيرة وبقيت تلك الخطوط محفورة على الجدار فوق سريره، بجانب وسادته وسجادة صلاته، شاهدة على خوفٍ لم ينطق به”.
في آخر أيامه لم يكن كما عرفه الجميع سابقًا لاحظت العائلة تغيرًا فيه أصبح أكثر هدوءًا، أطول تأملًا، وكثير النظر إلى وجوه أهله وكأنه يحفظ ملامحهم في قلبه للمرة الأخيرة.
رحيلٌ ترك فراغًا لا يُملأ
كان محمد شابًا محبوبًا من الجميع عُرف بطيب الخلق وحُسن العشرة، عرفه الناس بابتسامته الحاضرة رغم ثقل الحياة، وبشاشته التي كانت تخفف عمّن حوله كان جادًا حين تتطلب المواقف رجولةً وحزمًا، لكنه أيضًا كان مرحًا محبًا للضحك منتمٍ للعائلة للأصدقاء وللتفاصيل الصغيرة التي تصنع دفء الحياة.
يقول بشير إن شقيقه كان بالنسبة لوالده أكثر من مجرد ابن؛ كان يده اليمنى في عمله كحداد، وسنده الذي يعتمد عليه في شؤون الحياة اليومية وكان لصوت مطرقته في الورشة حضور يومي، وبعد رحيله صار الصمت في الورشة موجعًا أكثر من أي صوت.
أما والدته فكانت تحلم أن تراه مستقرًا متزوجًا، كان ذلك حلمها البسيط والكبير في آن واحد ومحمد نفسَه كان يتحدث أحيانًا عن المستقبل والزواج والاستقرار، لكنه في أوقات أخرى كان يقول لأمه كلامًا يوجع قلبها حتى اليوم “يمّا… أنا بدي أستشهد… بدي الوطن يما.” ثم يعود ويقبّل رأسها ويديها وقدميها ويقول لها: “الجنة تحت أقدام الأمهات… ادعيلي يا يمّا… بدي أرفع راسك.”
حتى أتى ذلك اليوم، يوم الثامن عشر من أيلول عام 2018 مساءً، رسم محمد خطه الأخير على الحائط، كان ذلك الخط العاشر، ذلك الخط … خط النهاية.
حين اقتحم الرعب العتمة
يروي بشير ما حدث قائلًا “في تلك الليلة، تسلل جنود الاحتلال نحو غرفته كالذئاب وسط الليل بصمت مخيف في البداية لم يكن هناك طرق على الباب، ولا أصوات صاخبة فقط حركة ثقيلة في العتمة، فالصوت الخافت الذي صدر كان كافيًا لإيقاظ شقيقتنا من نومها، فتحت عينيها بقلق ونهضت وتوجهت نحو النافذة بجسدٍ تمالكته الرجفة والخوف لتتفقد ما يحدث وما مصدر ذلك الصوت القريب وما إن نظرت حتى تجمد الدم في عروقها، الجنود في كل مكان، يحاصرون المنزل، شعرت وكأن الأرض انشقت من تحت قدميها، ركضت نحو والدتنا توقظها بصوت خافت مرتجف بالكاد يخرج من شدة الرعب: “يمّا الجيش هان … يمّا محمد … هيهم عندو فالغرفة.”
ويضيف” قفزت والدتنا مذعورة أن يصيب محمد أي مكروه، واتجهت نحو غرفته مباشرة بكل ما بقي في جسدها من حيل وقوة، لكن الجنود كانوا قد حاصروا المنزل فالتقت بهم في وجهها قبل أن تصل إليه، صرخ أحدهم بعنف مطالبًا بهوية محمد، أخبرتهم بصوت يرتجف: “هويته بالغرفة”.
أمروها أن تدخل وتحضرها، لكن دون أن تشعل الضوء، ودخلت إلى الغرفة وكل شيء فيها كان يصرخ بأن عنفًا رهيبًا حدث هنا ويداها ترتجفان وهي تتحسس خزانة ابنها، تقلب الملابس في الظلام بحثاً عن الهوية كانت تردد بصوت مبحوح: “طيب وين ابني؟ وين محمد؟”
ثم رأته، لحظة واحدة كانت كفيلة بكسر قلبها إلى الأبد، كان محمد ملقى على الأرض بلا حراك، جسده ساكن بطريقة مرعبة من همجيتهم في الضرب على وجهه آثار ضرب وكدمات زرقاء، وشفته متورمة، ورأسه يحمل آثار الارتطام العنيف بالحائط وعند رأسه جندي يضربه بقسوة على وجهه، وكأنه يحاول إيقاظه من غيبوبة.
لكن الأم أدركت شيئًا لم يدركه أحد بعد ذلك لم يكن إغماءً كان الموت، انفجرت صرخاتها تمزق جدران المكان: “شو عملتوا بابني؟ شو سويتوا فيه! ليش تاركينه مرمي عالأرض؟ ” كانت تصرخ بحرقة ترى روحها مُلقاة أمامها جسد أرهقه شدة الضرب العشوائي.
رأسه المتدلّي قال كل شيء
“حاولت والدتنا بكل ما فيها أن تعطي الجنود ملابس ليلبسوه ولم تحتمل أن يُسحب ابنها بملابسه الداخلية فقط مدت يدها ببنطاله وهي تبكي، لكن أحد الجنود قام بدفعها بعنف وأجابها “إحنا بنلبسه” ، لكنهم قد كذّبوا عليها ولم يلبّسوه حملوه كما هو بجسده المرتخي على أكتافهم مكبلًا بلا مقاومة بلا حركة بلا وعي.” يروي بشير
ويقول “في حينها نزلت مسرعًا ورأيت المشهد الذي سيطاردني طوال عمري، جنود يحملون أخي مكبل اليدين على أكتافهم رأسه متدلٍ جسده مرتخٍ بالكامل لا يقاوم لا يتحرك”.
ويفيد “ركضت مع والدي خلفهم مباشرة لنقترب منه ونطمأن عليه، لكن الجنود صوّبوا أسلحتهم تجاهنا ومنعونا من الاقتراب، فقد كان واضحًا لكل من رآه أنه لم يكن بخير لم يكن واعيًا لم يكن حيًا كما ينبغي لإنسان حي أن يكون.”
لاحقًا، اتصل ضابط الاحتلال ببشير وسأله هل محمد يعاني من مرض مزمن أو لديه أي مشكلة صحية؟ “كان السؤال مستفزًا إلى حد القهر وفق ما يقوله بشير حيث صرخ بصوت يملأه الغضب: “لا! محمد سليم … وإنتوا اللي قتلتوه!”
كان يعلم ما فعلوه به، كانوا يمسكون رأس محمد ويضربونه بالحائط مرة بعد مرة، بعنف ووحشية لا تعرف الرحمة مع الضرب والركلات العشوائية بأقدامهم وأعقاب أسلحتهم وجرّة الغاز!
مرّت ساعة، بدت أطول ساعة من العمر كله، ثم جاء الخبر: محمد… استشهد.
لكن الاحتلال لم يكتفِ بقتله وحرمان أمه من احتضانه في لحظاته الأخيرة، بل احتجز جثمانه أيضًا لعدة أيام.
ثلاثة عشر يومًا من الانتظار الصعب، فكانت والدته تعيش بين الأمل والانكسار تدخل غرفته أحيانًا تمسك ملابسه وتضمها إلى صدرها وتشم رائحته وكأنها تخشى أن تنساها فكل ما أرادته أن ترى وجه ابنها للمرة الأخيرة، أن تلمس شعره، أن تطبع قبلة على جبينه.
أما والده فقد انكسر بصمت موجع فهو لم يفقد ابنًا فقط؛ بل فقد ضلعه الثابت، وسنده ويده اليمنى التي كان يعتمد عليها في كل شيء وفي كل مرة يدخل الورشة ينظر إلى كرسي محمد الفارغ فتخونه عيناه.
أما شقيقته فكانت لا تزال كل ليلة تتخيل أنه سيعود متأخرًا كما اعتادت عليه أن يطرق الباب فتنهض لتفتحه له وتطمئن أنه عاد، لكن الباب ظل صامتًا.
عريسٌ بثوب الشهادة
بعد ثلاثة عشر يومًا، عاد محمد لكن ليس كما تمنوا، عاد جثمانًا، احتضنته أمه الحضن الأخير، حضنًا أرادت به أن تعوض كل لحظةٍ سُرق منها التعبير عن مدى حبها له كانت تضمه يائسةً كأنها تحاول أن تعيده للحياة.
رحل محمد…لكن وجعه بقي شاهدًا على وحشيةٍ قتلت جسده، وعجزت عن قتل ذِكراه وبقيت الخطوط العشرة على الحائط شاهدةً على النهاية.
“وبالنسبة إليّ، لم تعد مجرد خطوط فكلما نظرت إليها، تذكرت أخي، وتذكرت الأيام التي كنا نعيشها دون أن نعرف أن محمد كان يعدّ أيامه الأخيرة.” يختم بشير




